اتسعت رقعة الاحتجاجات الشعبية ضد الظروف المعيشية القاسية التي تسببت بها موازنات دول في المغرب العربي للعام الحالي 2018، والضرائب والزيادات التي فُرضت على مواد استهلاكية أساسية تطاول كل الناس في قوتها اليومي، لاسيما الشرائح محدودة الدخل. ومع استمرار «احتجاجات الرغيف» في تونس وقبلها في المغرب، شهدت الجزائر أخيراً، تحركات ومواجهات مع قوات الأمن عندما حاول الأطباء «المقيمون» الخروج في تظاهرة في العاصمة.

الأمن أم الديمقراطية؟

وفي تونس، برزت معضلة الأمن والديمقراطية وأيهما يأتي أولاً، وذلك في ظل ما تشهده البلاد حالياً من مظاهرات واحتجاجات وتصعيد سياسي، عشية إحياء ذكرى «ثورة 14 يناير» ومرور سبع سنوات على إسقاط نظام زين العابدين بن علي.

ويرى متابعون أن الاحتجاجات كانت في منطلقها عفوية عكست تضرر فئات واسعة من توجهات الحكومة الاقتصادية، وخصوصاً الزيادات التي أعلنت عنها حكومة يوسف الشاهد ضمن ميزانية الدولة لسنة 2018، ضمن إجراءات قالت إنها مهمة للحدّ من عجز الموازنة الذي بلغ 6 % في 2017.

وبصرف النظر عن الموقف من هذه الزيادات والأسباب التي أدّت إليها، فإنها خلقت، في المحصلة، «احتقاناً شعبياً وأوجدت أرضية مناسبة للاحتجاجات، وخاصة في ظل استمرار حالة التمييز بين الجهات وبروز ظواهر اجتماعية جديدة لم تكن واضحة المعالم من قبل.

وكانت القوى السياسية والحزبية والنقابية التونسية دقّت ناقوس الخطر من تداعيات استمرار الاحتقان على أمن واستقرار البلاد، وتزايدت دعوات بعضها إلى «التعقّل وتغليب الحوار والمصلحة الوطنية العليا»، وخصوصاً مع بدء حراك احتجاجي تحوّل إلى مواجهات ليلية عنيفة في عدد من المحافظات، تخللها عمليات نهب وتخريب.

وترافقت تلك التحذيرات مع خشية متصاعدة من مخاطر الانفلات الأمني الذي قد تستغله الجماعات الإرهابية لتنفيذ مخططاتها، لا سيما أن خطرها مازال قائماً، ويستدعي المزيد من الحذر واليقظة لمواجهته والتصدي له.

ورفض رئيس الحكومة التونسية وصف ما جرى من مواجهات عنيفة، بأنه «احتجاجات شعبية ضد قانون المالية»، بل رأى أنها «عمليات نهب وتخريب واعتداء على المواطنين وممتلكاتهم». ومع ذلك فقد سارع إلى محاولة استيعاب هذه التحركات، فطالب بالتهدئة بعد مقتل متظاهر (43 سنة) «اختناقاً»، أثناء مشاركته في مواجهات مع قوات الأمن التي استخدمت قنابل الغاز المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين ليل 9/1.

ونفت الداخلية التونسية أن يكون الرجل قد قُتل على أيدي قوى الامن، مؤكدةً عدم وجود أي آثار عنف على جثته. وقال ناطق باسم الشرطة إن الرجل كان يعاني من مشكلات «ضيق تنفس»، وأشار إلى اعتقال قوات الأمن عشرات المحتجين بعد «ضبطهم في وقائع سرقة وشغب وتخريب وعنف».

«فاش نستناو؟»

وقد اتسعت رقعة الاحتجاجات بعد دعوة مجموعة من الناشطين إلى المشاركة فيها تحت شعار «فاش نستناو؟» (ماذا ننتظر؟)، وشملت محافظات سيدي بوزيد (وسط)، والقصرين والكاف (وسط وشمال غرب)، ومنوبة (غرب العاصمة) والمهدية والحمامات (الساحل الشرقي) والعاصمة، إضافة إلى أحياء «التضامن» و«الانطلاقة» شمال العاصمة، والتي تُعد من أكبر المدن التونسية كثافة سكانية.

وشهدت تلك المحافظات مواجهات عنيفة واعتداءات على مراكز أمنية ومنشآت عمومية، إلى جانب القيام بعمليات نهب وتخريب، في تطور لافت للأحداث يشي برغبة في دفع الأمور نحو الانفلات الأمني.

أصوات تحذر

في غضون ذلك، ارتفعت أصوات من قيادات سياسية ونقابية تحذر من تداعيات هذا الوضع، حيث استنكر نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، أعمال النهب والتخريب التي سُجلت في عدد من المحافظات. وقال إن الاحتجاجات من أجل مطالب اجتماعية وتنموية «لا تكون تحت جنح الظلام، ولا تكون أيضا بالنهب وبتخريب الممتلكات الخاصة والعامة».

ودعا حزب «حركة مشروع تونس» إلى مراجعة قانون المالية، وحث السلطات في نفس الوقت على فرض حظر تجوال ليلي للتصدي لأعمال النهب والتخريب للمنشآت العامة.

في المقابل، طالبت «الجبهة الشعبية» (اليسارية المعارضة) بـ«تنسيق التحركات وزيادة وتيرة الاحتجاجات حتى إسقاط قانون المالية الذي يستهدف خبز التونسيين»، داعية الشعب إلى «مواصلة النضال».

