صعّدت إدارة ترامب من عدوانها على الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، واتبعت تجاهه سياسة متدحرجة بدأت بمواقف رسمية تشطب فيها هذه الحقوق، ووصلت حاليا إلى حد محاولة فرضها وتحويلها وقائع على الأرض.

وفي السياق، توجه الإدارة الأميركية أقصى ضغوطها على الدول العربية، وخاصة المعنية بمسار التسوية وفق «صفقة القرن» كي تنشط في «إقناع» الجانب الفلسطيني بقبول الخطة الأميركية التي تعكس تماما الرؤية الإسرائيلية.

وفي هذا السياق أيضا، تندرج زيارة مايك بنس، نائب الرئيس الأميركي إلى المنطقة، والذي أكد مجدداً من على منصة الكنيست الإسرائيلي الشراكة التي تجمع بين واشنطن وتل أبيب في السياسة والأهداف، لدرجة أن الوزير الإسرائيلي أوفير أكونيس خلص إلى أن إسرائيل لم تشهد في تاريخها خطابا صهيونيا من قبل مسؤول زارها كما ورد في خطاب بنس.

لم تأبه الإدارة الأميركية كثيراً لإجماع خصومها وحلفائها في مجلس الأمن على رفض إعلان ترامب بشأن مدينة القدس، ولا لتصويت 128 دولة اتخذت الموقف نفسه في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبدلاً من مراجعة حساباتها، صعَّدت من لغة التهديد، وتوعدت بتطبيق العقوبات المالية والاقتصادية ضد من عارض سياساتها، مستندة إلى قوتها الاقتصادية ونفوذها القوي في تقرير سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين. والمفارقة، أن معظم الدول الفقيرة التي تهددها واشنطن هي من ضحايا سياسات هاتين المؤسستين، عبر الشروط المجحفة التي تفرضانها عند تلبية طلباتها للحصول على قروض، ومن هذه الشروط فرض تكييف وهيكلة اقتصاداتها وتوجيه إنفاقها خارج مسار التنمية، كي تلبي وظيفة أساسية هي ضمان قدرتها على تسديد القروض، وبذلك، تدور عجلة الاقتصاد في هذه الدول لتلبية هذه الوظيفة، بعيداً عن تحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية وتوفير الأمن الغذائي لمجتمعاتها والتأسيس لتنمية مستدامة. وتقع هذه الدول بالنتيجة في حالة عجز مزدوج : عجز عن تسديد القروض بسبب ارتفاع فوائد التحصيل والتداعيات الكارثية لوصفات هاتين المؤسستين ، وعجز عن تلبية احتياجات مجتمعاتها. وتصبح بالتالي رهينة «المساعدات» الأميركية. وهكذا تفقد سيادتها على قرارها السياسي وتجد واشنطن طريقها للتحكم بقرار هذه الدول وإراداتها.

ضمن محددات هذه المعادلة، تعاملت الولايات المتحدة مع مؤسسات الأمم المتحدة وفي المقدمة «الأونروا». وكانت «حريصة» على أن تكون أكبر المساهمين في تمويلها، وحاولت طيلة العقود التي تلت بدء عمل الوكالة على أن توجه مسار الخدمات التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين نحو توطينهم في مواقع اللجوء، ورافقت محاولاتها هذه مع سيل لم ينقطع من مشاريع التوطين. ومع أنها أكبر المتعهدين بتلبية الاحتياجات المالية للوكالة، لم تكن الولايات المتحدة متحمسة في تغطية نفقات «الأونروا» ذات الصلة بإغاثة اللاجئين واستعادة بعض حقوقهم في تعليم أولادهم ورعايتهم صحياً، والتخفيف من وطأة النكبة وتداعياتها وامتلاك القدرة على شق طريقهم نحو عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها. وضغطت واشنطن منذ توقيع اتفاق أوسلو باتجاه إعادة هيكلة مهام الوكالة وبرامجها بما يؤدي إلى فك ارتباطها بالقرار الدولي 194، الذي أكده قرار تأسيسها وضمن استمرار تقديم خدماتها للاجئين حتى تجسيد حق عودتهم.

