حسم حزب «العدالة والتنمية» المغربي (ذي الخلفية الإخوانية)، الجدل الذي أثير داخله أخيراً بشأن إمكانية التجديد لعبد الإله بنكيران على رأس قيادة الحزب، (انتخب أميناً عاماً عام 2008، ثمّ جُدّد له في العام 2012)، وذلك لصالح قيادة جديدة يقف في مقدّمها سعدالدين العثماني، رئيس الوزراء الحالي، الذي يمثل «جناح الوزراء» أو «الاستيزار» داخل الحزب، كما يُطلق عليه، وذلك بالنظر إلى المناصب والمراكز الإدارية التي يشغلها عددٌ من رموز وشخصيات هذا التيار، فضلاً عن ميله إلى «مهادنة» الدولة المغربية، أو «المخزن» إن شئتم، على عكس القيادة «الشعبوية الصِدَامية»، التي كان يمثلها بنكيران.

يُذكر أنه في آذار/ مارس الماضي، تمّ تعيين العثماني، على رأس الحكومة المغربية، بدلاً من بنكيران (الذي تعذّر عليه تشكيل الحكومة لأسباب عدة منها اشتراطات صعبة متبادلة بينه وبين بعض الأحزاب بشأن مشاركتها)، وهو التغيير الذي أعطى مكانة لأشخاص يحظون بثقة القصر الملكي، ما أدّى في المحصلة إلى إضعاف الحزب، بعد أن أفضى إلى تصدّعه واهتزاز وحدته الداخلية.

وقد أدرج كثيرٌ من المراقبين ما جرى مع «العدالة والتنمية» المغربي، في إطار أوسع يتصل بمحاولة أحزاب الإخوان، (أو الأحزاب المحسوبة عليهم والمنتمية إليهم تاريخياً)، التكيّف مع الواقع وتطويق الخسائر التي لحقت بهم، عقب تمدُّدهم في موجة «الربيع العربي» ووصولهم إلى السلطة في مصر؛ قبل أن يخسروها سريعاً، وما تعرضوا إليه إثرها من فقدان دعم العديد من العواصم، بما في ذلك ساحات رئيسة كانت تؤمن لهم حرية الحركة والتمويل والاستقطاب (مثل السعودية والإمارات)، هذا فضلاً عن التقييدات الكثيرة التي تتعرّض لها شبكاتهم المالية والدعوية، والجمعيات المرتبطة بهم في عواصم أوروبية مختلفة، وفي الولايات المتحدة، حيث يجري التداول بشأن إمكانية تصنيفهم كمجموعات إرهابية.

التكيف والمهادنة

ذلك كله، دفع عدداً من أحزاب الإخوان، والحركات الإسلامية عموماً، إلى الميل إلى التهدئة وتجنّب الصدام مع المحيط الإقليمي والدولي، والحضّ على «مهادنة الدولة والمجتمع»، أو القوى المُمسكة بالحكم، هنا أو هناك، والعمل على إرضاء الطيف الأوسع من القوى المدنية والليبرالية، حتى لو تطلب الأمر تقديم تنازلات تتعارض مع رؤيتها الدينية، من منطلق تغليب «الواقعية السياسية»، أو «البراغماتية» المحضة والبحث عن المنفعة الذاتية، وذلك عبر السعي إلى الاندماج في الحياة السياسية، والتشجيع على المشاركة في أية انتخابات محلية، (مع السعي، أحياناً، إلى عدم الفوز فيها)!.

وقد وصل الأمر ببعضها إلى إعلان «القطيعة» مع هويتها الإخوانية، ومحاولة التحول إلى أحزاب وطنية محلية، (كما هو حال «العدالة والتنمية» المغربي، وحركة «النهضة» التونسية)، على أمل توفير مظلة تحول دون تنفيذ خيار الاستئصال الذي نادت به عواصم وقوى إقليمية عدة، على غرار الحالة المصرية.

ويرى البعض أنّ سعي حركة «حماس» إلى المصالحة الأخيرة، يندرج في هذا السياق أيضاً، معتبرين أنه يعود إلى مجمل التطورات والتحولات الإقليمية آنفة الذكر، وتنبّه «الحركة» إلى ضرورة أخذ مسافة فاصلة عن بعض حلفائها العرب والإقليميين (قطر ـ تركيا ـ إيران)، في ضوء «التكلفة الباهظة» والتحديات الخطيرة التي قد تترتب على عدم فعل ذلك!.

وكانت «حماس» استبقت عملية المصالحة بإصدار وثيقتها المعنونة بـ«المبادئ والسياسات العامة»، في الأول من أيار/ مايو الماضي، التي أدخلت فيها تعديلات مهمة تتصل بعلاقتها بجماعة الإخوان، وموقفها من الاحتلال وعملية التسوية، متجاهلة ما جاء في «ميثاقها التأسيسي» على أنها «جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين»، ومعلنة قبولها لـ«إنشاء دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس، على حدود الرابع من حزيران (يونيو) 1967»، باعتبار ذلك «صيغة توافقية وطنية مشتركة»، من دون تحديد واضح لمفهوم القدس، وإن كان المعنى الضمني يشير إلى «القدس الشرقية».

تشكيك وحذر

بيد أنّ خصوم الإسلاميين والعديد من الأحزاب والشخصيات المعارضة لهم، ترى أن  التنازلات التي أقدمت عليها الأحزاب والحركات الإسلامية، (كما في المغرب وتونس وفلسطين)، لا تعبر عن تحولات فكرية وسياسية حقيقية، بقدر ما تعكس حالة من الاضطرار والإكراه، أجبرت فيها على المهادنة، عملاً بمبدأ «التقية»، أو خيار «احناء الرأس» أمام العاصفة. وأن انخراطها في «اللعبة» الديمقراطية غالباً ما يكون الهدف منه «التقاط الأنفاس والعمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي، بغرض تهيئة النفس والتحضير لمواجهات قادمة».

ويضيف هؤلاء أنه لم يُسجل في تاريخ جماعة «الإخوان المسلمين» سوى مراجعة واحدة لأفكارها، وذلك عندما أصدر مرشدها الثاني حسن الهضيبي كتاب «دعاة لا قضاة»، علماً أنه صاغ مسودته عندما كان داخل السجن، أواسط ستينيات القرن الماضي، ولكنّ «الجماعة» لم تحرص على تعميمه ضمن مناهجها، أو التثقيف به داخل صفوفها وقواعدها، فظلت بحوثه «حبراً على ورق»، كما يقول البعض، بدلالة أن أفكار الكتاب لم تؤثر في جماعات عدة ولدت من رحم الإخوان، وتبنّت العنف منهجاً وأداة عمل، مثل شكري مصطفى أمير جماعة «التكفير والهجرة»، وغيره كثير من أئمة «الإرهاب والتكفير»، كما يؤكد هؤلاء.

يُذكر في هذا الصدد، أنّ تحالف حركة النهضة مع حزب «نداء تونس» (الليبرالي)، ومشاركتها في حكومة «الوحدة الوطنية»، يثير جدلاً ونقداً واسعاً في صفوف القوى المدنية التونسية، (بما في ذلك داخل حركة «النداء» نفسها التي شهدت انشقاقاً كبيراً على هذه الخلفية)، باعتباره «يوفّر غطاءً سياسياً وقانونياً لإخوان تونس لتسريب عناصرهم إلى مؤسسات الدولة والمراكز الحكومية»، ما يتيح لها توسيع دوائر نفوذها؛ عمودياً في هرم الدولة، وأفقياً داخل المجتمع والمحافظات والمحليات، وخاصة في ظلّ ضعف حضور الأحزاب الأخرى وتأثيرها في المناطق الريفية والنائية.

الجماعات «الجهادية» ومزايداتها

وخلافاً لمحاولات التكيف آنفة الذكر، تشهد بعض الساحات سياقاً معاكساً تماماً، إذ برزت في الآونة الأخيرة جماعات، ولدت لتوّها من داخل الإخوان وتبنّت العنف المسلح، مثل «حركة سواعد مصر- حسم»، و«لواء الثورة»، اللتان أجازتا استخدام العنف والسلاح بدعوى «الجهاد والدفاع عن النفس ضد الطغاة». وهو ما دفع منتقدو الحركات الإسلامية والمشكّكين في دوافعها إلى ذروة سجالهم ضدها، مُتهمين «الإخوان» بـ«الاستعداد الدائم والمستمر لتفريخ مثل هذه الجماعات التي لا تنفك تتوسل العنف والإرهاب وسيلة لتحقيق مآربها السياسية»!.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقراره نقل السفارة الأميركية إليها، قد يساهم في توفير فرصة ذهبية لقوى الإسلام السياسي في المنطقة، لمعاودة مزايداتها حول القضية الفلسطينية والقدس، وإعادة توظيفها مرة أخرى في دعاويها السياسية، استناداً إلى الدور الذي تحظى به هذه القضية في خطاب تلك القوى، كوسيلة للتعبئة السياسية وبناء الجسور مع الشارع. علماً أنّ قوى الإسلام السياسي كانت شهدت انحساراً وتراجعاً كبيرين على هذا الصعيد بعد «الربيع العربي»، وما تكشّفت عنه بعد تجربتها في الحكم، هذا فضلاً عن انحسارها وتراجعها فيما بعد، أمام التنظيمات الإرهابية التي تقدّمت في غير ساحة من الساحات المشتعلة.

وقد يشمل ذلك حركة «حماس» التي قد تجد أنّ من مصلحتها إعادة الاعتبار لمقولاتها وأفكارها التقليدية حول الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والتنصل، تالياً، من المصالحة باعتبار أنها باتت في وضع «ليست مضطرة معه إلى تقديم أي تنازل»!.

 

بريطانيا تحظر «حسم» و«لواء الثورة»

أدرجت الحكومة البريطانية حركتي «حسم» و«لواء الثورة» المصريتين (22/12)، ضمن التنظيمات الإرهابية، وهي خطوة تنطوي على إدانة غير مباشرة لجماعة الإخوان، لأن الحركتين، وفقا لتقديرات مصرية رسمية، ترى أن الجماعتين من الأذرع المسلحة للإخوان المسلمين، على رغم أنّ الجماعة درجت على نفي انخراطها في العنف.

واعتبر مراقبون أن هذه الخطوة ربما تكون «مدخلاً لمراجعة وضع جماعة الإخوان في المملكة المتحدة، والاستجابة إلى الدعوات المختلفة لحظرها». علماً أن القاهرة ترى أنّ إدراج «الفرع» كجماعة إرهابية، دون التعامل مع الأصل (الإخوان)، يشكل «إجراءً منقوصاً لا يخدم الحرب على الإرهاب». إذ أن لندن تعتبر «الإخوان» تنظيماً معتدلاً، وهو ما يتناقض مع تقييم القاهرة التي تعتبر الجماعة منبعاً للتنظيمات المتطرفة.

وظهرت حركة «حسم»، في تموز/ يوليو 2016، وبعدها بشهرين ظهرت حركة «لواء الثورة»، واستهدفت الحركتان رجال أمن وقضاة ومؤيدين للنظام المصري الحالي.