خطوة الرئيس ترامب الإعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، والمباشرة في نقل سفارة بلاده إليها، يفترض بها أن تضع نهاية مرحلة فلسطينية طالت أكثر مما يجب، راهنت، خاصة منذ مطلع 2005، على دور واشنطن في حل المسألة الفلسطينية ، لقناعة، ساداتية، هيمنت على وعي القيادة الفلسطينية الرسمية التي خلفت الراحل ياسر عرفات، أن 99% من أوراق الحل هي بيد الولايات المتحدة. وخلال أكثر من ربع قرن مرت المسألة الفلسطينية في دهاليز تفاوضية مرهقة ألحقت بالفلسطينيين كوارث سياسية وإقتصادية وإجتماعية لا تحصى، كما ألحقت بسمعتهم السياسية أذى واسعاً، فضلاً عن أنها وفرت للعديد من الإتجاهات السياسية العربية الرسمية مد خطوط العلاقة مع إسرائيل، وإقامة نوع من التطبيع غير المعلن، بذريعة أن العرب (وغيرهم) لن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.

جاءت خطوة ترامب لتقول. إن المفاوضات الثنائية كانت وهماً. وإن الرعاية الأميركية كانت كذبة. وإن إتفاق أوسلو كان خطيئة لا تغتفر. وإن العبث السياسي بالقضية الفلسطينية، قد إنتهى، كما إنتهت سياسة تحويل القضية الفلسطينية إلى إستثمارات سياسية وإقتصادية ومالية، وطريقاً لبناء النفوذ السياسي والإجتماعي، على حساب ملايين الفلسطينيين، إن تحت حكم التمييز العنصري في الـ 48، أو تحت الإحتلال الدموي والإستيطان الإستعماري الشره في القدس الشرقية والضفة الفلسطينية أو خلف حصار عدواني وجائر في قطاع غزة، أو على إمتداد مخيمات البؤس والشقاء في الأردن، وسوريا، ولبنان، أو في عذابات الهجرة والغربة في أصقاع العالم، بعيداً عن الوطن، وبعيداً عن الأهل.

 

 

*   *   *

 

بعد قرار «ترامب» لن تستطيع بعد الآن أن تدعي أنك مع دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 حزيران، وتؤكد في الوقت نفسه أنك تلتزم إتفاق أوسلو وتلتزم المفاوضات الثنائية تحت الرعاية الأميركية سبيلاً وحيداً وخياراً وحيداً للحل.

وبعد قرار «ترامب» لن تستطيع بعد الآن أن تدعي أنك مع حل قضية اللاجئين بموجب القرار 194 ومبادرة السلام العربية، وتؤكد في الوقت نفسه أنك تلتزم إتفاق أوسلو وتلتزم المفاوضات الثنائية تحت الرعاية الأميركية سبيلاً وحيداً وخياراً وحيداً للحل.

بعد «ترامب» لم يعد يكفي أن تشكو أنك في «سلطة بلا سلطة»، وأنك في «دولة بلا سيادة»، وأنك «تحت إحتلال بلا كلفة»، ثم تؤكد في الوقت نفسه أن التنسيق الأمني «مقدس» ولا عودة عنه.

بعد «ترامب» لم يعد يكفي أن تشكو أن الإحتلال ينتهك إتفاق أوسلو، وأن الحل يكون في الذهاب إلى مفاوضات الحل الدائم، لبحث قضايا القدس والحدود والمياه والأسرى وغيرها من الأمور والقضايا والملفات التي كان يفترض الوصول إلى حل لها بعد خمس سنوات فقط من توقيع إتفاق أوسلو. فترامب داس على مفاوضات الحل الدائم، و«حسم» قضية القدس عاصمة لإسرائيل. ونتنياهو «حسم» قضية الحدود مؤكداً نشر جيشه على طول نهر الأردن، وفي أجواء فلسطين وفي مياهها الإقليمية. ومشاريع الإستيطان إبتلعت الأرض والمياه. وجدار الفصل والضم العنصري رسم «الحدود» الجديدة المرشحة مرة أخرى لتتوسع لتضم من تبقى من المستوطنين شرق «الجدار» لإسرائيل، وتحويل الفلسطينيين من هم غرب «الجدار» إلى لاجئين جدد، وكأن حرب 1948 لم تتوقف حتى الآن، تتغطى بعبث سياسي إسمه إتفاق أوسلو، وإسمه مفاوضات ثنائية تحت الرعاية الأميركية المزعومة.

بعد «ترامب» لم يعد مجدياً أن تنتظر ولادة صفقة «القرن»، ولا ولادة «حل الدولتين» الذي وعدنا به بوش الإبن ليغطى على جريمة غزوه للعراق الشقيق وإحتلاله وتدمير جيشه الوطني. فالثور الأميركي الهائج قضى على كل الصفقات بقرنه، وتبين أن «حل الدولتين» كان حملاً كاذباً إمتد منذ العام 2001، إلى أن أجهضته الولايات المتحدة نهاية العام 2017، جنيناً مشوهاً.

