اختلف بعض أركان وأقطاب السلطة في طهران في وصف ما جرى من احتجاجات في عدد من المدن الإيرانية خلال الأيام الأخيرة من العام المنصرم وبداية العام الجديد، فهناك من اعتبرها «حراكاً داخلياً» ينبغي التعامل مع موجباته ودوافعه الاجتماعية، على حد وصف الرئيس حسن روحاني، وهناك من رأى أنها «مؤامرة خارجية» محضة يحيكها أعداء الخارج، كما قال غير مسؤول من أنصار التيار المحافظ و«الحرس الثوري»، لكنّ هؤلاء جميعاً اتفقوا على وجود أسباب اقتصادية ومعاشية وقفت بقوة خلف الاحتجاجات وساهمت بشكل مباشر في اندلاعها.

يندرج في هذا الإطار، حديث أهم أصدقاء طهران وحلفائها عن تضرر أكثر من 150 ألف عائلة في مدينة مشهد وحدها، (وهي إحدى المدن الرئيسة التي شهدت بداية اندلاع التظاهرات)، بعد أن خسرت تلك العوائل أموالها في مشروع سكني، وإعلان عدد من المصارف إفلاسها في «ظروف وملابسات مشبوهة».

ويوضح بعض الخبراء الإيرانيين كيف تبدّد التعويل على «المردود الاقتصادي والمعيشي» للاتفاق النووي الموقع مع القوى الكبرى، والذي لم يستفد منه سوى 11% من الشعب الإيراني، منذ توقيعه في 2015، وأن القسم الأكبر من هؤلاء كانوا من تجار طهران تحديداً، مما قد يفسر، في نظرهم، «عدم انضمام طهران للاحتجاجات كما كان عليه الأمر عام 2009»، خلال الحركة الاحتجاجية التي أعقبت الانتخابات الرئاسية آنئذٍ.

ويشير هؤلاء إلى التوزّع الديموغرافي في إيران، حيث يقطن في طهران وحدها نحو 16% من مجموع سكان البلاد، وفي المدن الأخرى نحو 58%، بينما يبلغ سكان الريف نحو 26%، وتعدّ المناطق الريفية الأكثر معاناة بسبب سنوات من الجفاف وتراجع الاستثمارات.

الفقر والبطالة والفساد

 

 

وإلى ذلك، فقد شهدت معدلات الفقر «ارتفاعاً حاداً» منذ السنة الأولى لعهد الرئيس روحاني ولا تزال. كما يشار هنا إلى ارتفاع معدلات البطالة (النسبة المعلنة تصل إلى ١٣ %، ولكن النسبة الحقيقية تزيد عن ذلك بكثير، لتصل إلى نحو 30% في أوساط الشباب، حسب بعض التقديرات)، يضاف إلى ذلك تنامي السخط الشعبي بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، وتفشي الفساد الذي بات يضرب معظم أركان الطبقة السياسية الحاكمة، وهو ما ركزت عليه التحركات الشعبية التي رفعت شعارات مطلبية تنصبّ على الأوضاع المعاشية المتردية وتدني الأجور، وتطالب بمكافحة البطالة وإيجاد الوظائف، قبل أن تتطور في بعض المدن إلى شعارات سياسية تتصل بطبيعة النظام واهتماماته الإقليمية. 

وعلى ذلك، فقد بحث اجتماع مجلس الشورى الإيراني (7/1)، في أسباب الاحتجاجات والاضطرابات التي انطلقت في 28 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وأسفرت عن 21 قتيلاً، معظمهم من المتظاهرين، حسب قول السلطات الإيرانية. وأشار نائب إصلاحي إلى توقيف 3700 شخص، علماً أن السلطات تحدثت عن حوالى ألف محتجز. وبرّر الفارق في الرقم بمشاركة أجهزة أمنية واستخباراتية عدة في التوقيفات، فيما أعلن وزير الداخلية الإيراني عبد الرضا رحماني فضلي أن حوالى 42 ألف شخص شاركوا في التظاهرات.

وذكر أنّ «المجلس» يدرس شطب بنود في الموازنة «غير الشعبية» التي ينتظر أن يًقرّها قريباً، وتتضمن اقتطاعات في الدعم الاجتماعي وزيادة في أسعار الوقود. وقال رئيس المجلس علي لاريجاني: «لا بد أن نأخذ في الاعتبار وضع الناس، إن رفع أسعار الوقود ليس بتاتاً في مصلحة البلد»، كما صرح عضو رئاسة المجلس، غلام رضا غارمسار، بأن «كلفة الكهرباء والماء والغاز لن تزداد بعد الآن». فيما شهدت البلاد خروج مسيرات ضخمة في طهران وعدد من المدن الأخرى، تأييداً للنظام وللحكومة في طهران.

العقوبات والاستهداف الأميركي

الحديث عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في إيران لا ينفصل عن الحصار والعقوبات الغربية والأميركية التي فرضت، ولا زال بعضها مفروضاً على طهران. هذا فضلاً عن «الموقع المتقدّم» التي عادت إيران لتحتله في استهدافات الاستراتيجية الأميركية، ومساعي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعلنة لتقويض نظام الحكم فيها، إلى جانب تحشيد الحلفاء في دول الخليج (السعودية خصوصاً) ضد ما يوصف بـ«مشاريع الهيمنة الإيرانية» في المنطقة.

