إذا كانت بريطانيا قد منحت الحركة الصهيونية وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، فإن أمريكا، القوة الأعظم في عصرنا، قد منحت الكيان الصهيوني وعدين؛ هما وعد بوش ووعد ترامب. وعد بوش الذي أسميناه منذ صدوره «وعد بلفور الثاني» تعبيراً عن خطورته. كما اعتبرناه «الحصاد المر للساداتية العربية»، صدر في نيسان/ أبريل 2004، في شكل رسالة من الرئيس جورج دبليو بوش إلي رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون، وتضمنت الرسالة تعهدين أساسيين، هما: لن تكون هناك أي عودة للاجئين إلى إسرائيل. ولن تكون هناك عودة إلى حدود 1967، سواء لأن الكتل الاستيطانية ستبقي في يد إسرائيل، أو بسبب حق إسرائيل في حدود قابلة للدفاع. وكان التعهدان معاً. وكل منهما على حدة، خروجاً عن الشرعية الدولية بشأن حقوق شعب فلسطين. ومن أسف أن وعد بوش هذا صدر إلى شارون في وقت توافد فيه قادة عرب على زيارة واشنطن. قبل زيارة شارون أو بعدها. ولكنهم أغفلوا أو تغافلوا ــ فيما هو متاح من معلومات ــ عما جرى بين بوش وشارون، عبر رسائل متبادلة عندئذ، ولم يعلن أيٌّ منهم كلمة احتجاج علناً!

شهادة إسرائيلية!!

اليوم، ماذا كان سيحدث لو توقف عندئذ رهان التسوية بوساطة أمريكا، وأمريكا وحدها؟، أو لم نكن سنتجنب وعد بلفور الجديد. الثالث بعد بلفور الأول والثاني أمريكياً بشأن اتخاذ القدس عاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إليها من تل أبيب. لقد ظلت «الوساطة» الأمريكية لتسوية الصراع العربي ــ الصهيوني قائمة. على الرغم من أن الأحداث أثبتت عملياً أن أمريكا لا يمكن أن تكون وسيطاً نزيهاً في مسعى التسوية. وأن انحيازها ومساندتها للكيان الصهيوني ليست في حاجة إلى دليل. وأليس هذا ما كتبه الصحفي الإسرائيلي المنصف جدعون ليفي في صحيفة «هآرتس» في العاشر من كانون الأول/ ديسمبر الماضي:

«لقد قال ترامب الحقيقة للعالم. الولايات المتحدة ليست وسيطاً نزيهاً. لم تكن هكذا في أي يوم ولن تكون. هي من أكبر المتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي. مؤيدة ومزودة بالسلاح ومعززة له ــ هي تريد وجوده. وهي لم تشعر في أي يوم بالاشمئزاز منه. وكما هو معروف لم تقم بأي شيء من أجل إنهائه». لم يقف ليفي عند هذا الحد بل أضاف أن أمريكا حاولت حتى مجيء ترامب تضليل العالم!!، «عملية سلمية» لا نهاية لها برعايتها، لم تؤد في أي يوم، ولن تؤدي، إلى أي مكان سوى تخليد الاحتلال!.

عددٌ لا يحصى من «خطط السلام» التي ظهرت وكأنها متوازنة، والتي لم تعمل أمريكا على تحقيقها. عددٌ لا يحصى من الوسطاء المحايدين. كما يبدو ــ الذين في معظمهم يهود صهاينة ــ بعد كل هذا تتظاهر بأنها صانعة سلام غير متحيزة. الآن، جاء ترامب و«وضع حداً لكل ذلك». كيف؟ يجيب الصحفي الإسرائيلي المعروف بالاعتدال أن ترامب باعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل فقط «لم يدع أيّ مجال للشك: أمريكا مع الاحتلال. أمريكا مع إسرائيل. مع إسرائيل فقط. هذا بالطبع من حقها ومن حق رئيسها. ومعظم الإسرائيليين سعداء من ذلك ــ لكن لن يخرج من هذا عدل نسبي أو سلام».

3 حقائق

ما ذكره جدعون ليفي ملخصاً ومركزاً يثبت عبر السنوات منذ 1947 وإلى الآن 3 حقائق:

الأولى : أنه لولا موقف أمريكا المساند وبقوة لتقسيم فلسطين لما صدر قرار الأمم المتحدة بذلك في 29 نوفمبر 1947، والكتابات عديدة حول الضغوط الأمريكية على أعضاء المنظمة الدولية وممارساتها في ذلك الشأن.

الثانية: أنه لولا أمريكا لما استمر الاحتلال الإسرائيلي للقدس والضفة الغربية والجولان إلى الآن.

الثالثة: أن رؤساء أمريكا، خاصة منذ عدوان 1967، تفوّقَ كلُّ لاحق منهم على سابقيه في مساندة إسرائيل ودعمها عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

ولا يتردد بعض المؤرخين. عرباً وغير عرب. في التلميح إلى دور أمريكي في عدوان حزيران/ يونيو 1967. ودون هذا الدور لم تكن إسرائيل لتحقق النصر الذي أحرزته.

علي أية حال. إن الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل فكرة ووعداً. ودولة وممارسة لا ينبت في فراغ. إن له أسبابا عقيدية. وهو في الوقت ذاته تعبير عن رؤية الولايات المتحدة لسياستها ومصالحها كأكبر قوة دولية. خاصة منذ الحرب العالمية الثانية. ودون الدخول في تفصيلات تفيض بها عشرات بل مئات الكتب والدراسات من تأثيرات الطوائف الدينية الأمريكية ومعتقداتها في السياسة الأمريكية. مما أشار إليه سفير إسرائيلي سابق بشأن قرار ترامب ضد مدينة القدس، وأن هذا يعبر عن فكرة أمريكية منذ 1920 وحتى اليوم، والتي تري في القدس مصدر إلهام أخلاقي وديني. تمثله 50 مدينة بلدة ومدينة أمريكية تحمل اسم «ساليم» أو «جيروزاليم»، (صحيفة «إسرائيل اليوم»: 6/ 12 / 2017).

