لا يختلف إثنان على أن سكان قطاع غزة يعيشون أزمات مركبة ومتراكمة تحت وطأة ثنائية عدوان الاحتلال وتداعيات الانقسام.

ومع أن الحالة الفلسطينية عموماً تعاني من الأزمات، إلا أن أوضاع الغزيين في تدهور متسارع جعل الكثير من المنظمات والمؤسسات الوطنية والدولية تدق جرس الانذار تحذيراً من كارثة إنسانية وشيكة.

ففي تداعيات الانقسام، تعرض القطاع لإجراءات عقابية على يد السلطة الفلسطينية طالت حتى موظفيها، ومع قرارات إدارة ترامب العدوانية تجاه الأونروا كان للقطاع نصيب كبير من انعكاساتها السلبية ربطاً بنسبة اللاجئين الكبيرة بين السكان. كما تعرض القطاع لسلسلة من الحروب العدوانية على يد الاحتلال دمرت قسماً كبيراً من البنى التحتية، ولا يزال موضوع إعادة الإعمار رهين التجاذبات متعددة الأطراف.

تفاءل الغزيون عند توقيع «اتفاق المصالحة» الأخير في القاهرة، واستبشروا بإنهاء فصل طويل وثقيل من معاناتهم بفعل تداعيات الانقسام، وغياب عمل مؤسسات ووزارات حكومة التوافق جراء الاستعصاءات التي منعت تنفيذ «اتفاق الشاطئ» الموقع بين حركتي فتح وحماس في العام 2014.

ومن زاوية هذا التفاؤل، رحبوا بقدوم حكومة الحمد لله وعقد اجتماعها في غزة، على أمل أن توضع مشاكل القطاع على سكة الحل. لكن أي شيء من هذا لم يحصل، وبدا واضحاً أن طرفي الانقسام (والاتفاق) يتحركان وفق الحسابات الخاصة ذاتها التي أدت إلى وقوع هذا الانقسام.

وقبل دخول القاهرة على خط المصالحة مجدداً وتوقيع الاتفاق الأخير (12/10/2017) كانت التجاذبات الحادة بين الحركتين في ذروتها، بعد أن قامت السلطة الفلسطينية بسلسلة من الاجراءات والقرارات من بينها حسم نسبة كبيرة من رواتب موظفيها في القطاع وأحالت عدداً واسعاً من العاملين في الأجهزة الأمنية لديها هناك إلى التقاعد المبكر وتوقفت عن تمويل الوقود لمحطة توليد الكهرباء في غزة.

واشترطت السلطة لكي تتراجع  عن هذه الإجراءات إعلان حماس حل اللجنة الإدارية الخاصة بها لإدارة القطاع، وتمكين حكومة التوافق من العمل بحرية في الوزارات والمؤسسات في غزة.

وفي جو ملبد بالشروط والشروط المضادة بين طرفي الانقسام، شعر الغزيون ومعهم جميع الفلسطينيين أن الانقسام يمضي نحو التكريس والتأبيد وليس الحل، إلى أن تدخلت القاهرة وتم توقيع الاتفاق الأخير، بعد أن أعلنت حركة حماس حل اللجنة الإدارية وقبولها بعودة الحكومة إلى القطاع.

والذي صدم أهالي القطاع، ومعهم عموم الحالة الفلسطينية، أن السلطة لم تتراجع فوراً عن قراراتها تجاههم، وربطت ذلك، بحسب تصريحات مسؤوليها، بتمكين الحكومة تماماً من العمل في غزة، وتجاهلت أنه من الممكن أن يتم الأمران معاً، تمكين الحكومة، ورفع العقوبات. ومع الوقت اتضح أن المساعي لإنهاء الانقسام عادت إلى المربع الأول، وطفت مجدداً على السطح الاتهامات والاتهامات المقابلة بين الطرفين اللذين حمل كل منهما الآخر مسؤولية ذلك.