 

 

 

.. و«احتجاجات الخبز» في السودان أيضاً

 

تصاعدت التظاهرات في السودان وعمّت مدناً عدة في البلاد، وذلك احتجاجاً على رفع سعر الخبز وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وخلّفت قتيلاً وجرحى في ولاية غرب دارفور. وشهدت العاصمة ومدن نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، والجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور، والدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق، وسنار عاصمة الولاية التي تحمل اسمها، ومدني عاصمة ولاية الجزيرة، ومدن أخرى احتجاجات على رفع سعر الخبز وارتفاع أسعار غالبية السلع بعد خفض قيمة صرف الجنيه في مقابل العملات الأجنبية.

وأعلن حاكم ولاية غرب دارفور، مقتل طالب في المرحلة الثانوية، وإصابة 4 آخرين، خلال احتجاجات اندلعت في مدينة الجنينة مساء (6/1)، وقال إن الطالب قُتل «برصاص مجهول».

بعدها، اعتمدت السلطات لهجةً تصالحية ناعمة مع المحتجين الذين يتظاهرون منذ أيام عدة. وأقرّ حزب المؤتمر الوطني الحاكم بصعوبة الإجراءات الاقتصادية التي رفع بموجبها الدعم عن القمح، ما أدى إلى ارتفاع سعر الرغيف إلى جنيه، فيما اتهم المعارضة بمحاولة استغلال الوضع سلباً لمصلحتها.

حملة اعتقالات

وقد بادرت السلطات السودانية إلى شنّ حملة اعتقالات واسعة إثر هذه الموجة من الاحتجاجات، استهدفت فيها قادة ورموز المعارضة، فضلاً عن مصادرة صحف حزبية وخاصة، عاكسة بذلك حالة من الخوف والقلق أخذت تعتريها من احتمال حدوث انتفاضة جديدة، بدأت بوادرها تطفو على السطح في الآونة الأخيرة.

ويعيش السودانيون وضعا اقتصاديا واجتماعيا صعبا، ازداد تدهورا في السنوات الأخيرة في ظل عجز النظام عن اجتراح حلول جذرية واقتصاره على معالجات ترقيعية سهلة، من أبرز سماتها اتخاذ سلسلة من الإجراءات التقشفية اللامتناهية، كان آخرها وقف استيراد القمح لفائدة القطاع الخاص، ما أدى إلى قفزة في أسعار الخبز، إضافة إلى قرارات بزيادة تعرفة الماء والكهرباء، في مقابل التنصيص على ضرورة زيادة الدعم لتقوية الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ورفعت هذه الخطوات التي أقرت في موازنة العام 2018 التي وصفها البعض بـ«الأسوأ على الإطلاق» من درجة الاحتقان الشعبي، وترجمت بخروج مسيرات احتجاجية يرجح أن تتصاعد وتيرتها في الأيام المقبلة، في ظل حملة قوية لحشد الشارع بالتوازي مع تحركات للمعارضة السياسية، قوبلت بهجمة أمنية واعتقالات في صفوفها، فضلاً عن مصادرة ست صحف، هي: “التيار”، و”المستقلة”، و”القرار”، و”الصحية” (الخاصة)، وصحيفتي “أخبار الوطن”، و”الميدان” (الحزبية)، والأخيرة هي صحيفة الحزب الشيوعي السوداني.

ورأى مراقبون أن المقاربة الأمنية التي تعتمدها السلطات، فضلاً عن عملية إلهاء الشارع بمعارك “دونكوشوتية”، سواء بالتصعيد مع مصر أو الاستنفار على حدود إريتريا، تعكس حالة من القصور والخواء، وأنها وإن أثبتت جدواها في محطات سابقة، فليس بالضرورة أن يكون لها ذات الجدوى في الوقت الراهن، بل قد يحصل العكس تماماً، فقد يقود ذلك إلى انفجار قد يصعب احتواؤه، خاصة وأن هناك شعوراً عاما لدى معظم السودانيين أن «لا أمل في تغيير الوضع في ظل حكم النظام الحالي».

وكانت أحزاب المعارضة حثت الشعب السوداني على الخروج في احتجاجات سلمية لمناهضة القرارات الاقتصادية. وأطلق حزب الأمة، أكبر أحزاب المعارضة، نداءً للشعب السوداني للتحرك السلمي للإطاحة بالحكومة، فيما دعا تحالف قوى الإجماع الوطني (تحالف يتضمن أحزاب معارضة على رأسها الحزب الشيوعي والبعث) إلى تنظيم الصفوف للانتفاضة الشعبية.

ورأى محللون أن شعور الخوف الذي يسيطر على النظام له ما يبرره، فالشعب السوداني لم يراكم منذ تولي جبهة الانقاذ الحكم عن طريق انقلاب في العام 1989 سوى الخيبات والنكسات والحروب الأهلية، وبات على قناعة بأن الوعود التي يقدمها له ليست سوى مسكنات لم يعد لها تأثير.

ولفت هؤلاء إلى أن نجاح النظام في السيطرة على زمام الأمور على مدار العقود الماضية لم يكن مرتبطا فقط بالقبضة الأمنية، بل أيضا بضعف المعارضة، وانعدام ثقة الشارع بها، مُشدّدين على أنّ المعارضة عليها تغيير استراتيجيتها، والاصطفاف في جبهة واحدة والابتعاد عن المعارك الهامشية، وتقديم بديل يكون في مستوى تطلعات الشارع الذي بات أكثر من نصفه تحت خط الفقر.