مثلما تحدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم كله بإعلان اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وعزمه على نقل سفارة بلاده إليها، قام هذا العالم، بالانتقام لنفسه، وتحدي ترامب والولايات المتحدة، عندما صوّت بأغلبية ساحقة لصالح قرار مضاد، يُفترض أن يُبطل من الناحية القانونية قرار ترامب.

وعلى رغم التهديدات الأميركية المعلنة، فقد صوّت لصالح القرار 128 دولة من أصل 194، وذلك في جلسة طارئة للجمعية العامة للأمم المتحدة عقدت (21/12)، فيما صوتت ضده تسعة دول، بما فيها إسرائيل وأمريكا، وهي هندوراس وغواتيمالا، وتوغو، وبالاو، وناورا، وميكرونيزيا، وجزر المارشال. بينما امتنعت 35 دولة أخرى عن التصويت.

الغطرسة المعتادة

وفي ظلّ إحساسها بالعزلة على الساحة الدولية، عادت واشنطن تحت إدارة ترامب، لتمارس غطرستها وابتزازها المعتادين في الملتقيات الأممية، (بما ينسجم مع السياسة الإمبريالية العدوانية بامتياز، من منطلق أنها أكبر قوة في العالم، تمنح عطاياها لمن تريد وتحجبها عمّن تشاء!)، حيث هدّد ترامب، (على نحو يمثل «أبشع صور الدبلوماسية الحديثة»، كما وصفه البعض)، بقطع المساعدات المالية عن الدول التي ستصوت لصالح القرار، معتبراً أنها «ناكرة للجميل»!.

ولم يكن تهديد ترامب عديم الفعالية تماماً، بيد أنّ تأثيره بقي محدوداً واقتصر على دول عدة امتنعت عن التصويت، «مجاراة» للموقف الأميركي، فارتفع عدد الدول الممتنعة أكثر مما هو متوقعاً.

وقد ذكّر هذا السلوك بما فعلته الولايات المتحدة مراراً في المحافل الدولية؛ ومنها على سبيل المثال، تصويت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين /181/ عام 1947. هذا القرار الذي جاء وليد حملة ضغوط شديدة قادتها الولايات المتحدة لتأمين الأكثرية المطلوبة، واستخدمت فيها مختلف وسائل الضغط السياسية والاقتصادية، بدءاً من مشروع مارشال الأميركي للضغط على فرنسا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبرج، مروراً بالوعود التي قدمتها إلى بعض دول أمريكا اللاتينية للإسراع في تنفيذ طريق أمريكا الدولي، وصولاً إلى استخدام المساعدات الأمريكية لتبديل موقف بعض الدول الصغيرة أو الضعيفة، مستغلة أوضاعها الاقتصادية وارتباطاتها بأميركا.

يذكر هنا أنّ واشنطن كانت ضغطت بقوة من أجل تغيير موقف ثلاث دول، هي ليبيريا والفيلبين وهايتي، تحولت من الرفض والامتناع إلى الموافقة، ما أدى إلى حصول القرار على أصوات 33 دولة، وهي الأكثرية المطلوبة آنئذٍ في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتعرضت ليبريا لضغط شديد عن طريق المليونير الأميركي الشهير، هارفي صموئيل فايرستون، صاحب مزارع المطاط في ليبيريا، ومصنع الإطارات المشهور «فايرستون»، علماً أن المطاط كان المورد الرئيسي لخزينة ليبيريا. وفي سبيل ذلك، لجأت واشنطن إلى تأجيل التصويت من 26 إلى 29 تشرين الثاني/ نوفمبر1947، بهدف كسب أصوات الدول الثلاثة إلى جانبها. وعندما طرح المشروع للتصويت، كانت أصوات هذه الدول حاسمة في تأمين أغلبية الثلثين له.

وينقل هنا عن وزير الدفاع الأميركي آنذاك، جيمس فورستال، أنه قال في مذكراته تعليقاً على هذا الموضوع: «إن الطرق المستخدمة للضغط والإكراه على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.. كانت فضيحة»!.

كما يُنقل أن المندوبين العرب حينئذٍ، فوجئوا عندما وقف مندوب هايتي ليقول، والدمع في عينيه، أنه ما زال عند رأيه الشخصي في معارضة التقسيم، ولكنه بصفته ممثلاً لحكومته لا يسعه إلا النزول عند إرادتها والموافقة على المشروع.

تهديدات.. ولكن

بيد أنّ الأمر اختلف هذه المرّة، فالتهديدات الأميركية لم تحل دون تصويت الكثير من حلفاء واشنطن التقليديين في أوروبا والعالم العربي لصالح  مشروع القرار المطروح. فصوتت 23 دولة من دول الاتحاد الأوروبي لصالح القرار، من أصل 28، بما فيها الدول الرئيسية بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فيما امتنعت الدول الخمس الباقية عن التصويت. أما الدول العربية، فقد صوّتت جميعها لصالح القرار، ومن بينها دولٌ حليفة لواشنطن وتتلقى مساعدات ضخمة، عسكرية أو اقتصادية، مثل العراق ومصر والأردن.

