■ يستحق اللورد بلفور أن يكتب ما كتب عنه في الذكرى المئوية لإطلاق وعده بإقامة وطن قومي لليهود، بقيادة الحركة الصهيونية في فلسطين. فالوعد المذكور شكل عنواناً لمشروع استيطاني بريطاني ــــ صهيوني، جاء الانتداب ليتولى تحقيقه بتعاون وثيق بين الجانبين، ورغم أنف الحالة الفلسطينية المعارضة. غير أن هذا كله لا يلغي أن نطرح على أنفسنا، ولو بعد مئة سنة، أسئلة جادة وجارحة، قد تكون إجاباتها مدخلاً لمراجعات سياسية لحالة فلسطينية تبدو في ظل التحالف الأميركي ـــــ الإسرائيلي، شبيهة بتلك التي سادت في ظل الانتداب (الاستعمار) البريطاني لفلسطين والتي أدت إلى النكبة الوطنية والقومية الكبرى.

السؤال الأهم هو هل كان تحقيق وعد بلفور «حتمية تاريخية» وقدراً لم يكن بالإمكان إحباطه، وبالتالي إفشال المشروع الصهيوني في تحويل فلسطين إلى «وطن قومي لليهود»، رغم أن اليهود كانوا أقلية والفلسطينيين كانوا أكثرية. وهل تعامل الفلسطينيون، والمقصود زعاماتهم السياسية العليا، مع الانتداب البريطاني على أنه قوة احتلال تحمل مشروعاً يهدف إلى تمزيق البلاد وتشريد العباد، أم أنهم تعاملوا مع الأمر، وكأنه كان ممكناً الفصل بين معارضة وعد بلفور، وبين إمكانية إقامة صداقة وتعاون مع سلطات الانتداب؟. وإلى أي مدى لعبت المصالح الذاتية لدى القيادات السياسية الفلسطينية، المتمحورة حول عائلات معينة، دوراً في إضعاف قدرة المعارضة الفلسطينية على قطع الطريق على المشروع الصهيوني الذي كان ينمو بمؤسساته الاقتصادية والسياسية والنقابية والعسكرية تحت أنظار الفلسطينيين.

لماذا لم؟

ولماذا لم تلجأ القيادات السياسية الفلسطينية إلى بناء المؤسسات «السلطوية»، على غرار التجربة الصهيونية، والتي بإمكانها أن تشكل نواة لقيام الدولة الفلسطينية بعد رحيل الانتداب. ولماذا اتبعت هذه القيادات سياسة «المعارضة السلمية» لسياسة الانتداب والمشروع الصهيوني، ولماذا تخلت عن دورها القيادي في ظل الثورة الفلسطينية الممتدة من العام 1936 إلى العام 1939، وما معنى مقاطعتها لجنازة تشييع الشهيد عز الدين القسام، صاحب تجرية الكفاح المسلح (التي أجهضت قبل أن تكتمل عناصرها). وثم لماذا تأخرت القيادات الفلسطينية في بناء أحزابها الفلسطينية، وتخلت عن أوهامها القومية بقيام الدولة العربية الواحدة مع سوريا، (باعتبار فلسطين جنوب سوريا) حتى بدايات الثلاثينات. أي بعد حوالي عشر سنوات على قيام الإدارة المدنية ثم الانتداب البريطاني. ولماذا فشلت هذه الأحزاب في استقطاب الفئات الوسطى من أبناء المدينة، وبقي نفوذها، إلى حد كبير في الريف الفلسطيني، ثم لماذا لم يكن لهذه الفئات الوسطى المدينية دور قيادي في تنظيم المقاومة في المدن، كما نظمها الفلاحون في الريف، ولماذا سقطت معظم مدن فلسطين (خلافاً لما جرى في القدس مثلاً) دون مقاومة للمجموعات الصهيونية المسلحة التي اجتاحتها، مدينة وراء أخرى. وأخيراً، وليس أخراً، لماذا لم تتشبث القيادات الفلسطينية بما قرره لها قرار التقسيم من أرض تقيم عليها دولتها، وترفض في الوقت نفسه قرار التقسيم. فإذا كانت دولة إسرائيل بحاجة إلى قرار دولي لقيامها، فإن الدولة الفلسطينية لم تكن بحاجة إلى مثل هذا القرار، وبالتالي لم يكن هناك تعارض مبدأي بين قيام الدولة الفلسطينية على المساحة التي قررها القرار 181، وبين رفض هذا القرار، ورفض الاعتراف بالدولة الإسرائيلية.

