هل كان جلّ ما تطمح إليه الحالة الوطنية الفلسطينية عقد دورة جديدة للمجلس المركزي الفلسطيني (بعد تعطيل دام ثلاث سنوات بقرار فوقي من رئيس اللجنة التنفيذية). وهل كان طموح الحالة الوطنية الفلسطينية مجرد بيان، يصدر عن المجلس المركزي، بعض قراراته أعادت التأكيد على نتائج دورة 2015، والبعض الآخر جاء غامضاً، لم يقطع كل خيوطه لا مع اتفاق أوسلو، ولا مع إدارة ترامب.

فالحديث عن «تعليق الاعتراف بإسرائيل»، مشروطاً باعترافها هي بالدولة الفلسطينية، يبقي باب المناورة والمحادثة والتفاوض، في السياقات القديمة، مفتوحاً.

والحديث الدبلوماسي عن أن الولايات المتحدة أخرجت نفسها من رعاية عملية السلام إلى حين التراجع عن قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ يبقي باب الاحتمالات والرجاء والرهانات، والحوارات، هو الآخر مفتوحاً. والحديث عن مفاوضات قضايا الحل الدائم باعتبارها هي المكان المناسب للوصول إلى تسوية سياسية، أبقى الباب مفتوحاً على مصراعيه للعودة إلى الفصل الثاني من اتفاق أوسلو. كذلك أبقى الباب مشرعاً على مصراعيه للتأكيد أن خيار المفاوضات مازال هو الخيار الوحيد المعتمد كاستراتيجية سياسية لدى القيادة الرسمية الفلسطينية. جرى تدعيم هذه الاستراتيجية بالتمسك بالمقاومة الشعبية «السلمية»، وإدانة العنف باعتباره إرهاباً، في انحياز مسبق إلى الجانبين الإسرائيلي والأميركي ضد الدعوات الفلسطينية للذهاب إلى المقاومة الشاملة وبكل أشكالها، ووصم هذه الدعوات بالإرهاب. كما جرى تدعيم هذه الاستراتيجية بتأكيد التواصل مع الولايات المتحدة، إن من خلال القنصل الأميركي في القدس (فالخطوط بينه وبين رام الله مفتوحة على الخطين)، أو مع مفوضية م.ت.ف في واشنطن، التي أبقت الولايات المتحدة عليها مفتوحة لمهمة واحدة: متابعة المشاورات بشأن المفاوضات. وفي السياق نفسه «تمتين» العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، باعتباره وسيطاً مع الولايات المتحدة، وإن كانت ذريعة التواصل مع بروكسل وباريس، أنها محاولة لإقناع الأوروبيين بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، دون أن ننسى أن هذه الأمر طلب من الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي رد على رئيس السلطة الفلسطينية أن الاعتراف سيأتي في وقته، مشيراً في الوقت نفسه أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن يكون إلا بعد ولادة «حل الدولتين» في «مفاوضات الحل الدائم».

 

*     *     *

 

ويبدو أن المحللين السياسيين الإسرائيليين، المحيطين برئيس الحكومة نتنياهو سبقونا في قراءة حدود موقف رئيس السلطة وسقف هذا الموقف وكيف يمكن الرد عليه.

الإسرائيليون يقولون ساخرين إن رد فعل العرب والمسلمين والفلسطينيين (والمقصود بذلك قياداتهم السياسية) كانت أضعف بكثير مما كانت تتوقع تل أبيب. بعضهم قال إن السماء لم تقع، والأرض لم تزلزل، والبحار لم تبتلع الأرض. كل ما شهدناه - يقول الإسرائيليون ــــــ بيانات، ومؤتمرات، وقرارات وضعت سريعاً في الأدراج ولم تنفذ. وبالتالي إذا كانت هذه هي ردات فعلهم على ضياع القدس، فمعنى ذلك أن بالإمكان السير إلى الأمام في فرض الأمر الواقع على الفلسطينيين والعرب والمسلمين، والوصول مع ترامب إلى اللحظة المناسبة للكشف عن تفاصيل «صفقة القرن»، التي لن تقدم إلى مائدة المفاوضات دفعة واحدة، بل طبقاً وراء طبق: الأكثر عسراً على الهضم، والأكثر إثارة للاشمئزاز، ثم بعده الأطباق الأقل إثارة وصولاً إلى الطبق الأخير، بعد أن يكون الإحساس قد تبلّد، وأصبح الجسد قابلاً لتقبل كل ما هو سيء الطعم والتركيب. لذلك كانت البداية تمرير الاستيطان، باعتباره عملاً لا يخالف القانون الدولي، ولا يعطل المفاوضات ولا يعرقلها، والقبول بمفاوضات تحت وطأة الاستيطان وتواصل مشاريعه. ثم الخطوة اللاحقة القدس، باعتبارها عقدة تفاوضية «أزالها» ترامب من الطريق بأن «وهبها» للإسرائيليين. ثم ثالثاً التمهيد لتجفيف موارد تمويل وكالة الغوث (الأونروا) لإلغاء مشاريعها، مشروعاً وراء الآخر، وتحويلها إلى هيكل فارغ، على طريق طرح حل لقضية اللاجئين، إما على شاكلة ما جاء في كامب ديفيد 2(تموز/ يوليو 2000) أو كما جاء في وثيقة «جنيف – البحر الميت» [أي من حل يقوم على حق العودة إلى الديار والممتلكات إلى حل يقتصر على البحث عن مكان سكن (مكان لجوء) دائم للاجئ الفلسطيني].

