تتراكم وتتزايد المعطيات التي تؤدي إلى تصاعد التوتر بين موسكو والعواصم الغربية، وخصوصاً بينها وبين واشنطن، سواء ما يتصل منها بالعقوبات المفروضة، أو التي تفرض مُجدداً على العاصمة الروسية بسبب الأزمة الأوكرانية، أم ما يتعلق منها بالاستراتيجيات المعلنة، والتي ترى فيها موسكو طابعاً عدائياً وامبريالياً.

وكان آخر تلك المؤشرات؛ قرار واشنطن تزويد أوكرانيا بالأسلحة، الذي أثار حفيظة «الغريم» الروسي (وفق التوصيف الذي جاء في استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلنت أخيراً)، فسارع إلى الإعلان عن نشره «منظومة صواريخ متطورة» في شبه جزيرة القرم، في خطوة استباقية، اعتبرها خبراء عسكريون، «تحذيراً قد يدفع واشنطن إلى التراجع عن قرارها».

تحذير روسي

ورداً على إعلان الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة قررت «تزويد أوكرانيا قدرات دفاعية متقدّمة، لمساعدتها في تعزيز قدراتها العسكرية، والدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وحمايتها من أي اعتداء في المستقبل»، سارعت موسكو إلى إدانة هذا القرار، وحذرت من إمكان أن يؤدي الى «حمّام دم جديد» في شرق أوكرانيا، حيث أدّى نزاع مندلع منذ العام 2014 بين القوات الحكومية والانفصاليين الموالين لروسيا إلى مقتل أكثر من 10 آلاف شخص.

وحذر الكرملين (25/12)، من «العواقب الوخيمة» التي قد تنجم عن قرار الولايات المتحدة هذا. واعتبر متحدث باسمه أن «كييف ستعتبر إمدادات السلاح دعماً لتصرفاتها»، وبالتالي فإن القرار الأميركي يمكن أن «يدفع القيادة الأوكرانية، أو أقله العناصر المتطرفة والقومية منها، إلى مغامرات عسكرية جديدة»، ومحاولة «مهاجمة مناطق الانفصاليين في شرقي البلاد»، ما «سيؤدي إلى تدمّير اتفاقيات مينسك»، مشيراً إلى أن الردّ الروسي في هذه الحالة «سيكون فورياً»، ومؤكداً أنه «يجب على الجميع أن يدركوا أن الصراع في دونباس لن يتم حله بالقوة». ورأى غير مسؤول روسي أن «قرار الولايات المتحدة سيقوّض العمل من أجل تطبيق اتفاقات مينسك الموقعة في 2015، وبالتالي الجهود المبذولة للتوصل الى حل سياسي لأوكرانيا».

وعلى رغم نفي الخارجية الأميركية ما وصفته بـ«الاتهامات الروسية» حول إمداد أوكرانيا بأسلحة فتاكة، مشيرة إلى أن القرار يشمل «السماح بتزويد كييف بأسلحة دفاعية خفيفة» فقط، إلا أنّ مسؤولاً عسكرياً روسياً أعلن أن قيادة الجيش الروسي قررت، مع حلول الأيام الأولى من العام الجديد، تشغيل فوجين من صواريخ «إس- 400» لحماية أجواء شبه جزيرة القرم، التي ضمتها روسيا قبل ثلاث سنوات، حيث «تعتبر المنطقة منفذاً استراتيجيا للبحرية الروسية نحو البحر الأسود والمتوسط».

وتستطيع هذه المنظومة من الصواريخ رصد واعتراض الصواريخ المجنّحة، في أدنى وأعلى ارتفاع ممكن عن سطح الأرض، وكذلك الصواريخ المجنحة عالية السرعة، والصواريخ الباليستية، فضلاً عن الطائرات بلا طيار، الصغيرة والكبيرة منها.

وبحسب تقارير إعلامية، فإنه من المحتمل توريد صواريخ مضادة للدروع إلى أوكرانيا، إلا أن تأثير هذا الأمر على الوضع الحالي للأزمة بين القوات الحكومية والانفصاليين المدعومين من روسيا لا يزال أمرا خلافياً.

وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقع أخيراً قانون موازنة الدولة للسنة المالية 2018، التي تنصّ على تخصيص 350 مليون دولار من المساعدات العسكرية لأوكرانيا. وعلّق السفير الأوكراني في واشنطن، أن موازنة الدفاع الموقعة، «تسمح لأوكرانيا باستيراد أسلحة ذات طابع دفاعي».

العقوبات الغربية

وكان الاتحاد الأوروبي مدّد أخيراً العقوبات الاقتصادية القاسية التي يفرضها على روسيا، على خلفية اتهامها بالتدخل في النزاع الذي يمزق شرق أوكرانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة. وكانت هذه العقوبات فرضت صيف 2014، بعد بضعة أشهر على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم. وأعلن مجلس الاتحاد الأوروبي «تمديد العقوبات التي تستهدف قطاعات معينة في الاقتصاد الروسي حتى 31 من تموز/ يوليو 2018». وتطاول هذه العقوبات مصارف ومؤسسات في مجال الدفاع وشركات نفط روسية وتحظر على الأوروبيين الاستثمار في روسيا.

وإلى ذلك، قامت واشنطن أيضاً بـ«توسيع العقوبات الأميركية ضد سياسيين ومسؤولين روس بموجب قانون ماغنيتسكي»، وسط توقعات بفرض رزمة إضافية من العقوبات الشهر المقبل تطاول شركات متخصصة بصناعة الصواريخ، وهو ما لوحت موسكو بـ«رد حتمي» عليه.

