تتضح مع الوقت معالم «صفقة القرن» الأميركية على جبهات متعددة، ومنذ مجيء إدارة ترامب، بدأت الولايات المتحدة برسم الآليات التنفيذية لفرض «سلامها الإقليمي» على دول المنطقة وشعوبها.

وفي إطار الخطة الأميركية هذه، تسعى الولايات المتحدة لإجبار الفلسطينيين على الرضوخ لما رفضوه سابقاً، بدءاً من شطب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم، مروراً بتجاوز قيام الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس، وصولاً إلى تطبيق الرؤية الإسرائيلية بما يخص مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان حزيران /يونيو 1967؛ وتأبيد الاستيطان في أنحاء الضفة واستكمال تهويد القدس بعد إقصاء أهلها وإحلال المستوطنين مكانهم.

ومن هذه الزاوية، تهدد واشنطن الفلسطينيين بالعقوبات المالية والسياسية في حال لم يستجيبوا لهذه الخطة وحاولوا مقاومتها دفاعاً عن حقوقهم التي كفلتها لهم قرارات الشرعية الدولية.

ما نشهده من تبدلات في أسلوب تطبيق الاستراتيجية الأميركية تجاه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي يشير بوضوح إلى انتقال واشنطن من دور حماية دولة الاحتلال إلى المباشرة في مساعدتها على استكمال ما لم يتم تنفيذه بعد من المشروع الصهيوني في فلسطين. وتعيد بالتالي ما حصل في العام 1947 وبعده، إثر صدور قرار تقسيم فلسطين الجائر. والدفع باتجاه قيام الدولة العبرية وتجاهل بل ومنع قيام الدولة الفلسطينية في حينها.

وفي هذا السياق، تساعد واشنطن تل أبيب على تطبيق مقولتها «ما هو لنا.. لنا.. وما هو لكم.. لنا ولكم». فتضع الضفة الفلسطينية على طاولة التقسيم، بتفاوض أو بدونه، وفق الخريطة الإسرائيلية التي لا تترك للفلسطينيين سوى ما تحت أقدامهم ضمن مدنهم وقراهم باستثناء مدينة القدس.

لقد سبق لإدارة أوباما أن ناقشت في قمة العقبة قبيل انتهاء ولايتها مسألة «السلام الإقليمي». واتضح أن نتنياهو لم يكن متحمساً للخوض في ذلك بسبب بسيط وجوهري، وهو أن تل أبيب غير مستعدة من حيث الأساس للخوض في أية تسوية ثنائية أو إقليمية يمكن أن يتم خلالها الحديث عن تفاوض حول انسحاب الاحتلال من أية منطقة يحتلها في الضفة بما في ذلك إخلاء أية مستوطنة، بالإضافة إلى مسألة القدس التي تشدد تل أبيب أنها ستبقى موحدة وعاصمة أبدية للدولة العبرية.

وما أثار حذر حكومة  تل أبيب في ذلك الوقت هو أصداء خطاب الرئيس الأميركي أوباما في القاهرة (4/6/2009) والذي تحدث فيه عن ضرورة تجميد الاستيطان وقيام دولة فلسطينية؛ ومع نهاية ولاية إدارة أوباما، قال نتنياهو داخل الليكود أنه كان محقاً في حذره من الخوض مع تلك الإدارة في أية تسوية، وخاصة بعدما امتنعت عن استخدام الفيتو في مجلس الأمن ضد القرار 2334 الذي ندد بالاستيطان الإسرائيلي في الضفة بما فيها القدس.

ومن هذه الزاوية، يرحب نتنياهو في هذه الفترة «بجهود» التسوية الأميركية بعدما أعلن ترامب أن القدس عاصمة للدولة العبرية وعزمه نقل سفارة بلاده إليها، وقبل ذلك، وضع السلطة الفلسطينية أمام شروط الاحتلال وضغط ولا يزال من أجل تنفيذها بما «يؤهل» الحالة الفلسطينية للقبول بواقع الاحتلال والامتناع عن مقاومته ولو سلمياً. وتجاوز الشروط هذا الأمر لتصل إلى حد الطلب من الفلسطينيين أن يمحوا ذاكرتهم الوطنية ويتنكرون لشهدائهم وأسراهم.

