تحاول إسرائيل جاهدة التهوين من ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية علي قرار الرئيس الأمريكي بشأن مدينة القدس. وتحاول أن تبدو كأنها لم تعبأ بالموقف الدولي الجماعي في مجلس الأمن بحيث وقفت أمريكا وحدها معزولة ولم تجد وسيلة سوي اللجوء إلي استخدام حق النقض "الفيتو" ضد مشروع القرار المصري الذي حاز تأييد الأربعة عشر عضواً الدائمين وغير الدائمين في المجلس. ثم لحق بذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 128 صوتاً الذي أدان الموقف الأمريكي ولدرجة كان لافتا أن صحيفة إسرائيلية حاولت أن تداري علي هذه الأغلبية فكان عنوانها الرئيسي: "إنجاز لإسرائيل 35 دولة امتنعت عن التصويت"! في حين اعترفت صحيفة أخري بالحقيقة وقالت: "128 دولة ضد إسرائيل" وقالت ثالثة: "الأمم المتحدة ضد ترامب".

لم يقف الأمر عند هذا. بل امتد التهوين الإسرائيلي إلي التقليل من شأن المظاهرات والمسيرات الواسعة التي لم تقف عند الأراضي الفلسطينية بل امتدت إلي المدن والعواصم العربية وغير العربية ولدرجة ان أحد أيام الأسبوع الماضي شهد 1200 مظاهرة في أنحاء مختلفة في العالم ولم تهدأ ردود الفعل الشعبية هذه- في داخل فلسطين وفي خارجها- إلا في يومي الأحد والاثنين الماضيين بمناسبة عيد الميلاد الذي برزت فيه الدعوات والصلوات المؤكدة لعروبة فلسطين.

ثم انتقلت الأدوات الإعلامية الإسرائيلية إلي اصطناع أنباء حول إنصراف الدول العربية عن مؤازرة القيادة الفلسطينية في موقفها ضد قرار الرئيس الأمريكي ونسبت صحيفة "إسرائيل اليوم" الموالية لبنيامين نتنياهو علي طول الخط في يوم الاثنين الماضي إلي "مسئول أردني كبير" لم تحدده بالطبع قوله: "ورطنا أبومازن ضد ترامب" وهذا ضمن موضوع طويل عريض عنوانه: "أثر ترامب: الدول العربية ضد أبومازن" والمقصود ليس أبومازن الرئيس فقط. بل القيادة الفلسطينية ككل. وقضية فلسطين بل والقدس.. وساقت الصحيفة مجموعة مغالطات ليس لها من أساس يسمح بمناقشتها خاصة وان "إسرائيل اليوم" وكونها محظية رئيس الوزراء الإسرائيلي صحفياً تدخل في إطار إحدي القضايا التي تحقق فيها الشرطة مع نتنياهو فهل هناك دليل أكثر من هذا علي صدقها وأمانتها؟

ولكن الأنباء المفبركة والمنسوبة إلي مصادر غير محددة لا تغطي علي الحقائق التي لا يملك كتاب ومعلقون إسرائيليون لهم شأن ووزن إلا الاعتراف بها والأدلة علي ذلك حافلة بها الصحف الإسرائيلية في يوم الجمعة الماضي اليوم التالي مباشرة للتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة من نماذج ذلك ما كتبه "تسفي برئيل" في "هآرتس" حيث قال: "مهرجان القدس الذي جري أمس في الجمعية العامة للأمم المتحدة أبقي إسرائيل مرة أخري بدون عاصمة معترف بها.. ان تهديدات ترامب وسفيرته في الأمم المتحدة "نيكي هايلي" لم تكن لها فائدة فقط بل ألقت الإدارة الأمريكية في حفرة ضيقة يوجد فيها فقط مكان لمقاتلي إسرائيل والولايات المتحدة.. كان ذلك تصويتا عالميا علي عدم الثقة بالرئيس الأمريكي" أما "رام أدليست" فكتب في "معاريف": "..نتنياهو وشركاؤه ضغطوا علي إدارة ترامب لعمل شيء ما في موضوع القدس مما أدي إلي التدهور مع العلم ان هذا برميل بارود مع مفجر جاهز".. أما "شمعون شيفر" فكتب مقالاً مركزاً في "يديعوت أحرونوت" يستحق ان يقرأ كاملاً. ولكن يكفي منه قوله: "صحيح أن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل أثر فينا. ولكن هل كان يساوي آثاره؟ 14 عضواً في مجلس الأمن صوتوا ضد الإعلان الأمريكي. وأمس أطلقت صوتاً مشابهاً 128 من دول العالم.. بالتالي. هل وضعنا أفضل مما كان قبل إعلان ترامب؟.. لقد اعتاد نتنياهو علي القول إن ثورة لحقت بمكانة إسرائيل في العالم ولكن حسب نتائج التصويت في الأمم المتحدة فان هذا التحول محدود للغاية".