ومن الواضح، ربطاً بتجربة الاتفاقات الثنائية بين الحركتين، منذ اتفاق مكة، وحتى الاتفاق الأخير، أن كل منهما يفهم إنهاء الانقسام باعتباره اتفاق على تقاسم «السلطة». وهذا الفهم هو السبب في فشل جميع الاتفاقات التي وقعت بينهما.

وفي ظل استمرار هذه السياسة، تراكمت الأزمات الفلسطينية وتفاقمت والأخطر في هذه «الفهم» وهذه السياسة أن سكان قطاع غزة تركوا وحدهم أمام كل المآسي التي تعرضوا لها؛ بعدما تحول القطاع إلى موضوع للتجاذب والاضراب بين طرفي الانقسام، ضمن محاولة بائسة للإجابة على السؤال الخاطئ.. من يحكم غزة؟.. وبهذه السياسة أيضاً تم تحويل القطاع إلى خزان من المشاكل والأزمات ينذر بالانفجار في كل لحظة، وهذا ما يحذر منه الجميع بمن فيهم المؤسسات الأمنية في دولة الاحتلال، ولكن من زاوية أنه من المحتمل أن يكون هذا الانفجار على شكل انتفاضة.

على ذلك، حذرت قوى وفصائل فلسطينية منذ توقيع اتفاق 12/10 في القاهرة من العودة إلى الفشل، وكان مرد هذا التحذير الآليات الواردة ضمن الاتفاق، والتي اعتمدت لتطبيقه تشكيل لجان ثنائية بين الحركتين تتولى معالجة كل ملف من الملفات التي تضمنها الاتفاق. ودعت هذه القوى والفصائل إلى تشكيل لجان وطنية شاملة بديلاً عن الثنائية، كي تخرج النقاشات في هذه اللجان عن معادلات التقاسم بين الحركتين.

وكي تكون اللجان الوطنية معنية بإعادة توحيد المؤسسات على أسس وطنية راسخة، بعيداً عن كل أشكال التمحور الفئوي والحركي والحزبي، وتعلو بالنتيجة المصلحة الوطنية العليا فوق المصالح الذاتية.

وعلى ذلك، أيضاً وبحكم التجربة، من المفترض أن توضع قرارات الحوارات الوطنية الشاملة موضع التطبيق بديلاً عن الصفقات الثنائية.

من المؤسف أن ما يتعرض له الفلسطينيون من عدوان مستجد على يد قرارات إدارة ترامب بخصوص القدس والأونروا لم يشكل حافزاً جدياً وعملياً لدى طرفي الانقسام كي يقطعا مع سياساتها السابقة تجاه موضوعة استعادة الوحدة.

ويشهد قطاع غزة تحركات احتجاجية واسعة ضد قرارات ترامب تجاه الأونروا، وضد واقع الفقر والبطالة وندرة المياه الصالحة للشرب وانقطاع الكهرباء وفوق كل ذلك ارتفاع الأسعار؛ وإذا لم تجد هذه الاشكالات طريقها إلى الحل على يد السلطة الفلسطينية وحكومتها أولاً، فإن الأمور ستصل إلى الخطر الشديد.

أمام هذا، لا بديل عن تفعيل الجهود لإسقاط الانقسام واستعادة الوحدة، في ظل برنامج وطني موحد، وتشكيل حكومة وطنية شاملة تتولى معالجة الملفات السياسية والاقتصادية ــ الاجتماعية بما يؤمن تنفيذ قرارات الاجماع الوطني، وبخاصة قرارات المجلس المركزي التي اتخذها في دورتيه السابقتين بما يخص العملية السياسية وضرورة إرسائها وفق قرارات الشرعية ذات الصلة وفي إطار مؤتمر دولي بعيداً عن التفرد الأميركي، وبما يخص رسم السياسات الاقتصادية التي تنطلق من ضرورة تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وتكفل وضع الحلول الملائمة للأزمات الاقتصادية ــ الاجتماعية، وفي المقدمة ما يعانيه منها.. قطاع غزة وأهله.