أما الحديث عن الصهيونية المسيحية والصهاينة غير اليهود فأكثر شيوعاً وانتشاراً، وما من قرار أمريكي بشأن فلسطين أو القدس إلا وفيه كلمات ومصطلحات تكشف عن ميول صهيونية. ومن المعروف أن قرار الكونجرس الصادر في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، قد وصف المدينة بأنها «مركز الديانة اليهودية». وهذا ادعاء لا سند له في التاريخ، باعتراف مؤرخين إسرائيليين ورجال آثار. من أمثلة ذلك كتاب إسرائيل فنشكلشتاين وفيل اشر سيلبرمان عن «التوراة اليهودية مكشوفة علي حقيقتها»، وثلاثية شلومو ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، وهي «اختراع الشعب اليهودي»، و«اختراع أرض إسرائيل»، و«كيف لم أعد يهوديا»، وهي ثلاثية جديرة لقراءة وعرض خاصيّن في مثل الظروف الحالية، حيث تحرص السياسة الأمريكية ــ خاصة في السنوات الأربعين الأخيرة ــ على أن تفرض على العرب تاريخاً خاصاً لفلسطين. وفي سبيل ذلك تقلب الحقائق وتشوّه التاريخ وتُزوِّرْ.

مساندة وتأييد مستمران

هذا الانحياز الفكري والعلمي والتاريخي الأمريكي لإسرائيل هو جزء لا يتجزأ من موقف أمريكي ثابت ومستمر منذ تأييدها المبكر لوعد بلفور في 1917. منذ ذلك التاريخ ظل الموقف الأمريكي مؤيداً وبثبات لإسرائيل وسياساتها تجاه العرب عامة وتجاه شعب فلسطين وحقوقه خاصة. ووضح هذا منذ عدوان حزيران/ يونيو 1967، الذي كان دور أمريكا فيه مثار شبهات.

كما سبق القول، منذ ذلك التاريخ، فإن كلّ رئيس أمريكي تفوق على سابقيه في تأييد إسرائيل ودعمها وتبني قراراتها السياسية.. منذ الرئيس هاري ترومان الذي سارع إلى الاعتراف بإسرائيل بمجرد إعلان قيامها في 1948، ضارباً عرض الحائط بموقف وزيري الدفاع والخارجية، وإلى اليوم، قد يقال إن الرئيسين وايت إيزنهاور في موقفه من عدوان 1956، وجورج بوش الأب في موقفه من منع تمويل الاستيطان الإسرائيلي الجديد، كانا استثناء. ولكن هذا قول غير دقيق تاريخياً وسياسياً. وحتى باراك أوباما الذي امتدحه، لأسباب ممكنة، كثير من العرب ونسوا حقائق معروفة، على رأسها أنه الرجل الذي أكسب إسرائيل 8 سنوات من الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، باستثناء فترات قصيرة، كما شهدت سنواته في البيت الأبيض تعاوناً غير مسبوق بين أمريكا وإسرائيل في الشئون العسكرية والمخابراتية. كما عقد في عام 2016 اتفاقاً لتزويد إسرائيل بـ 38 مليار دولار خلال 10 سنوات!!. بالطبع لا يوجد انحياز أكثر من هذا سوى الانحياز الذي يجسده دونالد ترامب بقراره ذي الأبعاد الخطيرة والمتعددة بشأن القدس، وما يرتبط بها من حقوق فلسطينية.

ما بين وعد بوش وشارون ووعد ترامب ضد عروبة القدس، مرحلة كاملة تقريباً من الصراع العربي ــ الصهيوني. على الرغم من أنها قصيرة المدة قليلة السنوات. ولكن وعد ترامب يقود الصراع إلي مرحلة مختلفة نوعياً عما بعد 1967 وإلى الآن. حينما كان السؤال المطروح عربياً هو كيف نتعامل مع أمريكا؟، يومئذ تعددت الإجابات والاجتهادات، إلى أن كانت حرب أكتوبر المجيدة، التي جاءت بعدها سنوات عجاف، كان الاعتماد العربي فيها كبيراً على أمريكا، حيث ارتفع شعار أنها تملك 99% من أوراق الحل. أصبح هذا يحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة ودقيقة بعقلانية شديدة. وبعيداً عن التشنج والعصبية وبحثاً عن سياسة متوازنة وهادئة لا تضع الصديق موضع العدو ولا العكس. وهذا لن يتم بين يوم وليلة ولن يجري البحث عنه في حجرات مغلقة، بل على أرض الواقع الذي يوشك أن يطرح شكلاً أو آخر من أشكال الانتفاضة التي تفجر قدرات الشعب الفلسطيني وقدرته على المقاومة اعتماداً على قوى وفئات شبابية جديدة في القدس والضفة وأراضي 48 والمخيمات.. إننا على أبواب مرحلة لم تتحدد معالمها بعد. ومن أبرزها ــ عالمياً ــ عزلة أمريكية من نوع خاص، عبرت عنها جماعية دولية كاسحة في تصويت مجلس الأمن علي مشروع القرار المصري ضد القرار الأمريكي بشأن القدس، فماذا بعد؟.