في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، أكد التصريح الذي وقّعه وزير خارجية المملكة المتحدة آرثر بلفور آنذاك، والذي عرف فيما بعد بـ«وعد بلفور»، «أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية». وقد وجّه هذا التصريح (الرسالة) إلى الممثل الأعلى للطائفة اليهودية البريطانية اللورد والتر روتشيلد، بعد أن صادقت عليه الحكومة البريطانية، طالباً منه أن يبلغ مضمونه إلى الاتحاد الصهيوني.

كثيرون ما زالت الدهشة تتملكّهم؛ كيف أمكن لوعد أو تصريح أو إعلان، لا يرقى إلى مستوى المعاهدة أو الاتفاقية، أن يتحول إلى أكبر عملية «سطو مسلح» لوطن في التاريخ، وطنٌ يعيش فيه سكانه الأصليون لآلاف السنين، ثم يُطردون منه، ويحلّ محلهم أفراد وجماعات من كافة أنحاء الأرض، لا يربط بينهم إلا «وهم ديني» يبرر لهم القتل والمجازر ومختلف صنوف القهر والتنكيل، مدّعين أن الربّ منحهم هذه الأرض، فيتقبل العالم هذه «الرواية الشاذة» التي بدأت تحقق النجاح تلو الآخر.

المشروع الصهيوني

قبل ذلك، في نهاية آب/ أغسطس 1897، وبعد أكثر من عام على صدور كتابه «دولة اليهود»، نظم الصحافي والكاتب تيودور هرتزل، في بال بسويسرا، أول مؤتمر صهيوني شارك فيه نحو 200 مندوب، قدموا من شرق أوروبا، وخصوصاً من روسيا، أعلنوا في نهايته أن «الصهيونية تطمح إلى تأسيس موطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام».

وأعلن المؤتمر أنه يريد، على وجه الخصوص، تشجيع «استيطان مزارعين وعمال وحرفيين يهود في فلسطين، وتعزيز الشعور القومي اليهودي، والحصول من مختلف الحكومات على الموافقة الضرورية لإنجاز تطلعات الصهيونية».

وعندما رفض ضياء الدين الخالدي، رئيس بلدية القدس حينها، منح اليهود مكاناً في فلسطين، ووجّه رسالة بهذا الخصوص إلى هرتزل قائلاً فيها: «باسم الرب اتركوا فلسطين تعيش في سلام» (19 آذار/ مارس 1899)، ردّ عليه الأخير بقوله:

«بالنسبة لوجود السكان من غير اليهود، فمن يفكر بإبعادهم إلى الخارج؟ إن سعادتهم وثرواتهم ما سنعمل على زيادتها، بإضافة ما لدينا مما نجلبه معنا. هل تعتقد أن الفلسطيني الذي يملك أرضا أو بيتا يساوي ثلاثة أو أربعة آلاف فرنك سيكون غاضباً عندما يرى سعر أرضه ترتفع في فترة قصيرة خمسة أو عشرة أضعاف القيمة في عدة أشهر؟ وهذا بالضرورة سيحدث مع وصول اليهود». (عبد الحميد صيام / «قراءة سريعة في وثائق المرحلة» / «القدس»: 27/10/ 2017).

وفي الواقع، فقد سرّعت المشاعر المعادية لليهود في أوروبا، والعمليات ضدهم في روسيا، انتقال العديد من هؤلاء إلى فلسطين. وبلغ عدد اليهود في فلسطين 47 ألفاً في 1895، مقابل 24 ألفاً في 1882. وحتى عام 1917 كانت نسبة اليهود لا تزيد عن 7 % من شعب فلسطين.

في نهاية 1915، بحثت المملكة المتحدة وفرنسا تقاسم المقاطعات العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية المترنحة. لكن بموازاة ذلك، كان مبعوثون بريطانيون يتفاوضون مع شريف مكة حسين، ملوحين له باستقلال عربي.

«سايكس ـ بيكو»

في 1916، اتفق كل من الفرنسي فرنسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس على وضع فلسطين تحت إدارة دولية في إطار تقسيم للمقاطعات العربية التابعة للعثمانيين بين فرنسا وبريطانيا.

لكن المملكة المتحدة لم تعجبها كثيراً فكرة التدويل، ولو أنها حصلت بمقتضاها على الإدارة المباشرة لميناءي حيفا وعكا. وسعت إلى الاستفادة من الطموحات الصهيونية، معتبرة أن الاعتراف بـ «وطن قومي يهودي» يخدم ضمان مصالحها في الشرق الأوسط.

وبدأت الحركة الصهيونية من جهتها مفاوضاتها مع الحكومة البريطانية. وساعدها فيها تعيين آرثر بلفور المناصر لليهود بنهاية 1916 وزيراً للخارجية.

