حتى قبل أن يعلن ترامب قراره الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وعزمه نقل سفارة بلاده إليها، إرتفعت أصوات تبشر بأن أوسلو قد مات وشبع موتاً وأن إكرام الميت دفنه. وتجاهل أصحاب هذه الأصوات أن التزمات أوسلو، من طرف السلطة الفلسطينية ما زالت قائمة: الإعتراف بإسرائيل، التنسيق الأمني، التبعية الإقتصادية، إلتزام المفاوضات الثنائية تحت الرعاية الأميركية خياراً وحيداً، الرهان على مفاوضات الحل الدائم على قاعدة أن (الأرض متنازع عليها) وأن هذه المفاوضات معنية برسم مصير القدس، ومستقبل الكيان الفلسطيني، وحدوده، وبالتالي حدود إسرائيل، بما يتجاوز خط الرابع من حزيران، لصالحها طبعاً وليس لصالح الجانب الفلسطيني، بما في ذلك ضم المستوطنات، تحت مسمى «تبادل متفق عليه للأرض»، وإسقاط حق العودة تحت مسمى «حل متفق عليه بين الجانبيين لقضية اللاجئين».

بعد قرار ترامب، إرتفعت هذه الأصوات أكثر فأكثر، وكأنها تعفي السلطة الفلسطينية من واجبات فك الإرتباط بأوسلو، بكل إلتزاماته. لذلك عندما نقول أن أوسلو قد مات، لا نستطيع بالمقابل، بالمنطق البسيط أن نطالب السلطة بفك إرتباطها به: ألم تقولوا إنه قد مات؟

وتناغمت مع أصوات نعي أوسلو (الذي مازال حياً يرزق، تمده إلتزامات السلطة ببنوده بإكسير الحياة يومياً) أصوات تنعي لنا موت «صفقة القرن». وما دامت قد ماتت، فلا داعي إذن لنرسم الخطط والبرامج والآليات للتصدي لها. إن مثل هذا القول، بموت صفقة القرن، خطيراً جداً، لأنه يزيف الواقع، ويضلل الوعي، وينشر الإسترخاء في الأجواء، بل ويفتح الباب للتسلل مرة أخرى نحو الحل الأميركي، أو ما يوازي الحل الأميركي، أو ما يشكل بديلاً للحل الأميركي، لا يخرج عن سياقه وحدوده: «الإلتزام بالعملية التفاوضية خياراً وحيداً»، مع البحث عن راعي بديل للولايات المتحدة، قد تكون فرنسا، وقد تكون «الرباعية الدولية»، وقد تكون كتلة دولية أخرى، لكن، وعلى الدوام في إطار إتفاق أوسلو، وخطة خارطة الطريق، و«حل الدولتين»، وهي كلها تحيل مصير القدس والأرض (كأمور متنازع عليها وليست محتلة من قبل إسرائيل) إلى مفاوضات الحل الدائم. كما تحيل مستقبل الكيان الفلسطيني [الذي لم تحسم هذه المشاريع بأن هذا الكيان سيكون دولة مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية وعلى حدود 4 حزيران (يونيو 67)]، وتحيل مسألة اللاجئين إلى المفاوضات تحت سقف «الحل العادل المتفق عليه» [أي موافقة إسرائيل على الحل]، وتحت سقف مبادرة السلام العربية التي أسقطت من نصوصها أية إشارة إلى حق العودة، وتحدثت هي الآخرى، كما كان قد تحدث شمعون بيريس، وإتفاق أوسلو، وخطة خارطة الطريق، عن «الحل المتفق عليه». وهذه كلها حلول تسقط من حساباتها حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره على أرضه، بل لا تنظر إليه كشعب موحد صاحب حقوق موحدة، بل كتجمعات بشرية، متواجدة في مناطق مختلفة، لكل منها «هوية»، ولكل منها «مصير»: مناطق الـ 48؛ المناطق المحتلة عام 67، مع التفريق بين القدس، وبين الضفة الفلسطينية وبين قطاع غزة؛ اللاجئون مع التفريق بين المقيمين في الأردن، أو المقيمين في لبنان، أو في سوريا، أو في بلدان أخرى؛ لتوضع للمسألة الفلسطينية حلول مجزأة، تنطلق من تجزئة القضية نفسها، ثم الإدعاء بحل الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي، ما يفتح الباب لكل أشكال التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، عملاً بمبادرة قمة بيروت العربية (2002).

*   *    *

«صفقة القرن» التي بشر بها، ترامب إستقبلتها القيادة الفلسطينية الرسمية بالترحاب، وادعت، من جانب واحد، أنها تحمل في طياتها الحل المرتقب أي «حل الدولتين». وعلينا ألا ننسى ولا للحظة أن القيادة الرسمية الفلسطينية أكدت في أكثر من مكان أنها على إستعداد للتعاون مع إدارة ترامب لإنجاز «صفقة القرن». وأكدت أنها شريك في هذه الصفقة. لتنقلب هذه القيادة على نفسها وتدعي أن الأميركيين «غشونا»، و«خدعونا»، وكأن مسار المفاوضات بالتعاون مع الأميركيين ابتدأ منذ أشهر قليلة ولم يمضِ عليها ربع قرن، أي منذ أن وقع الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي إتفاق 9/9/1993، الذي إعترفت خلاله القيادة الرسمية الفلسطينية بإسرائيل، حتى قبل الوصول إلى إتفاق دائم، وأعلنت أكبر عملية إحتيال على الشعب الفلسطيني وأكبر عملية تزييف للتاريخ: ولادة سلام الشجعان الذي نال «أبطاله» جائزة نوبل للسلام (!)، الذي لم يولد بعد، ومازالت حروبه مشتعله، في القدس، والضفة الفلسطينية، وعلى مشارف قطاع غزة، ومازالت مآسيه مستمرة فاشلة بشكل فاقع في طول مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وعرضها.