ويرحب نتنياهو بجهود إدارة ترامب حول «التسوية» من زاوية تطابقها مع خطته «السلام الاقتصادي» التي تعفي الاحتلال من بحث قيام دولة فلسطينية مستقلة، واستبدال هذا «الهاجس» المغلق بتحسين أوضاع الفلسطينيين اقتصادياً عبر مشاريع موضعية تساهم في تنفيذها دول المنطقة، التي تراهن واشنطن على سيرها في ركب «صفقة القرن».

ولا يشعر نتنياهو في هذه الفترة أنه مضطر وحكومته للضغط على الجانب الفلسطيني لقبول الرؤية الإسرائيلية طالما واشنطن تقوم بذلك عبر التهديد بقطع المساعدات عن السلطة وتسعى لتصفية «الأونروا» من خلال قطع المساهمة الأميركية في تمويل خدماتها للاجئين الفلسطينيين، وهي مساهمة كبيرة تصل إلى 60% من موازنة الوكالة؛ كما تساهم بحصة كبيرة في تمويل نفقات السلطة.

هذا يفتح على التنويه إلى أن واشنطن لا تساهم في تمويل الكثير من المؤسسات الدولية وتقدم مساعدات مالية لعدد من البلدان من زاوية كرم يدها وحرصها على تقديم المساعدة، بل هي سياسة معتمدة منذ عقود طويلة تجاه هذه المؤسسات والدول، بهدف التحكم بمسار سياساتها وإجبارها على السير وفقاً لتوجهات واشنطن ومصالحها، وعندما يتم التعارض ما بين الطرفين تشهر واشنطن سيف التهديد بقطع هذه المساعدات، وهذا ما يحصل حالياً تجاه السلطة الفلسطينية وتجاه وكالة الغوث «الأونروا». وفعلت إدارة ترامب ذلك قبيل التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول مشروع قرار يرفض إعلان الرئيس الأميركي حول القدس.

ومن المتوقع، ربطاً بفهم السياسة الأميركية، أن تقوم واشنطن بمزيد من الضغوط في حال حاول أي من المانحين للسلطة أو الأونروا أن يساهم في تعويض الحصة الأميركية من المساعدات إذا نفذت إدارة ترامب تهديدها.

 الأهم في هذا المجال، فلسطينياً، هو الانتقال من التعبير اللفظي عن رفض ما تطرحه الإدارة الأميركية حول القضية الفلسطينية إلى الشروع الفوري بمواجهة ذلك عبر إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني التحرري الفلسطيني بعناوينه الأساسية بدءاً من تنفيذ قرارات المجلس المركزي في دورته السابعة والعشرين، أو التأكيد على تنفيذها في الاجتماع الجديد للمجلس، ورسم خطة وطنية موحدة تمكن الحالة الفلسطينية من رسم السياسات التي تعزز إمكانية الصمود في وجهة الضغوط والانتقال إلى مواجهة الاحتلال عبر إطلاق المقاومة الشعبية وحماية «انتفاضة القدس» وتطويرها إلى انتفاضة شعبية شاملة في وجه الاحتلال والاستيطان.

ومن المهم التذكير، أنه وعلى الرغم من الضغوط الأميركية والإسرائيلية استطاع الجانب الفلسطيني في العام 2012 حصد إنجازاً أممياً هاماً عندما اتخذت الجمعية العامة قراراً يؤكد فيه أن فلسطين دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس، وهو ما مكن فلسطين من الانتساب إلى عشرات المؤسسات الدولية وأهمها الجنائية الدولية. ومن هذه الزاوية يتم التأكيد على ضرورة تفعيل هذه العضوية وتقديم شكاوى فورية على جرائم الاحتلال والعمل على محاكمته على هذه الجرائم.

هذا ممكن في حال غادرت السياسة الرسمية الفلسطينية مقاعد الانتظار والتردد، بعد أن ثبت للجميع أن الجعبة الأميركية لا تحمل للفلسطينيين سوى عوامل تأبيد نكبتهم وتجديدها.. وهذا أكثر من واضح.