من حق الرأي العام الفلسطيني أن يشعر بالقلق. فها قد انقضى حوالي الشهرين (أي منذ 6/12/2017) على تاريخ إعلان ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارته إليها، دون أن يبدر عن الوضع الفلسطيني الرسمي أية خطوة عملية، تحد من تأثيرات القرار، إن على أوضاع المدينة المقدسة، في ظل الاحتلال والحصار والاستيطان الإستعماري الإسرائيلي، أو على الوضع السياسي الفلسطيني العام والقضية والحقوق الوطنية. ولعل المحطة الوحيدة، المبتورة التي انعقدت، كانت محطة المجلس المركزي الفلسطيني، في ملابساتها المعروفة، ونتائجها المثلومة، التي افتقدت إلى التوافق الوطني الكامل، نتيجة غموض مواقف القيادة الرسمية الفلسطينية، وترددها في مغادرة استراتيجية أوسلو في الحل السياسي، والانتقال إلى الاستراتيجية البديلة، كما رسمت وطنياً في أكثر من محطة، من بينها وثيقة الوفاق الوطني في 2006،وآخرها بيان 22/ 11/2017 في القاهرة.

حتى هذه النتائج المثلومة مازالت حتى اللحظة حبراً على ورق، ومازالت تصريحات أوساط القيادة الرسمية تكتفي بالشجب والاستنكار، وتطلق الوعود تلو الوعود، في الفضاء السياسي، وتنذر بخطوات لاحقة على المستوى السياسي والدبلوماسي، دون أن يتحول أي من هذه الوعود، ودون أن يتحول أي من هذه الإنذارات، إلى خطوة عملية، مع ملاحظة كبيرة:

 • أن كل التصريحات تتحدث عن الشكوى إلى الأمم المتحدة، دون أن نسمع تصريحاً واحداً يتعلق بالنية لوقف التنسيق الأمني، أو «تعليق» الاعتراف بإسرائيل، أو فك التبعية مع الاقتصاد الإسرائيلي. بل على العكس من هذا كله، استمعنا إلى تصريحات لرئيس السلطة يؤكد فيها التزامه الاتفاقات الموقعة مع سلطات الاحتلال، والتزامه التنسيق الأمني معها. الأمر الذي يدعونا، كما يدعو غيرنا، للسؤال عن مصير قرارات المجلس المركزي في 15/1/2018، وفيما إذا سيكون مصيرها كمصير قرارات 5/3/2015.

*      *      *

المجلس المركزي أحال قراراته [وليست توصياته كما يحاول البعض أن يشيع] إلى اللجنة التنفيذية، وكلفها العمل على تطبيقها. وبالتالي هي قرارات ملزمة، للجنة التنفيذية، ولرئيسها، والتكليف ملزم كذلك لهما معاً.

غير أننا أمام حالة قيادية لا تبعث على الارتياح. فاللجنة التنفيذية لا تجتمع بشكل دوري، وبمواعيد ملزمة لكل أعضائها بمن فيهم رئيسها.

يقولون إن هذه «اللجنة» هي حكومة دولة فلسطين في المنفى. المعروف أن للحكومات أجندة اجتماعات دورية، وجدول أعمال واضح المعالم، وتتخذ قرارات نافذة وملزمة لمن هم دونها. لكن الواقع يقول إن اللجنة التنفيذية، هي هيئة مصيرها معلق بإرادة رئيسها. هو من يدعوها إلى الاجتماع متى شاء. هو يحدد لها جدول أعمالها. هو ينهي أعمال الاجتماع متى يشاء. بل يغادر أحياناً الاجتماع غاضباً إذا ما وجد أن النقاش لا يرضيه، «فيعاقب» اللجنة التنفيذية، ويتركها وحيدة. وإذا غاب رئيس اللجنة غابت اللجنة. وإذا حضر رئيس اللجنة حضرت اللجنة. ترامب اتخذ قراره في 6/12/2017. بينما عقدت اللجنة التنفيذية أول اجتماع لها لبحث هذا القرار في 13/1/2018، ولم يستكمل جدول أعماله، لأن رئيسها لم يعجبه أن يسأل عن سبب تأخير الاجتماع حتى هذا التاريخ رغم خطورة الوضع.

إذن كخلاصة، إن التعويل على اللجنة التنفيذية، في ظل آليات اجتماعاتها المتباعدة زمنياً، والمفرغة من مضمونها، لتنفيذ قرارات المجلس المركزي، قد يضعنا أمام نتيجة مماثلة لنتائج قرارات دورة 2015، أي أن تبقى القرارات حبراً على ورق. وبالتالي لا يمكن الحديث عن ضمانة لتشق قرارات المجلس المركزي طريقها، ولصياغة برنامج وطني في مواجهة سياسات إسرائيل وترامب، دون الحديث عن ضرورة إجراء إصلاح ديمقراطي لأوضاع المؤسسة الوطنية الفلسطينية. وهذه القضية كانت القضية الأولى التي أدرجتها مذكرة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى المجلس المركزي في دورته الأخيرة. وبدون إصلاح ديمقراطي حقيقي للمؤسسة الوطنية، يعيد بناء العلاقات الوطنية على أسس برنامجية وتنظيمية، ائتلافية تشاركية، وديمقراطية، سيبقى كل شيء معلقاً على إرادة المطبخ السياسي، كما بقيت كل القرارات السابقة، من مؤتمر الحوار الوطني في القاهرة في أذار (مارس) 2005، إلى وثيقة الوفاق الوطني (2006) وصولاً إلى مخرجات اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني في بيروت (كانون الثاني 2017) انتهاء بيان 22/11/2017 في القاهرة وقرارات المجلس المركزي في دورتيه في 2015 و2018.