هذه الأسئلة وسواها لا تستطيع أن تعيد التاريخ إلى الوراء، لكن أهميتها أنها محاولة، ضمن المحاولات الأخرى، لاستيعاب الدروس التاريخية، والتي كان ثمنها ضياع وطن وتشريد شعب، والاستضاءة بهذه الدروس حتى لا يخسر الفلسطينيون ما تبقى لهم من هذا الوطن، علماً أن كثيرين، خاصة من أبناء المخيمات الذين يخيفهم التلويح بالتخلي عن حقهم في العودة، لا يترددون في الحديث عن نكبة وطنية قادمة عليهم، ربما هي أقسى من نكبة 1948.

فالوضع الفلسطيني، يختلف بالضرورة عما كان عليه خلال سنوات الانتداب، والوعي الفلسطيني بحقائق المشروع الصهيوني (خاصة بعد أن عايشه قسم منهم داخل الكيان، وعايشه أبناء القدس والضفة والقطاع تحت الاحتلال) وبحقائق السياسة الدولية، راكموا خبرات وأساليب نضالية غير قليلة، واستطاعوا، بعد نكبة كبرى، أن يعيدوا بناء كيانيتهم وشخصيتهم الوطنية الفلسطينية، وأن يستعيدوا مكانتهم في المجتمع الدولي.

المعضلة الفلسطينية

ولكن، يبدو أن معضلة العمل الوطني الفلسطيني، كانت تكمن وما زالت في قضية القيادة السياسية. فرغم أن هذه القيادة لعبت دوراً ريادياً في إطلاق المشروع الوطني الفلسطيني في حركته الوطنية الحالية، إلا أن نقطة ضعفها الكبرى أنها راكمت لنفسها مصالح بيروقراطية على المستوى الشخصي، والوطني، والعربي، بدأت ترسم بينها وبين الحالة الشعبية الفلسطينية مسافات، مكنت هذه الحالة الشعبية من تجاوز قياداتها في أكثر من محطة سياسية بارزة. ولعل أهم هذه المحطات هي الانتفاضة الوطنية الكبرى نهاية العام 1987 والتي فتحت الأفق لحل سياسي، يقترب من قيام دولة فلسطينية مستقلة. غير أن الحسابات الذاتية البيروقراطية لقيادة م.ت.ف، وللفئات العليا في القيادة السياسية الفلسطينية، جرتها إلى منعطف ابتعدت فيه عن مشروع الدولة، بل وانقلبت عليه، بذهابها إلى اتفاق أوسلو، الذي لم يضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير (الاستقلال والعودة) لكنه ضمن للطبقات العليا في القيادة الفلسطينية موقعها في المعادلة الإقليمية كما ترسمها الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذا السلوك ما يشبه تجربة القيادات الفلسطينية في زمن الانتداب، التي ساومت (كما قيل) على مصير ثورة 1936، في حسابات سياسية، قادت في نهاية المطاف إلى النكبة الكبرى.

 ونعتقد أن ثمة قضيتين تقفان في مواجهة تجربة للقيادة الفلسطينية الحالية، تشبه إلى حد كبير تجارب القيادات في فترة الانتداب.

• الأولى هي وعد بوش الابن، والذي تبناه من بعده أوباما، بحل الدولتين، بحيث تقوم دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. بوش في نهاية العام 2008، ودع الرئيس محمود عباس واعتذر منه لأنه لم يفِ بوعده في قيام دولة فلسطينية. وجون كيري، بدوره اعتذر، كوزير خارجية لأوباما، لكونه هو الآخر لم ينجح في قيام الدولة الفلسطينية. المشكلة هنا من شقين. الأول أن القيادة الحالية وهي تدرك مدى قوة التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل (وهو الأمر الذي تحدث عنه بإسهاب صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في م.ت.ف في كتابه «الحياة مفاوضات» مؤكداً أن الولايات المتحدة هي في الحقيقة طرف ثالث في المفاوضات، منحاز لإسرائيل، وليست راعياً محايداً) ومع ذلك ترهن هذه القيادة مصير الحل بإرادة  الولايات المتحدة، بما يكرر إلى حد كبير، التجربة البائسة لقيادات ما قبل النكبة مع بريطانيا، في اعتبارها صديقاً للعرب وللشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه، صاحبة وعد بلفور وصاحبة انتداب، أوضح الصك بشأنه أن وظيفته هي بناء الوطن القومي لليهود.

