يُخطئ من ينظر إلى «وعد بلفور» بوصفه «حدثاً تأسيسياً فاصلاً» في التاريخ الفلسطيني والعربي، ويلقي عليه وحده بكامل المسؤولية عن تمكّين الصهيونية من المضي في مشروع بناء وتأسيس الكيان الإسرائيلي في فلسطين.

إنّ أسئلةً من قبيل؛ كيف أمكن للصهاينة الانتقال من «الوعد» إلى بناء «الدولة»؟. وهل يعود الفضل في ذلك إلى الوعد والانتداب البريطانيين وحدهما؟، أم أنّ هناك أسباباً داخلية (التأخر العربي مثلاً) لعبت دوراً أساسياً في تسهّيل قيام إسرائيل، ربما أكثر بكثير من الانتداب؟. أما كان يمكن لوعد بلفور أن يبقى مجرد «قصاصة ورقية»، من دون أية قيمة فعلية، أو أية إمكانية لترجمته واقعاً مُحَقّقاً على الأرض؟، لو كان واقع حال الفلسطينيين والعرب مختلفاً؟. مثل هذه الأسئلة، فضلاً عن تلك المتصلة بعلاقة «الوعد» باتفاق «سايكس بيكو»، وبالانتداب البريطاني على وجه الخصوص، لم تلقَ حتى الآن، كما أعتقد، الإجابات الشافية عنها، على رغم إثارتها من قبل غير مفكر عربي، حاولوا وبحثوا في الظروف والحيثيات، العربية والإقليمية، التي ساعدت في تأسيس الكيان الصهيوني، ولم يكتفوا بإلقاء المسؤولية على العامل الخارجي والمؤامرات الغربية «الشيطانية» التي حيكت، وما انفكّت تحاك، ضد الفلسطينيين والعرب!.

لعلّ من أهمّ هؤلاء المفكرين الراحل ياسين الحافظ، الذي أكد في كتابه «الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة»، على ضرورة إدراك «الزمان»، والتعامل معه كـ«وحدات مترابطة ترابطاً سببياً وتراكمياً»، لأنّ الكارثة الفلسطينية ستبدو لنا، من غير ذلك، «حدثاً لا عقلانياً، مجرد صدفة، أو شيئاً جاء به الغيب أو فرضه القدر»، (كما قُدّمت لنا في أغلب كتب التاريخ العربية)، وليس كنتيجة متوقّعة لـ«قعودنا التاريخي الطويل، وحصيلة عقلانية لمواجهة استمرّت نصف قرن تقريباً بين جماعة ومجتمع (أو بالأحرى جماعات تتنازعها انتماءات متناحرة وصراعات لا تهدأ على الهوية)، بين جماعة مُفوّتة، ومجتمع حديث».

ويخلص الحافظ إلى القول: «عندما نقرّ بعقلانية التاريخ، لا يعود في الوسع سوى الإقرار أنّ قيام إسرائيل كان أمراً متوقعاً»، لأنه كان «سيرورة متصلة من المواجهات والمعارك السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية.. الخ، سيرورة بقيت دائرة على مدى عقود، وبالتالي فإن قيام إسرائيل لم يأتِ بالضربة القاضية، التي حسمت المعركة في أيام أو أسابيع أو شهور..»، كمثل أولئك الذين يعتقدون أننا خسرنا «معركة» فلسطين فقط خلال الأيام القليلة التي استغرقتها حرب 1948 (من 6 إلى 11 نيسان/ أبريل) فقط، حين سيطر الصهاينة خلالها على أكثر من الرقعة التي «منحها» لهم قرار التقسيم!.

هؤلاء يعتبرون أنّ تلك الأيام القليلة كانت «لحظات مصيرية وتاريخية»!، في حين أنّ الحافظ يعتبر هذا القول مجرد «زخرفة لفظية وفخامة تعبيرية تُموّه الواقع وتحجبه»، ولا تساعدنا على التعامل معه كما يقتضي الأمر، ففلسطين «لم تسقط في أيام، أو في شهور، إنما سقطت كسرة بعد كسرة وحجراً بعد حجر، منذ وعد بلفور وحتى إعلان دولة إسرائيل».

يُسلّم الحافظ، طبعاً، بأن العناصر المكونة لدولة إسرائيل تكوّنت في ظل الانتداب البريطاني في فلسطين. بل ويلفت الانتباه إلى أن «التحدي الصهيوني أكبر وأعنف من التحدي الاستعماري، إذ أنّ الثاني هو هيمنة فقط، في حين أن الأول هو هيمنة واقتلاع».