 

*   *   *

 

الإصلاح الديمقراطي، كما نفهمه، مدخله إعادة بناء الوحدة لوطنية على أسس ديمقراطية وجديدة.

 

وهذا يفترض:

 

1) إنهاء الانقسام وإنجاز اتفاق المصالحة. والخروج من دائرة المراوحة نحو خطوات جريئة تنقذ قطاع غزة، وتنتقل بالحالة الوطنية إلى مرحلة جديدة. وإذا كان رئيس السلطة الفلسطينية قد اعتبر أن إنجاز المصالحة يتطلب إرادة وطنية وتوفير حسن النية، فمعناه أن تعطل المصالحة يشير إلى غياب الإرادة الوطنية وإلى غياب حسن النية. ولا يمكن أن تنجح المصالحة إلا بإرادة الطرفين معاً. والكرة في ملعب الطرفين. وعليهما التوقف عن لعبة الانتقال من حالة الانقسام إلى حالة التقاسم. عليهما معاً التراجع عن أخطائهما وعدم الإصرار عليها. وعليهما معاً أن يعتذرا للشعب الفلسطيني، ولقواه السياسية عن الزمن والدم المهدور في حروب الانقسام، وعن الزمن والدم المهدور في صراعات إنهاء الانقسام. إنجاز المصالحة هو المدخل لاستعادة الوحدة الوطنية الجامعة والشاملة، وهو الطريق لإنقاذ قطاع غزة. لذلك نعتبر معركة إنجاز المصالحة معركتنا الوطنية كلنا، وعلينا كلنا أن نمارس الضغوط اللازمة، عبر الشارع لدفع الطرفين لإزالة العراقيل أمام حل الأزمة القائمة.

2) دعوة «لجنة تفعيل وتطوير م.ت.ف» إلى الاجتماع الفوري. وهي التي تضم اللجنة التنفيذية ورئيسها، والأمناء العامين (14 فصيلاً) ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني وشخصيات مستقلة. لتكريس المصالحة، وإعادة بناء الوحدة الوطنية، استناداً إلى وثائق الإجماع الوطني، ورسم الخطوات اللازمة للانتقال بالحالة الفلسطينية نحو المرحلة الجديدة، هذا يتطلب التوافق على البرنامج الوطني، (وقد أشرنا إلى وثائقه)، وإعادة بناء المؤسسة الوطنية بالانتخابات الشاملة، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، أي استكمال الانتخابات البلدية في قطاع غزة، إجراء انتخابات رئاسية في الضفة الفلسطينية، وقطاع غزة، انتخاب المجلس التشريعي الجديد، في مناطق السلطة، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل. انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني الجديد، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل. الأمر الذي يتطلب دعوة اللجنة التحضيرية لاستئناف اعمالها برئاسة رئيس المجلس سليم الزعنون. دعوة المجلس الجديد للاجتماع في مكان يتم التوافق عليه وطنياً، بحيث يحضره الجميع، ليعيد انتخاب لجنته التنفيذية (التي بدورها تنتخب رئيسها وأمين سرها وتشكل لجانها ذات الاختصاص) والمجلس المركزي الجديد (بعيداً عن سياسات الكوتا والهيمنة الفئوية)، وكذلك اللجان البرلمانية المعنية بمساءلة اللجنة التنفيذية على أعمالها، في آلية عمل، تضع حداً لسياسة تغييب الهيئات، وتغييب المساءلة على أسس وطنية وديمقراطية.

وإلى أن يتحقق هذا كله، ستبقى معركة إعادة الاعتبار للجنة التنفيذية مفتوحة. وستبقى معركة إعادة الاعتبار للمجلس المركزي مفتوحة هي الأخرى، في إطار المعركة المفتوحة للإصلاح الديمقراطي للمؤسسة الفلسطينية.

التجربة الغنية للنضال في مؤسسات م.ت.ف، علمتنا أنه لا يمكن الفصل بين المعركة الوطنية ضد الاحتلال والاستيطان، وبين معركة تطوير أوضاع المؤسسة الوطنية وإصلاحها وتعزيز أركانها.

بذلك نعزز أواصر الوحدة الوطنية الحقيقية المبنية على أسس برنامجية، وأسس ديمقراطية، بعيداً عن سياسة الانفراد والتفرد بالقرار، وبعيداً عن سياسة إحلال «المطبخ السياسي» محل المؤسسات الوطنية.

بذلك نعزز قدرتنا على التصدي للاستحقاقات، والانتقال من سياسة «الفشل» والمراوحة في المكان والرهانات الخاسرة، إلى سياسة الإنجاز الوطني.