تهافت الموقف العربي الرسمي

وعلى رغم أنه من الشائع أنه لم يتم التشاور مع العرب في شأن هذا الوعد، ولم يتم إبلاغهم به، إلا أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى لقاء حصل في القاهرة في 27 آذار/ مارس 1918، جمع بين ممثلين عن اللجنة الصهيونية وعددٍ من القيادات العربية مثل؛ سعيد شقير والدكتور فارس النمر وسليمان بيك ناصيف.

وما نقل عن هذا اللقاء يُظهر أنه لم يكن هناك اعتراض من هؤلاء على «الأهداف والطموحات الصهيونية»، بل إن أحد المشاركين فيه أعرب عن تمنياته بـ«العمل معا بانسجام وتفاهم مع حاييم وايزمان وباقي أعضاء اللجنة الصهيونية»، وقال آخر «إنّ فلسطين لديها متسعٌ لمليون إضافي، بدون التأثير على تركيبتها السكانية الحالية»!.

وفي مذكرة من حول لقائه مع الأمير فيصل بتاريخ 16 حزيران/ يونيو 1918، يقول وايزمان أن فيصل كان يرى أن «قدوم اليهود إلى فلسطين في صالح البلاد». وبعدها، في مطلع عام 1919، تمّ توقيع مذكرة تفاهم وتعاون بين الأمير ووايزمان، نصّ أحد بنودها على «تقديم ضمانات كاملة لتنفيذ إعلان بلفور من قبل الحكومة البريطانية»!!. كما تضمنّت اتخاذ «كافة الإجراءات الضرورية لتشجيع وتحفيز الهجرة اليهودية إلى فلسطين بأقصى سرعة ممكنة، وتمكين المهاجرين اليهود من الاستقرار في أراضي (فلسطين) من خلال مستوطنات متقاربة وعملية زراعة مكثفة للأرض». إضافة إلى أنّ «أية خلافات قد تنشأ بين الطرفين المتعاقدين سوف تحال إلى الحكومة البريطانية من أجل التحكيم».

أما لقاء رئيس المنظمة الصهيوينة بالإنابة، أوسيشنكن، مع رئيس مجلس بلدية القدس موسى كاظم الحسيني (8 أكتوبر 1919)، فقد اتضح فيه وجود خلاف عميق بشأن «فصل فلسطين عن سوريا» وإلحاقها بالحماية البريطانية، حيث أعلن كاظم عدم موافقته على ذلك وقال: «لقد طلبنا حماية من الأمريكيين وبريطانيا تأتي في المرتبة الثانية». فردّ عليه أوسيشنكن بقوله: «لقد بلغت قياداتك الدينية بذلك، و(...) تحدثنا مع الأمير فيصل في هذا الأمر وتوصلنا إلى اتفاق معه»؟.

وعندما أجاب موسى كاظم قائلاً: «لكننا لا ننصاع لأوامر الأمير فيصل في ما يتعلق بمطالبنا السياسية، إننا نعترض على منح اليهود أي حقوق خاصة»، موضحاً أنه لا يتكلم باسمه الشخصي، بل باسم كل إخوانه العرب، الذين «رفضوا كل التنازلات التي قدمها الأمير»، عاد أوسيشنكن ليقول: «ولكن حكومة بريطانيا قدمت لليهود إعلانا بهذا الخصوص يسمى «وعد بلفور» الشهير، ولا شك أنك سمعت به. وعندما تقدم بريطانيا وعداً تعرف أيَّ وعدٍ قدمت، وبدون شك تعرف كيف تحترم ذلك الوعد»؟!.

وقد نظمت أول احتجاجات فلسطينية على وعد بلفور في شباط (فبراير) 1920 في القدس ويافا وحيفا. وفي نيسان (أبريل) 1920، منح مؤتمر روما لندن الانتداب على فلسطين.

وبحسب نص الانتداب الذي أقر نهائياً في 1922 في عصبة الأمم، تتولى المملكة المتحدة «مسؤولية أن ترسي في هذا البلد (فلسطين) وضعاً سياسياً وإدارياً واقتصادياً من شأنه أن يضمن إقامة وطن قومي للشعب اليهودي». وشكل ذلك نجاحاً ضخماً للمشروع الصهيوني.

ومع صعود النازية في ألمانيا، وبعد المذابح التي تعرض لها اليهود فيها أثناء الحرب العالمية الثانية، تصاعدت هجرة اليهود إلى فلسطين واتخذت أحجاماً مضاعفة. وترافق ذلك مع قيام العصابات الصهيونية المسلحة بممارسة ضغوط كبيرة على أهل البلد، الفلسطينيين.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، اعتمدت الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين: واحدة فلسطينية وأخرى يهودية، مع وضع القدس تحت الإشراف الدولي. وفي 14 أيار (مايو) 1948، أعلن ديفيد بن غوريون عن إقامة دولة إسرائيل مع انتهاء الانتداب البريطاني لفلسطين.