لكنّه لا يقبل الاكتفاء بذلك، لأنه يعني، حسب قوله، التسليم بأن الاستعمار البريطاني، كعامل خارجي، هو المسؤول فقط عن قيام إسرائيل!، بحيث يصبح الأمر كما لو أنه «قضاءٌ وقدر»، متجاهلين بذلك دور العامل الداخلي في تسهيل هذه العملية وتوفير الأسباب المساعدة لحدوثها!.

يُشدّد الحافظ هنا على أنّ «العقلية العربية» السياسية السائدة والمواقف المنبثقة عنها، تُفسّر لنا إلى حد كبير، «لِمَ كانت سياسات الحركة الوطنية الفلسطينية، والدول العربية عموماً، انتظارية تارة وردّ فعل تارة أخرى، ونادراً جداً ما كانت «فعلاً فاعلاً»، ناهيك عن كونها ضعيفة الامكانات والوسائل»!.

 

 

«الوعد» المتكرّر     

وفي الواقع، فإن فكرة انشاء دولة يهودية في فلسطين هي أقدم بكثير من الوعد الذي قدّمه بلفور إلى الحركة الصهيونية، وكانت مطروحة لدى الدوائر الاستعمارية البريطانية والفرنسية قبل ولادة الحركة الصهيونية ذاتها، في نهاية القرن التاسع عشر.

وتُرجِع بعض المصادر التاريخية الفكرة إلى نهاية القرن الثامن عشر، وبالتحديد، إلى زمن حملة نابليون بونابرت على مصر (1798 ـ 1801)، التي هدفت إلى احتلال مصر وبلاد الشام، لقطع طريق المواصلات البريطانية إلى الهند، في وقت كانت فيه الدول الاستعمارية، وخصوصاً بريطانيا وفرنسا، تدرك أهمية فلسطين بوصفها ممراً يربط المستعمرات ببعضها بعضاً.

عشية هذه الحملة، طرح عددٌ من الكتاب الفرنسين أفكاراً تتصل بتأسيس دولة يهودية في فلسطين. وهناك من يربط هذه الأفكار بنابليون نفسه، حيث تذكر بعض المصادر أنه أول سياسي أوروبي وعد اليهود بتأسيس دولة لهم، ونادى علانيةً بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، داعياً اليهود «ورثة أرض إسرائيل الشرعيين» إلى النهوض والالتفاف حوله، من أجل إعادة إحياء دولتهم!.

ويربط محللون بين دعوة نابليون هذه وبين حاجته إلى مساعدة اليهود «الأثرياء» في فرنسا لتمويل حملاته. ولكن وعده هذا ذهب «أدراج الرياح»، بعد عودته منهزماً من حملته على مصر وبلاد الشام، ليدرك اليهود بعدها أن عليهم الانتقال إلى دول أخرى يمكن أن يُعوّل عليها في تحقيق مآربهم، وكان في مقدّمها بريطانيا وألمانيا، ثمّ روسيا والنمسا.

بعد ذلك، أخذت هذه الفكرة تنتعش لدى الدوائر الاستعمارية البريطانية، وخاصة بعد قيام جيوش والي مصر محمد علي، باحتلال بلاد الشام ما بين عامي 1831 ـ 1840. وتكشف الوثائق البريطانية أنّ اللورد بالمرستون (1784 ـ 1865)، وزير الخارجية ومن ثم رئيس الوزراء البريطاني، تبنّى هذه الفكرة منذ عام 1840، وذلك من خلال رسالة بعث بها إلى سفيره في استانبول، يطالبه فيها بأن يحاول اقناع السلطان العثماني وحاشيته بأن الوقت قد حان لفتح أبواب الهجرة اليهودية إلى فلسطين لـ«كي يعود الشعب اليهودي المشرّد إلى أرضه التاريخية في فلسطين»!، على حدّ زعمه.

واتخذ المشروع البريطاني الرامي إلى تشجيع استيطان اليهود في فلسطين بعداً جديداً بعد احتدام التنافس البريطاني ـ الفرنسي للسيطرة على مصر. ويرى د. ماهر الشريف في دراسة له تحت عنوان «اتفاقية سايكس ـ بيكو وعلاقتها بوعد بلفور: 9/5/2016» / (الموقع الالكتروني لحزب الشعب الفلسطيني)، أنه مع نجاح فرنسا في رعاية مشروع حفر قناة السويس وتعاظم نفوذها في مصر، في عهد الخديوي اسماعيل (1863 ـ 1879)، لجأ رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، بنيامين دزرائيلي، الذي كان يعتنق اليهودية قبل أن يتحول إلى المسيحية، إلى عائلة روتشيلد، كي تساعد حكومته في شراء الحصة المصرية من شركة قناة السويس (1875).

بعد سبع سنوات، كانت القوات البريطانية تقوم باحتلال مصر. وفي السنة نفسها، وبتمويل من عائلة روتشيلد ذاتها، نُظّمت أول هجرة يهودية جماعية إلى فلسطين رفعت تعداد اليهود فيها من 8 آلاف إلى 24 ألفاً.

 

 

«تركة» الرجل المريض 

فيما بعد، ومع تعمّق أزمة السلطنة العثمانية، وخاصة بعد دخولها الحرب الكونية الأولى إلى جانب ألمانيا، وطرح «تركتها» المشرقية للنقاش (التنفيذي هذه المرّة)، على موائد القوى الكبرى آنذاك (بريطانيا وفرنسا وروسيا)، وسعي المملكة المتحدة إلى كبح التطلعات الفرنسية والروسية، شرع خبراء السياسة البريطانيون بوضع تصوراتهم بشأن مستقبل فلسطين، وخصوصاً أنه بات ينظر إليها بوصفها «بوابة عسكرية لمصر وقناة السويس».

وفي سنة 1915، طلبت الحكومة البريطانية من هربرت صموئيل أن يضع تصوراً لما ينبغي أن يكون عليه أمر فلسطين، بوصفه عضواً في وزارة الحرب، إلى جانب كونه يهودياً وصهيونياً. وقد كتب مذكرة تضمنت المطالبة بضرورة «خروج فلسطين من أية اتفاقات مع فرنسا، وإقامة اتحاد يهودي كبير تحت السيادة البريطانية فيها، بحيث يستطيع الحكم البريطاني المشرف عليها أن يعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية بشراء الأراضي وإقامة المستعمرات وتنظيم الهجرة والمساعدة على التطور الاقتصادي بما يمكّن اليهود من أن يصبحوا أكثرية في البلاد».

وكان صموئيل نفسه، سباقاً إلى التأكيد، منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، على ضرورة أن تجعل الحكومة البريطانية من إقامة دولة يهودية في فلسطين هدفاً من أهداف حربها، معتبراً أنّ مثل هذه الدولة «ستصبح مركزاً لثقافة جديدة.. ومنبع اشعاع لروح الأنوار، فضلاً عن أنها ستمثل مكسباً استراتيجياً للإمبراطورية»؟!.

أما الكاتب والباحث اللبناني فواز طرابلسي، فيورد في دراسة له تحت عنوان «مئوية سايكس بيكو.. الخرائط والتاريخ»، أنه على الصعيدين السياسي والديبلوماسي، كان الغرض الأول لكل من بريطانيا وفرنسا هو «انتزاع اعتراف عصبة الأمم بوراثة السلطنة العثمانية، والسيطرة على شعوب المنطقة عن طريق التحايل على مبدأ تقرير المصير الذي كان مبرّر وجود المؤسّسة الدوليّة المنذورة لتحقيق السلام»!. والحجّة الأثيرة التي استنبطتها باريس ولندن، في سبيل ذلك هي حماية الأقليّات الدينيّة. « فواز طرابلسي: فصلية بدايات / ربيع صيف 2016».

الحرب الكونية الأولى

وقد شكلت الحرب العالمية الأولى منعطفاً بالنسبة للنوايا الاستعمارية البريطانية، حيث أخذت لندن تخشى على ممتلكاتها وطرق مواصلاتها، وبخاصة قناة السويس، وبدأ يطرأ تحوّل تدريجي على سياستها تجاه فلسطين. على سبيل المثال، وعلى رغم أن مارك سايكس كان طرح سنة 1916 فكرة سيادة مشتركة، فرنسية ـ بريطانية، على فلسطين، إلا أنه عَدَل عن موقفه هذا وأخذ يطرح منذ مطلع سنة 1917، إدارة بريطانية حصرية عليها، تسمح بتطور الصهيونية في رعايتها».