وكانت إدارة ترامب، التي تعارض الاتفاق النووي الموقع مع طهران في 2015، أيّدت الاحتجاجات منذ بدايتها. واعتبرت أنها تُعدّ دليلاً على أن «الأنظمة القمعية لا يمكن أن تستمر إلى الأبد»، حسب ما جاء في تغريدة للرئيس ترامب، الذي زاد على ذلك تأكيده أن «زمن التغيير في إيران قد حان»، قبل أن يشير نائبه مايك بنس إلى أن الإدارة الأميركية لن تكرر أخطاء الماضي، في إشارة إلى سياسة أوباما التي اعتبر أنها كانت «مهادنة» لإيران بشكل كبير.

وقد عمدت إدارة ترامب أخيراً إلى فرض عقوبات جديدة على 5 شركات إيرانية اتهمتها بالمشاركة في برنامج الصواريخ الباليستية الذي «يعطيه النظام الإيراني أولوية على حساب رفاه الشعب»، على حد قولها. كذلك أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أنه يجب «محاسبة المسؤولين الإيرانيين عن أعمال القمع»، مؤكدة أنها «لن تنسى ضحايا الاحتجاجات»!.

ويتوازى ذلك مع توجيه واشنطن إشارات متعددة تفيد بدعمها للدعوات التي تظهر بين حين وآخر لتغيير نظام الحكم في طهران، لدرجة وصلت إلى حد الإعلان عن أن ذلك يمثل أحد أهداف الاستراتيجية الأميركية الجديدة. علماً أنّ المسؤول الأميركي عن شؤون إيران، أندرو بيك، أكد أخيراً (3/1)، أن الإدارة الأميركية «تريد تغييراً في سلوك النظام، لا تغييره في إيران».

يبرز في هذا الصدد، ما كشفته أخيراً يومية «وول ستريت جورنال» (4/1)، حول لقاء جمع مستشار الأمن القومي الأميركي، هيربرت ماكماستر، بنظيره الإسرائيلي، مئير بن شاباط، في البيت الأبيض (12/12/ 2017)، ووقعا فيه على «بروتوكول سري» لـ«تنفيذ خطوات ملموسة ضد إيران»، تترجم الاستراتيجية الأميركية المناهضة لإيران التي أعلن عنها الرئيس ترامب في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ترافق ذلك مع تسليم مايكل داندريا إدارة ملف إيران داخل وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية، منذ منتصف العام الماضي. وتكليفه بترجمة الموقف المتشدد للإدارة تجاه طهران بـ«خطوات وإجراءات ميدانية تزعزع استقرار وتماسك نظام الحكم في طهران».

انقسام في مجلس الأمن بشأن إيران

انفردت الولايات المتحدة خلال جلسة لمجلس الأمن حول إيران (5/1)، كانت هي من دعا إليها، بإعلان دعمها الصريح التظاهرات في إيران، متجاوزةً بذلك مضمون الدعوة إلى الجلسة، فيما تراوحت مواقف بقية أعضاء المجلس بين تأكيد «ضرورة احترام طهران حرية التظاهر السلمي والتوقف عن قمع المتظاهرين»، وبين توبيخ واشنطن لـ «محاولة استخدام المجلس للتدخل في الشؤون الداخلية للدول وتقويض الاتفاق النووي مع إيران».

واستندت المقاربة الأميركية للدعوة إلى جلسة لمجلس الأمن لبحث الوضع الداخلي الإيراني، إلى أن قمع السلطات الإيرانية التظاهرات قد يؤدي إلى تفاقم الوضع الداخلي و«يتحول تهديداً للأمن والسلم الدوليين»، كما قالت المندوبة الأميركية نيكي هايلي. ولكن كان من الملفت أن أقرب حلفاء الولايات المتحدة اتخذ مواقف متعارضة مع موقفها في هذا الشأن، ما خلا الموقف البريطاني.

وقد اعتبر المندوب الفرنسي، كما سائر مندوبي الدول الأوروبية الغربية في المجلس، وهي بريطانيا والسويد وهولندا، أن الوضع في إيران «لا يشكل تهديداً للأمن والسلم الدوليين»، وأن «التغيير في إيران لن يأتي من الخارج»، وأن «الإيرانيين وحدهم من سيحدد طريق الحوار السلمي».

وعبرت روسيا، وكذلك الصين وبوليفيا وإثيوبيا وغينيا الاستوائية، عن موقف معارض لمناقشة التظاهرات الإيرانية في مجلس الأمن. وقال السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا، إن الولايات المتحدة «إنما تقوض سلطة مجلس الأمن من خلال إقحامه في أعمال لا تندرج ضمن مسؤولياته»، معتبراً أن الوضع الداخلي الإيراني أمر يجب ألا يطرح أمام المجلس.

وردت إيران على لسان وزير خارجيتها محمد جواد ظريف، الذي اعتبر أن اجتماع مجلس الأمن لمناقشة الاحتجاجات في إيران «تحول خطأ فادحاً» لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

 

خامنئي: أحبطنا مشروع تمرد لإطاحة النظام

دعا المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي إلى «الفصل بين المطالب المحقة لمواطنيه والتصرفات الوحشية والتخريبية لمجموعة»، وحضّ على «التعامل مع مخاوف» عبّر عنها المحتجون، لكنه أعلن إحباط مساعي الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل وتنظيم «مجاهدين خلق» إلى تحويل التظاهرات تمرداً يطيح النظام.

ولفت إلى أن أعداء بلاده «دعوا الناس إلى الاحتجاج تحت شعار لا لغلاء المعيشة الذي يرضي الجميع»، مشيراً إلى «خطط أميركية وصهيونية وُضعت منذ أشهر، لبدء (تظاهرات) في المدن الصغيرة والتقدّم في اتجاه العاصمة»، قبل أن تبوء تلك الخطط بالفشل.