وشملت العقوبات الأميركية الجديدة خمس شخصيات روسية تتهمها واشنطن بـ«ممارسة انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان»، بينها الرئيس الشيشاني رمضان قديروف المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين. وهي تقضي بحظر دخول الأراضي الأميركية، وتجميد أصول مالية في مصارف الولايات المتحدة.

وينص «قانون ماغنيتسكي»، الذي أقرّ في 2012، على فرض عقوبات على شخصيات يشتبه بانتهاكها حقوق الإنسان. وهو يحمل اسم الخبير القانوني الروسي سيرغي ماغنيتسكي، الذي توفي أثناء توقيفه في أحد سجون موسكو عام 2009، وقال محاموه إنه تعرض للتعذيب. وقالت الخارجية الروسية إن لائحة العقوبات الأميركية الجديدة «تشمل 49 روسياً، بينهم سياسيون وبرلمانيون وموظفون في أجهزة الأمن والنيابة العامة»، فضلاً عن عشرات المؤسسات الروسية.

وتوعدت موسكو بـ «رد حتمي» على هذه العقوبات، لم توضح الخارجية الروسية طبيعته، لكن نواباً في مجلس الدوما قالوا إن الرد الروسي قد يشمل منع شخصيات أميركية من دخول الأراضي الروسية. وأفاد بيان للخارجية الروسية أن لوائح العقوبات الأميركية «باتت تضم 200 شخصية و400 مؤسسة».

 

 

 

بوتين لتعزيز القدرات النووية وتحقيق «ريادة عسكرية مطلقة»

 

في اجتماع موسع عقده مع قيادات وزارة الدفاع الروسية (22/12)، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توجّه بلاده إلى تعزيز قدراتها النووية، والتزود بمنظومات صاروخية متطورة قادرة على منافسة مثيلاتها في الغرب «حالياً ومستقبلاً». وشدد على السعي إلى تطوير قدرات «الردع الاستراتيجي» وتحقيق «ريادة عسكرية مطلقة».

وتحدث بوتين بلهجة حادة حملت إشارات قوية إلى تصاعد المواجهة مع الغرب، وتناول «تهديدات متزايدة» حول روسيا، واتهم الولايات المتحدة بـ«سياسات عدوانية»، قال إن على موسكو أن تكون مستعدة لها.

وحذر الرئيس الروسي من أن واشنطن «تنتهك بتصرفاتها معاهدة التخلص من الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى الموقعة عام 1987، وكثيرون منا يفهمون معنى ذلك بالنسبة إلينا».

وأوضح أن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تمول منظومات صواريخ متوسطة وقصيرة المدى، ما يعني التحضير لإعلان الخروج من الاتفاق حول هذه الصواريخ»، علماً أن موسكو تعتبر هذه المعاهدة الركن الأساسي في الأمن الاستراتيجي في أوروبا.

وعلق بوتين على إعلان نظيره الأميركي استراتيجية الأمن الجديدة، مشيراً إلى أنه «إذا أردنا أن نلخصها بلغة ديبلوماسية في كلمتين، فهي بالتأكيد استراتيجية هجومية»، وإذا انتقلنا إلى اللغة العسكرية، فمن المؤكد أنها «استراتيجية عدوانية». وشدد على «ضرورة أن نأخذ ذلك في الاعتبار عند رسم ملامح خططنا وتحركاتنا».

وحضّ قيادة وزارة الدفاع على مواصلة تنفيذ خطط بناء «جيل جديد» من العسكريين، معتبراً أن على روسيا أن تكون «بين الدول الرائدة وأحياناً الرائدة في شكل مطلق، عندما يتعلق الأمر ببناء جيل جديد من العسكريين».

ودشن بوتين خلال الاجتماع برنامج التطوير الشامل للقوات المسلحة الروسية الذي يبدأ تنفيذه العام المقبل، ونوقشت معاييره الأساسية في اجتماعات عدة في موسكو بدأت منذ أشهر، ووضعت ملامحه النهائية في اجتماع عسكري موسع عقد الشهر الماضي في سوتشي.

وكشف جانباً من البرنامج، مشيراً إلى «التركيز على تجهيز القوات الجوية والبرية والبحرية بأسلحة عالية الدقة، إضافة إلى منظومات الدفاع والمعدات الفردية للجنود وأحدث أنظمة الاستخبارات والاتصالات والمعدات الإلكترونية».

وزاد أن البرنامج يشمل تطوير القوات النووية التي وصفها بأنها «في مستوى جيد حالياً لضمان الردع الاستراتيجي، لكنها ما زالت في حاجة إلى مزيد من التطوير».

 

 

 

ماكرون وميركل يحضان على احترام «اتفاقات مينسك»

 

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (21/12)، أطراف النزاع في شرق أوكرانيا إلى «تحمل مسؤولياتهم وتطبيق الاتفاقات المبرمة في أسرع وقت ممكن»، في مواجهة «تزايد انتهاكات وقف النار في المنطقة».

وأفاد بيان للرئاسة الفرنسية بأن ماكرون والمستشارة الألمانية «يؤكدان مجدداً دعمهما للاحترام الكامل لسيادة أوكرانيا ووحدة وسلامة أراضيها». وأضاف أنهما «يعلنان عدم وجود أي حل سوى تسوية محض سلمية للنزاع، ويؤكدان من جديد تمسكهما بتطبيق كامل لاتفاقات مينسك»، لتخفيف معاناة «السكان الأكثر تأثراً بالوضع الحالي».