وقد مني ترامب بهذه الهزيمة، على الرغم من التهديدات التي أعلنها قبل عملية التصويت؛ وذلك عندما قال: «إنهم يتلقون ملايين، بل مليارات الدولارات، ثم يصوتون ضدنا!»، مشيراً إلى أنه «سيقطع المعونات عن تلك الدول، ويوفر الكثير من الأموال على الخزينة». بعدها أعلنت ممثلة واشنطن في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، أنها ستكتب أسماء الدول التي ستصوت بنعم، وقالت مستنكرةً: «كيف لدول تتلقى مساعدات أمريكية أن تتخذ موقفاً ضدها»؟!.

وتبجحت هيلي قائلة: إن نتيجة التصويت لن تؤثر على قرار أمريكا الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، ولكنها «ستؤثر بشكل كبير علي علاقة الولايات المتحدة بالدول التي تصوت لصالح القرار»!. وأضافت مُهدّدةً: «لن ننسى هذا التصويت»، مشيرة إلي أن الولايات المتحدة هي أكبر مساهم في الموارد المالية للأمم المتحدة، وأن التصويت لصالح القرار «سيجعل أميركا مجبرة علي إعادة النظر في النفقات التي تتحملها الخزانة الأمريكية».

وفي المقابل، اعتبرت الكثير من العواصم العالمية أن تصويت المجتمع الدولي أظهر أن «الكرامة والسيادة لا تُباع». وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إنّ الدول الـ128، التي صوتت لصالح القرار، قالت لأمريكا: «لا يمكنكم بدولاراتكم وقوتكم شراء إرادتنا».

وتساءل مراقبون كيف ستتعامل واشنطن مع السواد الأعظم من دول العالم التي أيّدت القرار؟ بما فيها دول تملك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، مثلها مثل أميركا، اعتبرت أن القرار الأميركي جاء مناقضاً لكل القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة، والتي ساهمت بقسط كبير في صناعتها وصياغتها. ماذا عساها أن تفعل مع إنكلترا مثلاً، الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، هل سيعاقبها ترامب؟. أم سيعاقب فرنسا وألمانيا؟. ثم ماذا عن روسيا والصين واليابان والهند؟. وماذا حتى عن تركيا، التي تحاول الولايات المتحدة منذ سنوات المحافظة على بقائها في حلف شمال الأطلسي؟.

خيبة ترامب

والحال، فقد لا تولي إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية أية أهمية للقرار الأممي الأخير. كما أنه قد لا يُجبر ترامب على التراجع، وربما لن يردع إسرائيل عن سياستها العدوانية، إلا أن رسائل عدة تضمنها القرار، ستصل عاجلاً أم آجلاً إلى كليهما.

وإذ كان الرئيس ترامب يتوقع أن يساهم قراره بشأن القدس، في تحسين صورته ووضعه الداخلي لدى الحزب الجمهوري، فإن نتيجة معاكسة قد تكون بانتظاره، بعد أن أجمع العالم كله تقريباً على إيصال رسالة لواشنطن مفادها أنه «لن يقبل بعد اليوم العبث بالقرارات والقوانين الدولية، وفق هوى الولايات المتحدة وإسرائيل». وأن هنالك حدوداً للصلف وغطرسة القوة العسكرية والاقتصادية، وقد يكون التصويت الحاصل دلالة على أن «الدول تجاوزت عتبة الخوف والتبعية»، ولعلّه يكون فاتحة لعهد جديد على صعيد المجتمع الدولي ومؤسساته؟!.

 

«واشنطن بوست»: خطوة ترامب تثير معارضة واسعة بين المسيحيين في المنطقة

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية مؤخراً مقالاً، أشارت فيه إلى أن «الأجواء الاحتفالية كانت غائبة أثناء إضاءة شجرة عيد الميلاد في القدس»، مشيرةً إلى أن رئيس أساقفة القدس والبطريرك اللاتيني السابق للقدس البطريرك، ميشال صباح، تحدث أمام حشد في بلدة بيت ساحور في الضفة الغربية المحتلة وقال: «قرر الاحتلال حرماننا من فرحة عيد الميلاد، قالها الرئيس الاميركي دونالد ترامب صراحة؛ القدس ليست لكم».

ولفتت الصحيفة إلى أن قرار ترامب «أثار معارضة واسعة بين المسيحيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط». واعتبرت أنّ خطوة ترامب بشأن القدس كان الهدف منها «إرضاء الناخبين الإنجيليين البيض، الذين دعموه بغالبية ساحقة في انتخابات الرئاسة. وهم يعتقدون أن حق اليهود في القدس ورد في الكتاب المقدس، وأن هذا تمهيد ليوم القيامة»، مضيفة أن «دعم المسيحيين الإنجيليين لإسرائيل لا يأخذ في الاعتبار حقوق المسيحيين الفلسطينيين واحتياجاتهم في وطنهم».

 

جنوب إفريقيا تخفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي في إسرائيل

تبنى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم في جنوب أفريقيا أخيراً قراراً رسمياً بتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي لبلاده لدى إسرائيل إلى «مكتب اتصال»، وذلك «انسجاماً مع القيم والمبادئ التحررية للحزب ونصرة لشعب فلسطين وقضيته العادلة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية.