للمرة الأولى في مجلس الأمن، وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مع خصومها وحلفائها معاً. ولم تجدِ محاولاتها في أن تجد من يقف إلى جانبها، أو على الأقل من يمتنع عن التصويت ضد قرار ترامب بشأن القدس.

وربما لو وجد من أعضاء المجلس من تردد في وجهة تصويته، لكانت مداخلة المندوبة الأميركية كفيلة بأن يحسم أمره ويقف، ليس فقط مع مشروع القرار، بل ضد السياسة الأميركية برمتها.

لم تدافع نيكي هالي في مداخلتها عن الاحتلال الإسرائيلي، بل تكلمت باسمه؛ حتى أنها هاجمت إدارة بلادها السابقة لأنها مررت في مجلس الأمن القرار 2334 الذي أدان الاستيطان ودعا إلى وقفه.

صحيح أن مشروع القرار قد أحبط بفعل «الفيتو» الأميركي، لكن طبيعة التصويت وإجماع أعضاء مجلس الأمن على تأييده، جعل من الولايات المتحدة وللمرة الأولى وحيدة.. ومنبوذة.

على كل، لم يقل المجتمع الدولي كلمته الأخيرة بعد، والمسألة ما تزال برسم الأمم المتحدة عبر جمعيتها العامة.

حاولت المندوبة الأميركية أن تقلب ثنائية العربة والحصان. فبينما يعتبر المجتمع الدولي أن الاستيطان معيق أمام التسوية السياسية، ترى هي العكس وتقول إن قرار إدانته هو ما يعيقها. واللافت أنها حاولت قبل التصويت التواصل في مداخلتها مع باقي أعضاء المجلس من خلال الإيحاء بأن المفاوضات ستقرر كل شيء وأن الهدف أمام الجميع هو جمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، وقبل ذلك أشارت بأسلوب تضليلي إلى أن نقل السفارة الأميركي إلى القدس لا يعني اعترافاً بأن المدينة عاصمة إسرائيل.

لكنها بعد التصويت وإشهارها الفيتو في مواجهة مشروع القرار قالت إن القدس «مكان سياسي واجتماعي وروحي للشعب اليهودي» وإنها «عاصمة إسرائيل».

سابقاً، قال الرئيس الأميركي بعيد تفجيرات واشنطن ونيويورك في العام 2001، «من ليس معنا فهو ضدنا»، وكان يقصد بـ «معنا» الولايات المتحدة، في حين تقصد المندوبة الأميركية في مداخلتها في مجلس الأمن «من ليس مع ترامب» فهو ضد الولايات المتحدة والسلام وضد مصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين! واتهمت أعضاء المجلس وغيرهم بمحاولة تشويه قراره حول القدس ونقل السفارة الأميركية.

تزامنت مداخلة هالي مع إعلان الاستراتيجية الأميركية «الجديدة» على لسان الرئيس ترامب، وكانت أولى مؤشراتها بخصوص الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي أن واشنطن دخلت كطرف في الصراع إلى جانب الاحتلال وبشكل  معلن، ومن الواضح أن سياسة التواطؤ مع تل أبيب التي عملت بها الإدارات السابقة قد انتهت، في ظل تبني إدارة ترامب المعلن لرؤية نتنياهو تجاه مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ وقد بدأ يتكشف هذا التبني مع قرارات الإدارة الحالية تجاه القدس ومستقبلها وقبل ذلك تجاه الاستيطان والدفاع عن «حق» الاحتلال في نشره وتدعيمه.

أمام ذلك، أدرك المجتمع الدولي أن هذه السياسة الأميركية ستؤدي إلى تفجر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما يعني خلق وقائع جديدة على الأرض يمكن أن تفتح على تطورات غير محسوبة، ورأى المجتمع الدولي ومنه حلفاء واشنطن في أوروبا وغيرها هذه السياسة تتعارض مع إمكانية الحديث عن تسوية سياسية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وبالتالي ستنزع من يد المراهنين على هذه التسوية أية ذرائع للخوض فيها، وستضعهم أمام خيارات يطالب بها الضغط الشعبي والسياسي الفلسطيني في ظل السياسات الأميركية الأخيرة وتحالفها المعلن مع سياسات الاحتلال التوسعية.