استراتيجية عقيمة

• أما القضية الثانية فهي قضية إدارة الصراع مع المشروع الصهيوني. إذ تتبع القيادة السياسية الفلسطينية استراتيجية تبدو في مظهرها عصية على الفهم. فهي تدير سلطة تعتبرها نواة لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وهي تدعو إلى مقاومة شعبية سلمية للاحتلال، وتدعو لرحيل الاحتلال والاستيطان، لكنها تعتبر في الوقت نفسه تعاونها مع الاحتلال أمراً مقدساً لا يمس. وتتحدث عن بناء اقتصاد وطني فلسطيني يشكل الأساس لاقتصاد الدولة لكنها في الوقت نفسه تلتزم بروتوكول باريس الذي حول الاقتصاد الفلسطيني إلى جزء لا يتجزأ من الاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي دفعها حتى إلى عرقلة نشاط لجان مقاطعة الاقتصاد الإسرائيلي لأنها بدأت ترى أن المقاطعة تلحق الضرر بالاقتصاد الفلسطيني أكثر مما تلحقه بالإسرائيلي. وهي تعتمد المفاوضات خياراً وحيداً للمفاوضات، ثم تعترف في الوقت نفسه أن الجانب الإسرائيلي لا يريد المفاوضات، ولا يريد حلاً ثنائياً، بل يفرض أوضاعاً ميدانية تقود إلى تدمير حل الدولتين وإدامة نظام الإدارة الذاتية الفلسطينية الملحقة بالإدارة المدنية الإسرائيلية التابعة لسلطات الاحتلال.

ولعل مقال الرئيس محمود عباس، الأخير، في الغارديان البريطانية في مئوية بلفور، يكشف حجم التناقضات التي تعيشها الاستراتيجية السياسية للقيادة الفلسطينية الحالية، والتي بدأت، كما بات واضحاً، ووفقاً لتحليلات سياسية عدة، تبني لنفسها مصالح طبقية تستند إلى قاعدة اجتماعية من رجال المال والأعمال، وصف واسع من أبناء الطبقة الوسطى الذين وفرت لهم السلطة حجماً هائلاً من الامتيازات المادية والاجتماعية، صارت ترى في أية خلخلة للوضع الأمني الحالي، ما يعرض مصالحها الفئوية ومشاريعها الخاصة لضرر كبير. من هنا دعواتها لمقاومة شعبية سلمية (دون أن تقدم تعريفاً لمفهوم هذه المقاومة وأدواتها في مواجهة الاحتلال والاستيطان)، ومن هنا حرصها على التعاون الأمني مع سلطات الاحتلال، ومن هنا أيضاً التزامها بروتوكول باريس الاقتصادي الذي ربط شبكة علاقاتها التجارية والاستهلاكية بشبكة الاقتصاد الإسرائيلي، بما في ذلك اعتماد الشيكل عملة «وطنية»، وبما في ذلك أيضاً التزام شروط الجهات المانحة بالتعاون مع الاحتلال والتزام المفاوضات سبيلاً وحيداً للحل، مقابل تدفق المساعدات المالية على السلطة، والتي أصبحت مرتباتها العالية والعالية جداً مصدر ثراء الصف الأوسع من موظفيها.

لعل هذا من شأنه أيضاً أن يستعيد، بالمقارنة، تجربة القيادات السياسية الفلسطينية ما قبل النكبة، التي أقامت لها مصالح استندت الى الواقع الجديد الذي شكله الانتداب البريطاني لفلسطيني.. فهل نلقى بعد كل هذا باللائمة، في هذه الذكرى المشؤومة، على بلفور وحده؟■