قد لا يحمل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن القدس سوى «دلالة رمزية واستعراضية»، بالنظر إلى أنّ المدينة محتلةٌ منذ أكثر من نصف قرن، قامت خلاله إسرائيل بالكثير من الإجراءات (وخصوصاً الاستيطانية منها)، وفرضتها بقوة الأمر الواقع (الاحتلال). وهي تواصل تهويدها وتصرّ على اعتبارها عاصمتها، سواءً نقلت واشنطن سفارتها إليها أم لا!.

ولكن مع ذلك، يجدر بالذكر أن كل الإدارات الأميركية التي تعاقبت على السلطة منذ ذلك الوقت، امتنعت عن اتخاذ أي موقف بشأن الوضع النهائي للقدس، إلى أن «يتمّ حسم ذلك عبر المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين»، كما يقولون.

وحين أصدر الكونغرس الأميركي عام 1995 قانوناً يقضي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، عملت إدارة كلينتون على تضمين القانون بنداً ينصّ على إعفاء «الإدارة» من تطبيقه لدواعٍ خاصة بالأمن القومي الأميركي.

وقد درجت العادة على أن يطلب الكونغرس من كافة الإدارات الأميركية الالتزام بهذا البند كل ستة أشهر، وأصبحت هذه المدة تُجدّد بشكل شبه تلقائي، علماً أن العديد من الرؤساء الأميركيين السابقين كانوا قطعوا وعوداً خلال حملاتهم الانتخابية بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، لكن سرعان ما كانوا يغيّرون مواقفهم فور تسلمّهم السلطة، على خلفية الخشية من «العواقب التي يمكن أن تترتب على أي خرق» يمكن أن يحدث في هذه القضية الحسّاسة، إلى أن قام ترامب بفعلها أخيراً!.

وعلى ذلك، فقد ذهب البعض إلى حدّ مماهاة قرار ترامب مع وعد بلفور، وذلك لجهة تداعياته المحتملة على مشاريع الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية، ناهيك عن تبعاته المتصلة بإعلاء «البعد الديني» في الصراع الدائر، بمنطقة تعجّ فيها مختلف النزاعات والتجاذبات المُغلّفة أو الموسومة بالبعد الديني والمذهبي، وما يمكن أن يمنحه، تالياً، من مبرّرات لدعاة الفكر الجهادي وأرباب الإرهاب؟!.

تغطية «الفضائح» واسترضاء المتشدّدين

وإذا كان قرار الـ«دونالد» الاعتراف بـ«القدس عاصمة لإسرائيل»، والإعلان عن شروع إدارته في عملية نقل السفارة الأميركية إليها، ينسجم مع ما طرحه في حملته الانتخابية، ويرضي الجزء الأكبر من قاعدته الانتخابية والحزبية، إلا أنه جاء، في هذا التوقيت، في خضمّ عدد من الأزمات والفضائح التي تعاني منها إدارته، لعلّ أخطرها شبح «مسألة التدخل الروسي المفترض في الانتخابات الرئاسية»، الذي يخيم فوق البيت الأبيض (على نحو مماثل لفضيحة ووترغيت)، ليقضّ مضاجع سيّده الجديد، وخاصة بعد وصول الاتهام لمستشاره السابق للأمن القومي، مايكل فلين، وما يشاع عن صلة ما لصهره جاريد كوشنر، في هذه القضية.

وعليه، فإن قرار ترامب قد يندرج في إطار البحث عن «استرضاء قاعدته الانتخابية وفي المقام الأول منها المسيحيين الإنجيليين»، الأكثر تأييداً لإسرائيل، وكذلك اللوبي اليهودي (آيباك)، على أمل أن يساهم ذلك في التخفيف من «تدحرج كرة ثلج ملف الانتخابات»، أو فرملته إن أمكن، في ظل ما يملكه هؤلاء من تأثير في «الماكينة» السياسية والإعلامية في واشنطن.

بيد أنه ينبغي التذكير أيضاً بأن هذا القرار لا يشكل استثناءً، مقارنة مع جملة قرارات مماثلة اتخذها ترامب خلال سنته الأولى في الحكم، وأبرزها التخلي عن اتفاقيات المناخ والتجارة حول المحيط الهادي، والانسحاب من اليونسكو، والتشدد بشـأن الاتفـاق النووي مع إيران، وداخل منظمة التجارة الدولية.

كسر «المحرمات»

وكلها قرارات سمتها الرئيسة أنها «تكسر المحرمات» وتأتي من خارج «الصندوق» المعتاد، كما يقال، لدوائر صناعة القرار في العاصمة الأميركية. كما أنها تتماشى مع خطاب ترامب «الصِدامي» الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر الماضي، والذي يحاول من خلاله أن يقطع مع منظومة العلاقات الدبلوماسية العامة المنضوية فيما يسمّى «النظام الدولي»، الذي أرست أسسه وركائزه وقادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. (د. خطار أبودياب / «القدس: دوافع قرار ترامب الأحادي وتبعاته».. «العرب»: 9/12/ 2017).

بيد أنه يجدر القول أيضاً، بأنّ قرار ترامب هذا ما كان ليجد طريقه للظهور لولا أحوال العرب المتردّية والمتهتكة، والتي وصلت إلى حالٍ من البؤس يرثى لها، باتت تشكل معها بيئة «حاضنة وصديقة» لكل المآسي والكوارث التي تحلّ بهم.

