منذ صدوره قبل أكثر من مئة عام، ما انفك شبحه، أو «وعده»، يُخيّم داكناً في سماء الفلسطينيين والعرب؛ داخل أوطانهم وفي شتاتهم، يقبع خلف أبوابهم وتحت نوافذهم، يحضر قوياً وثقيلاً على موائدهم، في معاشهم ويومياتهم، كما هو في مخيلاتهم.

صحيحٌ أنه حمل اسم بلفور، إلا أنّ دولاً قوية وقوى كثيرة وقفت خلفه، دعمته ومهّدت الطريق إليه، بل إنّ بعضها قاتل من أجل تحقيقه، في حين أنّ الضعف والهزال، الجهل والتخلف، كانوا بعض ما يدبّ فقط في أوصال الفلسطينيين والعرب، فضلاً عن تعلّقهم الأعمى بالأوهام والأساطير وبـ«حتمية» انتصارهم لأن «الحقّ واللهَ معهم»!.

ربما كان يمكن له أن يوءد ويُدفن فور ولادته، كما وُئِدت قرارات دولية كثيرة، ودفنت توصيات وتصاريح ومخططات عديدة؛ علانيةً كانت أم سرية، بيد أنّ كلّ ما أحاط بالشعب الفلسطيني، عربياً وإقليمياً ودولياً، وفّر له، وما زال، كلّ أسباب الوجود والحياة والتحقق. بل وما برح هذا «المحيط» يُنتج و«يُناسل» وعوداً «بلفورية» أخرى، تحت أسماء ومسميات متعدّدة!.

انقسام القيادات الفلسطينية، وصراعها وتنازعها على المصالح الضيقة والانتماء العائلي و«الهوياتي» والثقافي، منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وحتى الآن، ساهم ومهدّ الطريق لتحقق الوعد المشؤوم.

إجهاض ثورة 1936، ساهم ومهّد لذلك أيضاً، لأنه مهّد لإعلان التقسيم وهزيمة 1948، وولادة النكبة الفلسطينية. كان على الفلسطينيين أن يصدّقوا، رغما عنهم، أن دبابات الجيوش العربية الزاحفة وطائراتها، ستحقق على الأرض نتائج لا يسعُ بنادقهم العتيقة ورصاصهم القليل تحقيقها!.

مطاردة الفلسطينيين فيما بعد، والسعي الحثيث لسحق ثورتهم، في أماكن لجوئهم، وفيما تبقى لهم من وطنهم، ساهم ومهد كذلك. وقد جاءت هزيمة حزيران لتعزّز «الوعد» وترفده بـ«وعود جديدة».

ثمّ ماذا يمكن أن يقال عن الحروب والمجازر التي حدثت وأرتُكبت بحق الفلسطينيين؟. وعن الأنظمة التي أعلنت الأحكام العرفية، وقانون الطوارئ، لكتم أيّ صوت معارض؟. ماذا سيقال عن اتفاقيات أوسلو، ووادي عربة، وقبلهما «كامب ديفيد»؟؛ ألم تكن كلها «تصديقاً ومباركة» للوعد، وتوسيعاً لظلاله القاتمة؟!.

مئة عام على وعد بلفور، ومئة عام من عمر الهوان والخراب العربيين، اللذين باتا كـ«ثقب أسود» يبتلع البشر والحجر وأي تطلع نحو حاضرٍ ومستقبلٍ آمنين، دونما وجلٍ أو خوف من آلات وأدوات القتل والدمار!.

مئة عام، شهدت كثيراً من الحروب وزوال إمبراطوريات، وموت طغاة أرعبوا العالم، لكن حقيقة واحدة ظلت حيّة، هي قدرة الشعب الفلسطيني على التجدّد، والتعلق بالحياة، والأمل.

المحرر

 

عنوان رئيسي

................

 

من بلفور إلى ترامب.. «الوعود» مستمرّة!

 

 

... صورة

 

ـ المشروع الصهيوني و«جدل» الخارج والداخل

فيصل علوش

ـ لماذا نلقي باللائمة على بلفور وحده؟

معتصم حمادة

ـ بريطانيا وتدمير الكيانية الفلسطينية

خالد الحروب

 

ـ ترامب ووعد بلفور الثالث