واتخذت السياسة البريطانية أبعاداً جديدة بعد تعيين ديفيد لويد جورج على رأس حكومتها مع نهاية 1916، إذ أنه «أراد دائماً استيلاء بريطانيا على فلسطين، والتشجيع على قيام وطن قومي لليهود فيها». وعليه، فقد تراكب المشروع الصهيوني، بالنسبة إليه، مع تطلعات بلاده الامبريالية، ورأى أن قيام مستعمرة أو «كيان» يهودي، في ظل الحماية البريطانية، «سيخدم مصالح العرش البريطاني، وسيساهم في حجب وتغطية التطلعات الامبريالية البريطانية».

وقد شاطره هذا الرأي عددٌ من أركان حكومته، وإن يكن لكلٍّ منهم دوافعه وطريقة تفكيره وتصوراته الخاصة لهذا المشروع، في وقت كانت هذه الحكومة تضمّ، إضافة إلى رئيسها ووزير الخارجية اللورد آرثر جيمس بلفور، عدداً من أبرز أنصار الحركة الصهيونية آنئذٍ، مثل مارك سايكس، ووليم أورمسبي، وليوبولد س. إيميري، وروبير سيسيل، والسير رونالد غراهام، وقد لعب الأخير دوراً بارزاً في صياغة تصريح بلفور، الذي أعلن في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917.

تعديلات وتغييرات

ومن المعروف، أنّ مسار «اتفاق سايكس بيكو»، كاتفاق مبدئي على تقسيم التركة المشرقية للدولة العثمانية، خضع للكثير من التعديلات والتغييرات، فضلاً عن تزامنه مع أحداث وانعطافات تاريخية نوعية شهدتها تلك الحقبة من التاريخ، وأهمها ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا، التي أماطت اللثام عن العديد من الاتفاقات والتفاهمات الاستعمارية، ومنها اتفاق سايكس بيكو.

ويورد طرابلسي أنه مع إطلالة عام ١٩١٧ كانت التصريحات البريطانيّة قد بدأت تتنصّل من «سايكس ــ بيكو»، كما جاءت في نصّها الأول. وقد وصف سايكس الاتفاقية بأنّها «مجرّد مشروع وضعه جورج بيكو لا يمكن للحكومة البريطانية قبوله دون تعديلات عميقة». وصرّح لويد جورج بأنّ بريطانيا أقدر على حماية الأراضي المقدّسة من أي كان، وجزم قائلاً، بأنّ موضوع فلسطين الفرنسية «ليس وارداً أصلاً».

وفي الواقع، كان لويد يتحدّث من موقع الشريك الاستعماري الأقوى. فبريطانيا هي التي قادت عمليّاً قوى «الائتلاف» خلال الحرب الكونية وقدّمت العدد الأكبر من القتلى. وهي التي هزمت حملة جمال باشا لاحتلال قناة السويس، إضافة إلى أنّ قوّاتها باتت تحتّل القدس بقيادة الجنرال أللنبي في كانون الأول/ ديسمبر ١٩١٧، الذي فرض الحكم العسكري على فلسطين ضدّ إرادة جورج بيكو المطالِب بإدارة مدنيّة مشتركة، ولم يترك للفرنسيين غير المشاركة في إدارة الأماكن المقدّسة في القدس.

وفي شباط/ فبراير ١٩١٨ رضخت فرنسا للأمر الواقع وأيّدت وعد بلفور بعد أن كانت القوّات البريطانية قد سيطرت عمليّاً على كامل فلسطين. وفي حوار شديد الدلالة، جرى في السفارة الفرنسية بلندن عشيّة «مؤتمر السلام» في كانون الثاني/ يناير١٩١٩، يتضح كيف أمكن للويد جورج أن ينتزع من كليمنصو الموصل والقدس أيضاً.

هكذا أعادت اتفاقيّة سايكس ــ بيكو المعدّلة رسم حدود «سورية التاريخيّة»، بعد أن انتزعت منها كيليكيا والموصل شمالاً وفلسطين جنوباً.

وفي الأساس، وكما يوضح طرابلسي، فإن الاتفاقية لم تحسم النزاع الدائر على حدود سورية شمالاً وجنوباً وساحلاً، وخصوصاً على مصير الأراضي الفلسطينية حول القدس حيث كانت فرنسا تعتبر المنطقة بأسرها «سورية الجنوبية». وعليه، فقد اتّفق الطرفان مؤقتاً على تلوين تلك البقعة من الخريطة باللون البُنّي ووضعها تحت إدارة دوليّة. وظلّ الطرف الفرنسي متحفّظاً على التدويل.