وربما من النافل التذكير بأنّ القوى الاستعمارية وقوّة إسرائيل لم يكونا وحدهما، في أيّ يوم، العامل الحاسم في نجاح المشروع الصهيوني على أرض فلسطين في مختلف أطواره ومراحله، بل ثمة عامل مساعد آخر، ساهم إلى حد كبير في ذلك، هو بؤس وتردّي الأحوال والأوضاع العربية، الرسمية والمجتمعية، (بما في ذلك الانقسام العميق، الثقافي والسياسي، الحاصل داخل الساحة الفلسطينية)، وهو ما أدركه وأقرّ به مؤسّسو إسرائيل الأوائل؛ مثل ديفيد بن غوريون، أول رئيس إسرائيلي، الذي حذر جنوده وضبّاطه بعد حرب الـ48، من «الإغترار ومخادعة النفس واعتبار أنّ ما تحقّق من نصر «تاريخيّ» على العرب يعود إلى عبقريّاتهم وذكائهم»، لافتاً إلى أنّ ذلك ما كان له أن يتمّ «لولا أنّ أعداءنا يعيشون حالة مزرية من التفسّخ والفساد والانحلال».

كما أنّ الأجيال الإسرائيلية التي جاءت بعد مرحلة التأسيس لم تكتفِ بنشوة «التفوق» الناتج عن ضعف الخصم، وإنما شرعت في عملية تحديث وتصنيع شاملة، على نحو مكّن إسرائيل من احتلال مواقع متقدّمة في العديد من الصناعات والتقنيّات المتطورة، ناهيك عن منافستها كبريات الدول في سوق السلاح وامتلاكها التكنولوجيا النووية.

وفي المقابل، فإنّ استنقاع الأحوال العربية وانحطاطها الحضاري والتاريخي هو «ما جعل من الهزيمة المستمرة أمام إسرائيل لا مجرّد هزيمة سياسية وعسكرية، تخصّ أنظمة الحكم القائمة فحسب، وإنّما هـــزيـــمة شــاملة للمجتمعات الـــتي أنتجت وتنتج البُنى السياسية والنخب والأيديولوجيات التي هيمنت وما تزال على المجتمعات العربية، موشّاة بالقداسة التي لا يطالها النقد، لتعاود إنتاج الخرافات والأوهام، ملقيةً بالشعوب العربية على هامش التاريخ». (طارق عزيزة: بين إعلان واشنطن وسيرورة الانحطاط العربي / «الحياة»: ١٠/12/٢٠١٧).

تقويض «عملية السلام»

ولكن إلى ذلك كله، فإنّ قرار ترامب قد يقوض دور الولايات المتحدة التاريخي، كوسيط تاريخي ووحيد غالباً، في عملية المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، بما في ذلك مشروعه الذي يجري التداول بشأنه في عدد من العواصم والدوائر المعنية، تحت مسمّى «صفقة القرن». وفي هذا الصدد، توقع السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، دانيال كيرتزر، أن يكون «مشروع ترامب» العتيد «ضحية لسياسته الخرقاء»!.

كما قد يضاعف القرار من توتر العلاقات بين واشنطن وحلفائها العرب، الذين تعوّل عليهم في مساعدتها على الوقوف في وجه «العدو الإيراني» المفترض، ومحاربة «التطرف الإسلامي». وهنا يجدر التنويه إلى مجاهرة ترامب بموقفه وازدرائه بـ«أصدقائه» من الزعماء العرب، (إذ أنه لم يتردّد في إبلاغ بعضهم، هاتفياً، أنه سيفعلها)، ضارباً عرض الحائط بـ«ترجّياتهم»، وحتى بـ«الأضرار» التي قد تنجم عن موقفه، لجهة التعويل والرهان عليه، وعلى «تحالف مشترك» يجمعه معهم في «العداء المعلن أو المزعوم لإيران وتدخلاتها في المنطقة»، علماً أن أغلب التقديرات تشير إلى أنها ستكون «المستفيد الأكبر» من القرار الأميركي.

ذلك كله، قد يُفسّر لنا «النبرة المهادنة» التي لجأ إليها ترامب بعد قراره المشين، فأكد «التزام الولايات المتحدة دفع عملية السلام قُدماً»، وتشديده على أن «الوضع النهائي للقدس سيكون رهناً بالمفاوضات وقبول الطرفين»!. وهو ما اعتبره كثير من الدبلوماسيين والمراقبين «تسويفاً واضحاً»، استناداً إلى خبرتهم وتجربتهم مع «المفاوضات ومدى عبثيتها»، حين تكون مرهونة ومشروطة بقبول الطرف الإسرائيلي لنتائجها وخواتيمها «المفترضة»!، وهو الأمر الذي لم تفعله إسرائيل قط.

وعليه، فإذا كان للمرء أن يُشكّك، في الأصل، بفرص نجاح «مشروع ترامب للسلام المرجو»، فإنّ هذه الفرص ستصبح شبه معدومة، إن لم نقل أنها معدومة تماماً، بعد قراره الأخير بشأن القدس، كما يقول أغلب المحللين.

وقد رأى غير باحث أميركي أنه كان أجدى بالرئيس الأميركي إعلان قراره «في إطار مقترح شامل للسلام». وذهب توماس فريدمان، الكاتب الأميركي المعروف، إلى أنّ الرئيس الأميركي «قدّم جوهرة تاج السياسة الخارجية للولايات المتحدة دون مقابل بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل»؟!.