كما أدركت مكونات المجتمع الدولي الرئيسية أن مواقف ترامب تجاه القدس على وجه الخصوص تضع حلفاءه في المنطقة في وضع محرج وتدفع بهم إلى إعلان رفض قراره بغض النظر عن الدور العملي الذي يمكن أن يقوموا به على الأرض في دعم الفلسطينيين في مواجهة هذا القرار. يضاف إلى ذلك أن هذه السياسة تتعارض مع المواقف التي توافقت عليها مكونات المجتمع الدولي، وخاصة بيان «الرباعية» الشهير الذي صدر في آذار /مارس من العام 2010، وكان صدى لما جاء في خطاب أوباما في القاهرة (4/6/2009) ، والذي دعا فيه إلى تجميد الاستيطان وأكد حق الفلسطينيين في قيام دولة مستقلة. وإذا كانت هذه الدعوة قد تآكلت بفعل قوى الضغط الأميركية المعاكسة لهذا التوجه، فإن مواقف إدارة ترامب الأخيرة تؤكد أنها الممثل لقوى الضغط تلك، والتي باتت تقود السياسة الرسمية للولايات المتحدة حالياً.

ومع صعود التيار الشعبوي المتطرف الذي عبر عنه ترامب، تبدت مخاوف الدول الأوروبية من تداعيات ذلك في مجتمعاتها، وقد حصل فعلاً تقدم واضح لعدد من الأحزاب الأوروبية ذات الطابع الشعبوي اليميني في الانتخابات العامة في بعض هذه الدول، قبل أن تستعيد القوى والتيارات المتوازنة زمام المبادرة وتعيد ترتيب الخريطة السياسية بشكل أبعدها عن هواجس تعميم «التجربة الترامبية».

لذلك، عندما يقف المجتمع الدولي ممثلاً بمجلس الأمن ضد سياسة ترامب في الموضوع الفلسطيني، فهو يقف في الوقت نفسه ضد تطورات هذا الموقف وتعميمه على مناحٍ سياسية أخرى بما فيها العلاقات مع أوروبا وغيرها من مكونات المجتمع الدولي.

وينسحب الأمر ذاته في الموقف من الأمم المتحدة ومؤسساتها، وخاصة عندما تنهج السياسة الأميركية بما يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية، وهوما اضطر الأمين العام للأمم المتحدة لأن يؤكد على هذه القرارات بخصوص القدس، والأمر مفتوح بما يخص قضايا أخرى خارج الموضوع الفلسطيني.

لكن الأهم بما يخص مجلس الأمن وموقفه الإيجابي في موضوعة القدس هو أن يدفع باتجاه عقد مؤتمر دولي إن كان عبر مجلس الأمن أو من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة توضع فيه قراراتها أساساً لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بما يكفل تجسيد حقوق الشعب الفلسطيني كما نصت عليها تلك القرارات.

وقبل ذلك، أن ينضم المعارضون لقرار ترامب إلى الجهود السياسية والديبلوماسية التي تمكن دولة فلسطين من العضوية العاملة في المنتدى الدولي وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني أمام جرائم الاحتلال وفي المقدمة نهب أرضه واستعمارها بالاستيطان والاحتلال العسكري.

لكن الأسئلة الكبرى أمام السياسات الأميركية ما تزال برسم السياسة الرسمية الفلسطينية، ليس من موقع رفض قرارات ترامب الأخيرة والإعلان عن عدم صلاحية واشنطن للعب دور الوسيط أو الراعي للتسوية، بل بمغادرة التسوية بعناوينها المطروحة، والانتقال فوراً إلى تدويل القضية الفلسطينية وتحكيم الأمم المتحدة في الصراع مع الاحتلال، وتفعيل عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية وخاصة الجنائية الدولية عبر تقديم شكاوى ضد جرائمه والدعوة إلى محاسبته عليها.

ويؤكد ما يحدث من مواجهات في الأراضي الفلسطينية مع الاحتلال أن الانتفاضة الشعبية هي أفضل رد على جرائمه، وهي الرافعة الوطنية التي تضع الاحتلال أمام أكلاف جدية لاستمرار احتلاله، كما تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته. وطالما يتحدث عن الابتعاد عن «العنف» فليبحث عن سبيل لمنع سببه الوحيد.. وهو الاحتلال.