أما الفصل الأخير، فلم يعد مجهولاً . وبات مؤكداً أن القيادة الفلسطينية الرسمية أطلعت على تفاصيله كاملة، من خلال تواصلها مع الرياض، ومع القاهرة، وعمان. وما سربه رئيس السلطة في حديثه إلى المجلس المركزي كان جزءاً من هذا الفصل. فضلاً عن أن ماجد فرج، رئيس جهاز مخابرات السلطة زار واشنطن، [قبل انعقاد المجلس المركزي] وعاد بالاقتراحات الأميركية التي استند إليها رئيس السلطة في حديثه. ولا نعتقد أن نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، يزور المنطقة للسياحة. فهو يحمل في جعبته أكثر من قضية. ما يخص الفلسطينيين منها أمران: الكشف عن الملامح والخطوط العريضة لـ «صفقة القرن» والتأكيد أن الحل الأميركي قادم لا محالة، أما الأمر الثاني فالطلب إلى الدول العربية مواصلة الضغط على الجانب الفلسطيني، حتى لا يتجاوز حدوده السياسية المطلوبة.

*    *    *

 في ضوء هذا نستطيع القول إن ما تحقق على الصعيد الفلسطيني الرسمي، منذ 6/12/2017، تاريخ صدور قرار ترامب بشأن القدس، وحتى اللحظة، هو اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني وصدور بيانه الختامي، وهي خطوة متأخرة توقيتاً، وأقل من المطلوب سياسياً. [سبقها الشارع الفلسطيني بأشواط في انتفاضته ضد الاحتلال وضد الاستيطان]. وبالتالي نستطيع أن نقول إن المؤسسة الرسمية أنجزت الخطوة الأولى المطلوبة منها (ناقصة وغير مكتملة)، وهذا أضعف الإيمان. يبقى المهم الآن هو نقل هذه القرارات من الورق إلى الميدان، والانتقال من مرحلة القول إلى مرحلة الفعل.

الرهان بطبيعة الحال على مؤسستين: هما اللجنة التنفيذية، وحكومة السلطة الفلسطينية. اللجنة التنفيذية، في ظل آليات عملها، والموازين التي تتحكم بها، فقدت الكثير من الاعتبار في عيون الناس. ولم تعد موضع الاهتمام المطلوب جماهيرياً. فهي عجزت، بفعل سياسة التفرد والاستفراد من قبل رئيسها، في تطبيق قرارات 5/3/2015، وقد بقيت حبراً على ورق. ومع ذلك فإن معركة اللجنة التنفيذية يجب أن تبقى مفتوحة هي الأخرى على مصراعيها، من أجل الصراع في داخلها، لتستعيد دورها، ولعل أفضل طريقة يمكن إتباعها في هذا السياق هي مكاشفة الرأي العام بحقيقة ما يدور خلف جدرانها من مواقف وما تطرح من آراء، وأن يتم الكشف بشكل واضح عن الطريقة التي تدار بها اجتماعاتها، حتى يتحمل كل عضو من أعضاء اللجنة مسؤوليته أمام الرأي العام. وكي تصبح معركة اللجنة التنفيذية معركة سياسية من الطراز الأول، تدار في داخل الاجتماعات وتدار في الشارع أيضاً. حتى لا نصل إلى وضع يكون فيه مصير قرارات المجلس المركزي في دروته الأخيرة هو نفسه مصير قرارات دورة 5/3/2015. وتستمر الأمور على حالها، وتتواصل خطوات رسم الحلول ميدانياً، على يد إسرائيل وأميركا، وتبقى الحالة الفلسطينية بقواها السياسية والشعبية أسيرة السياسة الإنتظارية، وأسيرة سياسة التفرد بالقرار، وأسيرة التسلط على المؤسسة وتهميشها وتغييبها لصالح «المطبخ السياسي».

أما حكومة السلطة الفلسطينية، فواجباتها في هذا المجال لا تقل أهمية عن واجبات اللجنة التنفيذية. يكفي أن نضع على جدول الأعمال ملف فك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وملف سحب اليد العاملة الفلسطينية من مشاريع الاستيطان الإسرائيلي، وإحالة جرائم الحرب الإسرائيلية إلى محكمة الجنايات الدولية.

لقد خرجنا من معركة عقد المجلس المركزي، لننتقل إلى معركة تطبيق قراراته، وهو أمر يحتاج إلى إعادة النظر بالاستراتيجيات البائسة التي أوصلت القضية الوطنية، خلال ربع قرن من الزمن، إلى الحضيض.