وجدت مندوبة الولايات المتحدة نفسها «منزوعة السلاح» في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي لا تعتمد «الفيتو» في آليات التصويت على مشارع القرارات.

وكل ما استطاعت فعله هو كيل الاتهامات للأمم المتحدة، بعد أن كانت إدارة بلادها قد هددت كل من يصوت لصالح القرار ضد إعلان ترامب.

ومع أن المندوب الإسرائيلي قد انضم إليها في الهجوم على المنظمة الدولية إلا أن حكومته كانت منهمكة أكثر في إعداد مشاريع الاستيطان، وأعلنت مؤخرا أنها بصد نشر مليون وحدة استيطانية جديدة ثلثها تقريبا في القدس، من زاوية إدراك تل ابيب أن الفرصة مواتية كي تبني على السياسة الأميركية الحالية بما يخدم سياستها التوسعية.

وفيما انفض سامر الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد اتخاذ القرار الرافض لإعلان ترامب، يبقى التساؤل المشروع حول قدرة المنظمة الدولية المؤيدة للحقوق الفلسطينية.

لم تهتم الدولة العبرية فعليا بالأمم المتحدة إلا مرة واحدة، وكانت قبيل الاعتراف بها وقبولها عضواً في المنظمة الدولية. فتضمنت  الاعتراف بميثاقها، وافقت على بروتوكول لوزان الذي جاء فيه قبولها القرار 194 الذي يكفل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم. كان ذلك بالنسبة لها جواز مرور إلى مقعدها في الأمم المتحدة. وعندما تحقق لها ذلك أدارت ظهرها لكل ما وافقت عليه.

من حيث المبدأ، نقضت دولة الاحتلال شرط عضويتها في الأمم المتحدة، وهذا كفيل لو أُعمل ميثاق المنظمة الدولية، لكانت منذ ذلك الوقت خارج الأمم المتحدة، لكن حماتها من الدول الأوروبية والولايات المتحدة التي تبنت الدفاع عنها، أبقوها في مقعدها وقدموا لها العون المادي والسياسي كي تكمل مشروعها الصهيوني الاستعماري على أنقاض الشعب الفلسطيني الذي تحول لاجئاً في أصقاع الأرض. فيما عدا تلك الفترة، وضعت تل أبيب وحلفاؤها فيتو على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وعملت الولايات المتحدة بشكل خاص على الوقوف بوجه أية محاولة لتنفيذ هذه القرارات.

وعبر هذه المعادلة المجحفة بحق الشعب الفلسطيني تأمنت لدولة الاحتلال الحماية السياسية والمادية، فيما ترك هو تحت عسف هذا الاحتلال، وبقي اللاجئون الفلسطينيون خارج ديارهم وممتلكاتهم التي سطت عليها العصابات الصهيونية.

وضمن هذه المعادلة أيضا، أدمنت دولة الاحتلال سياسة عدم الاكتراث بالمنظمة الدولية دون أن يعني ذلك أنها لم تسع على الدوام لتغيير خريطة المواقف في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي لا تستطيع فيها الولايات المتحدة حمايتها فيها لعدم اعتماد الفيتو في التصويت، واستثمرت تل أبيب وواشنطن الأوضاع السياسية الناشئة من انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية في أوربا وحالة الاستفراد الأميركي كقطب عالمي وحيد، فكثفتا الضغط على أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة وفازتا بإلغاء القرار الصادر عنها والذي يعتبر الصهيونية عنصرية.

عدا ذلك، كانت دولة الاحتلال تعتبر أن الجمعية العامة عبارة عن حشد عدد من الدول لا قيمة لقراراتها، وبقيت معتمدة على الحماية الأميركية في مجلس الأمن، والأمر ينسحب على مؤسسات الأمم المتحدة ووكالاتها، وخاصة وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» التي تعتبرها إسرائيل مؤسسة غير مرغوب فيها لأنها تخفف عن اللاجئين الفلسطينيين أعباء اللجوء ومآسيه، لذلك كانت تسعى على الدوام إلى تغيير تفويض الوكالة وتحويل أوضاع اللاجئين الفلسطينيين إلى المفوضية الدولية للاجئين ضمن سعيها إلى توطينهم خارج الديار والممتلكات التي طردوا منها، وشطب حق عودتهم إليها نهائياً.

الصدمة الوحيدة التي تلقتها تل أبيب في مواقف الولايات المتحدة، كانت أواخر العام الماضي، عندما مررت إدارة ترامب القرار الرقم 2334، الذي صدر عن مجلس الأمن وندد بالاستيطان. ومع ذلك، لم يمتلك القرار آليات تنفيذه لأنه لم يتخذ تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتلاشت مخاوف حكومة نتنياهو تماما مع مجيء إدارة ترامب. الذي هاجم منذ فترة ترشحه القرار الخاص بالاستيطان.

ومع إعلان ترامب اعترافه بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال وعزمه نقل السفارة الأميركية إليها، بات واضحا أن واشنطن تولت مهمة الدفاع عن الاحتلال والتكلم باسمه في مؤسسات الأمم المتحدة وخارجها، وبدأت تمارس الضغط والابتزاز ضد كل من يحاول التحريض على الاحتلال ومقاطعته.

لكن هذا وضع الولايات المتحدة في مواجهة المجتمع الدولي، كما تبدى خلال التصويت في مجلس الأمن على مشروع القرار المصري الذي يرفض إعلان ترامب، وظهرت واشنطن كطرف معزول، وتكرر الأمر في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع قرار بالاتجاه الذي حصل في مجلس الأمن وقاومت 122 دولة خطاب الترهيب والتهديد الأميركي وانحازت لقرارات الشرعية الدولية التي اتخذت بخصوص مدينة القدس، ووجهت بذلك صفعة للتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي.

المشهد الحالي في الأمم المتحدة يقوم على تناقض ملفت، حيث الأغلبية في المنظمة الدولية تقف ضد سياسات ترامب اتجاه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والتي تخالف القرارات الدولية ذات الصلة، ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة منفردة ومعها تل أبيب، لا تنفك تهدد العالم بأسره وتعلن عزمها الدفاع عن الاحتلال الإسرائيلي وسياساته العدوانية، وهو ما يطرح التساؤل المشروع: من الذي يجب أن يعاقب؟

ويفتح هذا المشهد على إمكانية استعادة الحالة الفلسطينية من هذا الوضع الناشئ، والتقدم الفوري إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بطلب العضوية الكاملة لدولة فلسطينية تحت بند « متحدون من أجل السلام» والدعوة إلى مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وتقديم طلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني وأرضه وممتلكاته في مواجهته سياسة النهب والاستيطان والتهويد.

لقد نفت السياسات الأميركية مؤخرا أية مبررات ممكن أن يتبجح بها الذين راهنوا طويلا على الدور الأميركي في التسوية المجحفة التي دخل بها المفاوض الفلسطيني منذ نحو ربع قرن.

لذلك، ليس أمام الحالة الفلسطينية من طريق للتقدم على سكة إنجاز الحقوق سوى إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني التحرري و القطع مع السياسة الانتظارية التي ساهمت بتفرغ الاحتلال لمشاريعه التوسعية.