ضغط مكشوف

هذه الاعترافات من جانب كتاب ومعلقين إسرائيليين تضع الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن ونتيجة التصويت في الجمعية العامة في حجمها الحقيقي من حيث تأثيرهما علي قرار ترامب بشأن القدس وكأنه قرار بلا أثر وملغي واقعيا في المديين المتوسط والطويل.. ومن الجدير بالذكر هنا انه قبل أسبوع واحد من قرار ترامب كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدرت بأغلبية 155 صوتا قرارا بشأن القدس وانها أرض محتلة ومن المحظور تغيير وضعها وعلي الرغم من حملة التهديد والوعيد التي شنها الرئيس الأمريكي وممثلته في الأمم المتحدة ضد كل من يدلي بصوته تأييداً للقرار الذي يبطل قرار ترامب فإن غالبية الدول الأعضاء لم تعبأ بهذا التهديد. وكان الفارق 23 صوتا فقط هي التي استجابت للضغط الأمريكي المكشوف والمضاد لقواعد التصويت في الأمم المتحدة وفي الغالب فإن غالبية الدول التي خضعت للابتزاز الأمريكي إما أنها دول ضعيفة أو صغيرة الحجم.. ودليل ذلك- حسب تعليق إعلامي فلسطيني- أن أربع دول من الدول السبع التي عارضت قرار الجمعية العامة يقل عدد سكانها عن سكان أحد المخيمات الفلسطينية من اللاجئين الذين تريد أمريكا أن تحرمهم من حقوقهم في العودة والتعويض وذلك تطبيقا لقرار صادر من الأمم المتحدة ولعل كل هذا يكشف مدي العزلة الدولية التي وضعت أمريكا نفسها فيها بإصدارها قراراً لا سند له من شرعية دولية بشأن مدينة القدس. مما عرضه لنقد بل ورفض سياسيين أمريكيين ممن لا يشاركون في الإدارة الحالية وبعد حوالي ثلاثة أسابيع من صدور قرار ترامب حفلت بمظاهر معارضة شاملة علي أكثر من صعيد فقد خابت توقعات إسرائيلية بأن اعترافات ستتوالي بأن القدس إسرائيلية فحتي يوم الثلاثاء 26 ديسمبر الحالي لم تعلن ذلك سوي دولة جواتيمالا وقد تأتي بعدها رومانيا.. وجمود الاعترافات عند هذا الحد سيكون مقدمة لتطورات تالية تترتب أساساً علي الخطوات الفلسطينية والعربية علي أرض الواقع إلي جانب ردود الأفعال الأمريكية علي هذه الخطوات.. وكل هذا قد يتجمد مؤقتا إلي 20 يناير المقبل ذكري مرور عام علي دخول ترامب البيت الأبيض.. فهناك توقعات مختلفة عن تغييرات ستحدث عندئذ في داخل الإدارة الأمريكية من أهمها استقالة أو إقالة وزير الخارجية إلي جانب تراجع دور "جاريد كوشنر" زوج ابنة ترامب وأحد أكبر ثلاثة لعبوا دوراً في إصدار قرار القدس من حيث صياغته وتوقيته والآخران هما نائب الرئيس وسفيره في تل أبيب.