ويعد «ترامب» (أخيراً وليس آخراً) لم يعد مجدياً أن تستقبل جيسون غرينبلات لتسجل في مفكرتك شروطه المسبقة للدخول في مفاوضات، أفرغها قرار ترامب من مضمونها (الممسوخ أصلاً)، ولتستمع في جلساتك إلى جاريد كوشنير يقدم لك وعوداً، ويرسم لك مواعيد، قد تأتي، وقد لا تأتي، وإن هي أتت، إنما على شاكلة وعود ترامب: كل شيء لإسرائيل، ولا شيء للفلسطينيين سوى رضوخهم لصالح إسرائيل وشروطها. هذه هي صفقة «القرن».

*   *   *

الأن، وبعد «ترامب»، بات عليك أن تتصالح مع الذات، ومع القضية ومع الشعب، وأن تقول: كفى لقد وصلتْ إلى نهاية خط، وعليّ أن أسير على خط حديد.

عليك أن تلغي توقيعك على إتفاق أوسلو، وأن تسحب الإعتراف بإسرائيل [فمن يعترف بإسرائيل معناه أنه سيعترف بها كما تقدم نفسها، أي أن القدس الشرقية المحتلة هي عاصمتها].

وعليك أن تنزع «القدسية» عن التعاون الأمني وأن تلغيه، وأن تصدر مرسوماً يمنع التعامل مع الإقتصاد الإسرائيلي، وأن تكلف سلطة النقد لديك لتعيد النظر بإجراءاتها لصالح وقف التعامل بالشيكل الإسرائيلي. وأن تطلب من العمال الفلسطينيين وقف العمل في المستوطنات، مقابل حلول متدرجة تضعها حكومة السلطة بالتعاون مع الدول العربية وبتمويل منها، ولو أدى ذلك إلى إعادة النظر بالإمتيازات الخيالية التي يتمتع بها أبناء الطبقة الأولى في المؤسسات الرسمية وغيرهم.

عليك أن تدعو إخوانك في القيادة الفلسطينية من كل الفصائل، للإتفاق على البرنامج الوطني الفلسطيني الذي يوحد الشعب، في مناطق تواجده كلها، ويوحد قواه السياسية، ويرسم أهدافه وآلياتها بوضوح، بعد أن تضع جانباً كل أوهام التسويات الهابطة، الأميركية وغيرها.

وما يتم الإتفاق عليه والتوافق عليه وطنياً، يقدم إلى العرب، شعوباً ومسؤولين، وإلى الشعوب الإسلامية وقادتها، وإلى شعوب العالم وعواصمها: هذا هو برنامجنا، وهذه حقوقنا، وهذه هي أهدافنا. نحن شعب تحت الإحتلال. نحن حركة تحرر وطني. لنا الحق في المقاومة. فليتحمل الكل مسؤولياته نحونا، مستفيدين من الموقف العالمي الرافض للقرار الأميركي، والذي يقًر بأن إسرائيل دولة إحتلال، كما ورد في قراره الأخير في مجلس الأمن الدولي نهاية العام الماضي في القرار 2334.

عليك أن تعيد رسم صورة «سلام الشجعان».

«الشجعان» هم أبطال «إنتفاضة القدس والحرية». وهم أبطال المقاومة. هم هؤلاء الذين نزلوا إلى الشارع، في القدس والضفة الفلسطينية وفي قطاع غزة، وفي مخيمات الشتات، وفي مناطق الـ 48، وفي كل مكان من هذا العالم يقولون لترامب «لا». ويقولون «القدس الشرقية المحتلة هي عاصمة دولة فلسطين».

«الشجعان» هم الذين تمسكوا بالبرنامج الوطني الفلسطيني في أحلك الظروف وأكثرها تعقيداً وصعوبة، ورفضوا أن يغريهم إتفاق أوسلو وما حمله في حقائبه من إغراءات وظيفية وإجتماعية وسواها.

«الشجعان» هم الذين قالوا للإحتلال «لا»، ودخلوا الإعتقال. والذين تحدوا جيش الإحتلال وإرتقوا إلى مصاف الشهداء.

«الشجعان» هم الذين قالوا  للولايات المتحدة «لا» وأدرجتهم على لائحة «الإرهاب»، وأدعت إنها صادرت لهم ودائعهم في المصارف الأميركية، وهي تدرك جيداً أن وديعتهم الوحيدة هي تاريخهم المشرف في صفوف شعبهم.

«الشجعان» هم الذين يقلبون الصفحة، بل يقلبون الطاولة في وجه ترامب ووجه نتنياهو، ويفتحون للقضية أفقاً جديداً، تضيئ سماؤه أنور الإنتفاضة القادمة، «إنتفاضة القدس والحرية».

إذا وقع كل هذا، فما علي، أنا كاتب هذه السطور، أن أتوجه إلى الرئيس الأميركي لأشكره، بلغتي الإنكليزية الركيكة، على «فعلته» وأقول له «ثانك يو مستر بريزدانت».■