منذ أوسلو جرى الحديث عن الحل التاريخي، الذي حمل مع ولادة إدارة ترامب إسماً آخر، هو «صفقة القرن».

 • أوسلو، كما هو معروف، بناء حكم إداري ذاتي للفلسطينيين يكون بديلاً للإحتلال، في إدارة شؤونهم، ويعفيه من مشقه هذه العملية، ومسؤولياته السياسية والأمنية والأخلاقية أمام العالم وقوانينه ومبادئه. وخلال ربع قرن، وبفعل رخاوة الدور القيادي الرسمي، وتخليه طوعاً عن عناصر القوة، تحول الحكم الإداري الذاتي [المسمى سلطة وطنية فلسطينية] الى وكيل للإحتلال. لذلك لا غرابة أن نسمع بين فترة وأخرى تهديداً من قبل المقربين من الحكم بأن «القيادة الفلسطينية سوف تسلم المفاتيح لسلطة الإحتلال». لأنها بالأساس تسلمت هذه المفاتيح من الإحتلال، ولم تكن «سلطة، وطنية» قامت على أرض محررة كما ينص على ذلك البرنامج الوطني. وبقيت قضايا الحل الدائم، معلقة وبقيت السلطة الفلسطينية تعيش مرحلة «الحل الإنتقالي»، الذي كان يفترض ألا يمتد لأكثر من ثلاث سنوات.

• خطوة مهمة قامت بها الولايات المتحدة في 14/4/2004، فككت فيها «قضايا الحل الدائم» وحسمت من جانب واحد، قضيتين من هذه القضايا. ففي رسالة من بوش الإبن، الى شارون (رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك) أعلنت الإدارة الأميركية [الراعي لعملية السلام] إسقاط خط الرابع من حزيران (يونيو) كأساس لرسم الحدود. وعلى هذا بنى نتنياهو خطته بإبقاء جيش الإحتلال على طول الحدود الأردنية الفلسطينية، بعدما بات خط 4 حزيران غير معترف به. كما أسقطت حق العودة للاجئين كأساس للحل، ودعت الى حلول بديلة. [وعلى هذا بنت مبادرة القمة العربية في بيروت «حلها» بإسقاط حق العودة]. وبقيت مدينة القدس في صيغة غامضة «عاصمة لدولتين» دون تفسير لمثل هذه الصيغة الغامضة.

• ترامب جاء ليكمل ما بدأه بوش الإبن مع شارون. من خلال «حسم» قضية القدس «عاصمة لإسرائيل». وهو بذلك يضع «حله» لواحدة من أهم قضايا الحل الدائم.

*   *   *

إذن: وفق «صفقة القرن»:

• قضية الحدود ليست موضوعاً تفاوضياً. رسالة بوش 14/4/2002، أسقطت حدود 4 حزيران. و«وجدار الفصل» رسم الحدود الداخلية، وخطط نتنياهو «الأمنية»، تصر على الإحتفاظ بالحدود مع الأردن، وبأجزاء من الضفة الفلسطينية تصل الى 62% من مساحتها [أي كل المنطقة المسماة (ج)].

• قضية اللاجئين ليست موضوعاً تفاوضياً. رسالة بوش أسقطتها حين اعتبرت العودة حلاً غير مقبول وغير واقعي. وتناغمت معه تصريحات ومقالات للقيادة الفلسطينية ومبادرة القمة العربية (2002).

• قضية القدس ليست موضوعاً تفاوضياً، بعد أن «حسم» ترامب أمرها عاصمة لإسرائيل.

تبقى قضايا أخيرة، هي قضية الأسرى، أي أصحاب الأحكام الطويلة، وقضايا جزئية أخرى؛ يمكن حلها بمشاريع «تنموية» ومساعدات مالية «سخية»، في إطار «حل إقليمي»، لن يتردد في فبركة «كيان فلسطيني» جرى تسريب ملامحه في أكثر من مركز بحث وفي أكثر من صحيفة ومركز إعلامي، وهو «كيان» لا يرقي على الإطلاق الى دولة فلسطينية مستقلة.

وأخيراً، وليس آخراً، ما دام أوسلو حياً، ولم تعلن السلطة الفلسطينية فك إرتباطها به، وتحللها من كل إلتزاماته، وإعادة صياغة إستراتيجيتها السياسية، والعودة للإلتزام بما تم التوافق عليه في المؤسسات الفلسطينية، أي في المجلس المركزي (5/3/2015) وفي اجتماعات لجنة تفعيل م.ت.ف وتطويرها (التي تضم اللجنة التنفيذية ورئيسها والأمناء العامين ورئيس المجلس الوطني وشخصيات مستقلة)، وفي اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني في بيروت (كانون الثاني 2017)، ستبقى «صفقة القرن» هي الأخرى حية