لحظة القرار

السؤال هنا: هل يجوز عربيا وفلسطينيا الانتظار إلي أن يحدث "التغيير" في جانب أمريكا؟ أم يجب المبادرة سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً للبناء علي اللطمة والصفعة التي تلقاها قرار ترامب في مجلس الأمن وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة التي وصفها بنيامين نتنياهو بأنها "بيت الأكاذيب" وكأنه نسي ان هذا البيت هو الذي شهد ميلاد إسرائيل بقرار التقسيم في 1947!!

إن أنباء تتردد ما بين واشنطن وعواصم عربية عن اتجاه أمريكا إلي مزيد من الضغط علي القيادة الفلسطينية. في حين لاتزال قوي القرار الفلسطيني تتردد في اتخاذ بعض الخطوات بشأن الحقوق الفلسطينية في داخل الأمم المتحدة مثل كسب العضوية الكاملة واللجوء إلي المحكمة الجنائية الدولية وغير ذلك وهذه ليست لحظات للتردد بل للحسم.. ويجب الاعتراف صراحة بأن القرار الأمريكي الأهوج من رئيس مستفز قد وضع القضية الفلسطينية في موقف حرج دقيق ربما لم تعرفه منذ عدوان 1967 وخضوع أرض فلسطين كاملة للاحتلال الإسرائيلي.. ولكن هذا القرار فتح في الوقت نفسه إمكانية البحث عن سياسات وبدائل تضع الشعب الفلسطيني وحقوقه في مسار جديد يتيح له النهوض من جديد.. وذلك نقيض ما يراه البعض ممن في قلوبهم مرض وكأن القرار الأمريكي تصفية لقضية فلسطين.. ان هؤلاء يتجاهلون عامدين القوانين الحاكمة لقرن من الصراع العربي- الصهيوني من ناحية وتجربة شعب حي "عفي" في النهوض من جديد بعد تجربة أو أكثر مريرة كسرت ظهور شعوب أخري.

ولنتذكر كيف خرج الشعب الفلسطيني من تجربة 1948 وما صحبها من لجوء وتشريد وكيف كانت بدايات نهضته منذ 1965 أو بعد مذبحة أيلول في 1970 وقد دلت التجربة الطويلة أن أزمة هذا الشعب في قيادته.. وفي ذلك اجتهادات ومذاهب متعددة.. ومع ذلك فإننا في لحظة تتطلب وحدة الموقف العربي المساند سراً وعلنا للحقوق الفلسطينية.. كما تتطلب وضوح الرؤية الفلسطينية ووحدة القرار الفلسطيني "المستقل" والبعيد عن "المحاور" التي تعمل لتوظيف قضية فلسطين لمصالح خاصة.. فما أكثر الذين يدعون حبا لفلسطين ولكن فلسطين لا تقر لهم بذاك. إذا سرنا علي درب بيت معروف من الشعر!

***

قبل حوالي أسبوعين. وتحديدا في 18 ديسمبر عقد الرئيس محمود عباس ما سمي اجتماعاً قيادياً وألقي خطاباً علنيا. تحدث فيه- ضمن قضايا عديدة- عن الذهاب إلي الأمم المتحدة لاستصدار مجموع قرارات وقال تحديداً "سنذهب مرة أخري ومرات للحصول علي العضوية الكاملة. فنحن دولة وسلطة ولدينا حدود. ومن حقنا اعتراف العالم بنا في الوقت الذي ليس لإسرائيل حدود. والقانون الدولي يحرم الاعتراف بها" وحتي الآن لم يتخذ أي إجراء فلسطيني في هذا الشأن.. فلماذا لم توضع هذه "القضية" بين يدي الخبراء والأساتذة الفلسطينيين في القانون الدولي للبحث في طرحها أمام القضاء الدولي.. في النهوض الفلسطيني الجديد. يجب اللجوء إلي كل سلاح متاح يساعد في استخلاص الحقوق وفي تحرير الأرض