وعد بلفور: أهداف متعدّدة

ويعرب طرابلسي عن اعتقاده أنّ الدور الأساسي لوعد بلفور كان في «انتزاع فلسطين من المطالبة الفرنسية باعتبارها «سورية الجنوبية»، وانتزاع حقّ الانتداب عليها، واستخدام الاستيطان اليهودي ضد الأكثريّة العربيّة فيها على طريقة الاستراتيجيّات الاستعمارية الاستيطانية المعهودة في سائر المستعمرات البريطانية». وليس من دليل أبلغ على هذا الدور لوعد بلفور، كما يقول طرابلسي، من ردّ فعل جورج بيكو عندما أبلغه سايكس في ١٣ آذار/ مارس ١٩١٥ عن نيّة بريطانيا «تقديم فلسطين لليهود»، فكان ردّ بيكو «لن توافق فرنسا أبداً على أن تصير فلسطين بريطانيّة»!.

ويوضح طرابلسي فكرته قائلاً، «لم يكن الغرض من رسالة اللورد بلفور إلى اللورد روتشيلد، إزاحة فرنسا عن المطالبة بفلسطين لمنح اليهود وطنهم القومي، بل كان المطلوب منح اليهود وعداً بوطن قوميّ، من أجل إزاحة فرنسا عن فلسطين ونيل بريطانيا الانتداب عليها».

وكانت المصلحة الاستعمارية البريطانيّة في السيطرة على فلسطين حاسمة الحيويّة والوضوح: السيطرة على الضفّة الشماليّة من قناة السويس، وتحويل فلسطين إلى منطقة عازلة بين منطقة النفوذ الفرنسي في سورية وقناة السويس.

وما لا يُذكر إلا فيما ندر، حسب طرابلسي، أنّ مهندس وعد بلفور إن هو إلا آرثر سايكس ذاته، الذي حاول استصدار أول تصريح حكومي بريطاني لصالح وطن قومي يهودي في فلسطين في العام ١٩١٥. وهي المحاولة التي تحدّث عنها سايكس لبيكو أعلاه، لكن الاقتراح لقي معارضة الوزراء اليهود ووجهاء الجالية اليهودية معاً. وقد اقتضى الأمر انتظار أواخر ١٩١7 ومجيء لويد جورج إلى رئاسة الحكومة وآرثر بلفور إلى وزارة الخارجية، ليعاود سايكس الكرّة، وقد رقّي إلى مساعد سكرتير «حكومة الحرب» المسؤول عن شؤون الشرق الأوسط. حينها انعقد توافق داخل الحكومة على أنّ وظيفة الاستيطان الصهيوني سوف تمهّد لاستعمار فلسطين وتوفير قاعدة سكانيّة له.

وكان من مقتضيات تثبيت الحقّ البريطاني في استعمار فلسطين، ومنح اليهود في الآن ذاته، الحق في إقامة دولة خاصّة بهم، حرمان عرب فلسطين من صفة الشعب، ومن الحقّ في تقرير المصير وإقامة دولتهم الخاصة بهم، تالياً. لقد نزع «الوعد»، الزائف والمشؤوم، صفة الشعب عن عرب فلسطين ومنحها بدلاً منهم لليهود، وعددهم في فلسطين لا يتجاوز الستين ألفاً، ولذلك فقد منحهم الحق في إقامة دولة قومية مفتوحة أمام كل من يرغب من يهود العالم في الهجرة إليها، في حين حجب هذا «الحق» عن أكثر من ٧٠٠ ألف عربي (أكثر من ٩٠٪ من السكان)، وحرمهم من الحق في تقرير المصير وبناء الدولة القوميّة.

ولتأكيد ذلك، كما يضيف فواز طرابلسي، كان لا بدّ من تعريف هويّة سكان فلسطين التعريف الديني ــ الإثني بين يهود و«غير يهود». ليجيء التعهد بعدم إساءة إنشاء «الوطن القومي اليهودي» إلى الحقوق «المدنيّة والدينية» للجماعات غير اليهودية، فيزيد الطين بلّة، لأنه يكرّس حرمان عرب فلسطين من كامل حقوقهم السياسيّة في بناء دولة والاستقلال وتقرير المصير وإدارة شؤونهم بأنفسهم، بل وحتى حقّهم في التمثيل السياسي والمشاركة السياسية!!.