 من هذه الزاوية تتطابق سياسة إدارة ترامب مع سياسات الإدارات التي سبقتها، لكن النقلة النوعية التي أحدثتها هذه الإدارة هي أنها وضعت جميع المؤسسات الفلسطينية والدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية في مرمى ضغطها، بهدف إخضاع الحالة الفلسطينية السياسية والشعبية لاستحقاقات «صفقة القرن». وهي بدأت بذلك عبر شروط غرينبلات التسعة التي وضعها أمام السلطة الفلسطينية بدءاً من المطالبة بقطع مخصصات أسر الشهداء والأسرى، مرورا بتوجيه أجهزة الأمن نحو مواجهة المقاومة الشعبية، وصولا إلى التضييق المالي على قطاع غزة.

وبخصوص المؤسسات الدولية، أعلنت واشنطن انسحابها من اليونسكو بسبب اتخاذها قرارات لصالح الشعب الفلسطيني، والانسحاب يعني إضافة لبعده السياسي، افتقاد هذه المؤسسة للمساهمة المالية الأميركية الكبيرة نسبيا في موازنتها، وترافق ذلك مع تحجيم المساهمة الأميركية في موازنة الأمم المتحدة بعد وقوف أعضاء مجلس الأمن ضد قرار ترامب بشأن القدس، وتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالاتجاه ذاته.

لكن الخطوة الأكثر تأثيرا على الفلسطينيين، تمثلت بالقرار الأميركي مؤخرا حجب نحو مئة وعشرة ملايين دولار عن موازنة «الأونروا» بكل ما تعني هذه الخطوة من انعكاسات خطيرة على مستوى الخدمات التي تقدمها الوكالة للاجئين الفلسطينيين ، وهي بالأساس تعاني عجزاً دورياً في موازناتها.

ينطلق السلوك الأميركي تجاه المساهمة بتمويل الأمم المتحدة ومؤسساتها من زاوية أنه « حق سيادي» وليس التزاماً أمام المجتمع الدولي وشراكة مفترضة في حل أو تخفيف تداعيات الكثير من الأزمات الإنسانية والاجتماعية في غير مكان من العالم. وهو بما يخص المساهمة في تمويل الأونروا أكثر من ذلك، لأن أركان المجتمع الدولي وفي المقدمة الولايات المتحدة مسؤولون عن استمرار نتائج النكبة الفلسطينية وعدم تمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، وإبقاء إسرائيل خارج المسائلة القانونية والسياسية عن عدم تنفيذ تعهدها في «برتوكول لوزان» بالسماح بتطبيق القرار 194، وكان هذا من أبرز الشروط التي وضعها المجتمع الدولي لقبول دولة الاحتلال عضوا في الأمم المتحدة.

وبقدر ما كانت الدول الاستعمارية الأوربية وفي المقدمة بريطانيا عاملا حاسما في تمكين المشروع الصهيوني وقيام دولة الاحتلال في فلسطين، بقدر ما تتحمل واشنطن المسؤولية  من خلال دعمها لوعد بلفور ، ومن ثم الضغط للاعتراف بإسرائيل في الأمم المتحدة، وبعد ذلك حمايتها، إلى أن وصل الأمر مع إدارة ترامب إلى الشراكة معها في محاولة فرض تصفية القضية الفلسطينية وإخضاع الشعب الفلسطيني للسياسة التوسعية والأمنية الإسرائيلية.

بالمقابل، يلحظ اتساع الاعتراضات الدولية على سياسات إدارة ترامب في الموضوع الفلسطيني، من زاوية إدراك المجتمع الدولي أن هذه السياسات ستزيد من حالة الاحتقان الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة وخارجها، وأن استمرار هذه السياسات والضغط من أجل تطبيقها سيؤدي بالضرورة إلى انفجار الأوضاع باتجاهات غير محسوبة، وهذا ما يقلق الكثير من الدول المؤثرة في أوروبا وغيرها.

ومن ضمن ردات الفعل القوية على قرارات إدارة ترامب تجاه « الأونروا» التصريح الواضح لمفوضها، كرينبل، الذي أعلن بوضوح باسم المنظمة الدولية بأن تفويض الوكالة ليس للبيع.. أو المناقشة.

في مثل هذا المناخ السياسي الدولي يفترض بالقيادة الرسمية الفلسطينية التزام ما توصل إليه الاجماع الوطني في المجلس المركزي في العام 2015، والقرارات الإيجابية التي أقرها في دورته الأخيرة، عبر القطع مع السياسات التي أوصلت إلى اتفاق أوسلو، والاستجابة إلى ضرورة بلورة استراتيجية فلسطينية جديدة موحدة، ربطا بعناوين البرنامج الوطني التحرري.