إلى الشاعر الثائر، الفلسطيني الوفي، المقاوم العنيد، الإنسان النبيل، والمناضل الحر من أجل الحرية، معين بسيسو، في يوم حضوره المتجدد الموافق 23 يناير من كل عامٍ أعقب يوم اشتعال هذا الحضور في اليوم نفسه من العام 1984

قَدمُ المرأةِ جَرَسُ الأرضِ

المرأة التي تظلُّ مُغْفَلَةُ الاسم حتَّى ينطُقهُ الممرضُ إذْ يُذَكِّرها به، المرأة التي هي نظيرة ليلى جبل التوباد، وتوأمُ بائعة الزنبق في الرَّملة. المرأةُ الجريحة المُكَسَّرة العَظْم، المُقَيَّدُ جِسْمُها كُلُّهُ بالجبس والأربطة البيضاء. المرأة التي تريد أنْ تلد من قدميها وتناضل من أجل تحريرهما وفك أربطة الجبصِ عن جسدها المُقيَّد بأكمله.

المرأة التي ترى أنَّ الوقتَ منشارٌ تُريدُ أنْ تقطع به قيد قدميها لتفكَّ أغلالها.

المرأة التي تسألُ الآخرين الذين قيَّدوها ويحرسون قيدها: "من أنتم؟" فيما هي تسألُ نفسها: "وأنا من؟".

المرأة التي تُحاول استعادة اسمها من خلل ذاكرة ملفوفةٍ بالشَّاش.

المرأة التي تعرف، من ضمن ما تعرف، أنها ترزح تحت القيد منذ سنوات طِوال، وأنَّ ساقيها معلَّقتان من دون إرادة منها، وأنَّ توقف قدميها عن المشي سيجعلها "تفقد ذاكرة الأرض"، وأنها لو مشت لن تفقد شيئاً غير أغلالها والقيود.

المرأة التي يعكس اسمها وتحولات هويتها اسم وطن وشعب وتحولات هويتهما المُلتحمة.

المرأة التي وصلت إلى الزنزانة لأنها كانت تقود العربة ضدَّ قوانين شوارع هذا العالم! وما ذلك لشيء إلا لأنها ترفضُ العالم الذي اقتلعها من وطنها، فأذلها وأفقرها وانتهك إنسانيتها وسلبَ حقوقها، وأفقدها قدرة الحصول على خاتم تزين به إصبعها ذات يوم!

المرأة التي يتصوُّرها أعداءُ الحياة خطرةً جداً لأنها لو اشْتَمَّت النُّطفة لحملت! أو لأنَّها لو أمسكت عود كبريت في يدها لأشعلت شُموساً تُضِيء عتمة الدَّياميس!

المرأة التي لا تزال تحمل في قدميها المُصفَّدتين بالأغلال نُطْفَة الأرض؛ أرضها، رغم سنوات الاقتلاع والرحيل والأسر والقيد وضراوة المنفى!

المرأة التي أحالَ المُستعمرُ المحتلُّ، هذا الَّذي أسرها وقيدها، دَمَهَا إلى بحيرة أفيون، فتمرَّدت وانتفضت وانقضت على سجانها حتى أسالت دَمَهَا كي لا يصبح سُمَّاً إنْ كفَّ عن الجريان!

المرأة التي لا يراها أعداءُ الحياة جميلةً إلا حين تكون تحت القطن وتحت الأربطة البيضاء!

المرأة التي تعرَّضت لكل الظلم والعسف على يد عدوٍّ مُتوحِّشٍّ فما كفَّت، أبداً عن، الرَّفض والانتفاض، وما كان لها أن تنطقَ، في وجه شراسته، سوى الكلمة: "لا".

المرأة التي اختارت الانتماء إلى الأرض رغم كلِّ شيء، فما عرفت في مواجهة الموت سوى الحياة!

المرأة التي لم يكن رأسها، أبداً، محضَ كأس فارغ!

المرأة التي تَحُوُلُ مقاومتُها العنيدةُ دون أعداء الحياة وبتر ساقيها لإصرار إرادتها على قطعَ حَبْلِ القيد وتحرير القَدَمَين!

المرأة التي بإمكان أسنانها أن تقطع هذا الحبل ولكنَّها تُصرُّ على أنْ تُرغم عدوها على قطعه بمنشارِ يده!

المرأة صاحبةُ النَّار الخالدة التي ستقطعُ نسل الاحتلال والاستبداد وتحرمهما التَّمكُّن من قطع نسلها!

المرأة التي حرَّرت بنفسها ساقيها من قيودٍ الاحتلال الأجنبي والاستبداد المحلَّي، وصار بمقدورها أن تمشي بقدميها فوق الأرض كي لا تفقد أبداً ذاكرة الأرض!

المرأة التي تصرُّ على حماية ساقيها بكفيها بعد أنْ فكَّت أغلالها بمقاومتها العنيدة، وتحرَّرت!

المرأة التي تريد لقدميها أن يحملاها إلى "ذاك البستان"!

المرأةُ العاشقة التي لا تفتقدُ فَمَ من تهوى فوق فمها، ويده فوق يدها، ودمه في دمها، كالشَّامة فوق الخد!

المرأة التي تخطو صوب البستان وتدعو أحرار الناس أن يخطوا جميعاً خلفها، والتي تدرك أنَّ اللحظة التي تلامس فيها قدميها الأرض ستكون لحظةً للثورة والفرح، حيث كل المقهورين من أهل الأرض، عُشَّاق الحياة والحرِّية، سيتبعون خطوها، وسيصيرون، جميعاً، ملوك الأرض!

المرأة التي تعلن أنَّ من يعشقها وهي مصلوبة فوق الخشبة ويصيح "أمي"، ليس هو ابنها، وإنما ابنها هو من يُنزلها من فوق الخشبة، ليكون ابنها ووطنها في آن معاً!

المرأة التي تدرك أنَّ ساقيها مجدافان، وأنَّ قدميها هما الزَّورق!

المرأة التي تصرخ بأعداء الحياة، غاصبي أرضها والمستبدين والسَّاكتين عليهم والمتقاعسين عن مواجهتهم، أن يُبْعِدوا وحلهم عنها، ويرحلوا!

المرأة التي تبحث عن قدميها قبل البحث عن عَلَمِهَا، مدركةً أنَّ القَدَمَ عَلَمٌ، وأنَّ الدَّم يتبع القَدَم، وأنَّ اللحظة التي ترفرف فيها القَدمُ فوق الأرض هي نفسها لحظة رفرفة العلم في سماوات الوطن!

المرأة التي تَعِدُ من يتبع قدميها بتحرير الأرضِ، كلِّ الأرض، لتكون له وطناً ترفرف فيه أجنحةُ قدميه كما يرفرف عَلَمَهُ!

تلك هي بعض ملامح "شامة" التي رأها معين بسيسو، قبل ما يربو على أربعة عقود، في مسرحيته "العصافير تبني أعشاشها بين الأصابع"، وأرادها رمزاً على نساءٍ هُنَّ منبعُ هُويَّة الوطن، وهُنَّ الوطن.