تريد الخارجية الأميركية أن تقنع المفاوض الفلسطيني بأن الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال يشكل الأسلوب الأمثل لاستئناف المفاوضات!

هذا ما قالته المتحدثة باسمها هيدز نويرت، التي أضافت أن هذا الاعتراف ونقل السفارة إلى القدس طريقة «مبتكرة» لإنجاح التسوية، وتسجل حصراً باسم مبدعها ترامب.

في الوقت نفسه، كان نتنياهو يطنب في مديح الرئيس الأميركي لأن تصريحه حول القدس امتداد لوعد بلفور. وهذا صحيح، ويؤكد التقاء الموقفين الأميركي والإسرائيلي ليس فقط على تمديد النكبة الفلسطينية، بل على تجديدها أيضاً.

ولهذا السبب، كانت ردة الفعل الفلسطينية سياسياً وشعبياً على قرار ترامب تبدأ بالمطالبة بقطع الرهان على الدور الأميركي، وتدعو لفك الارتباط مع اتفاق أوسلو وقيوده الاقتصادية والأمنية والسياسية باعتباره انقلاباً على البرنامج الوطني، إضافة لما جاء به من كوارث بدءاً من تمكين الاستيطان وصولاً إلى ارتهان القرار الرسمي الفلسطيني بإرادة الدول المانحة وفي المقدمة الولايات المتحدة.

ترحيب رئيس الوزراء الإسرائيلي الحار بقرار ترامب يعود إلى اجتماع سببين لا ينفصلان في حساباته.

* فهو سابقة في اعتراف دولة (ودولة عظمى) بشرعية احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية منذ حزيران /يونيو 1967. وهو إلى جانب أنه يعترف بحق الدولة العبرية في استمرار احتلالها، يطلق يدها تماماً في مواصلة سياساتها التوسعية، ويؤمن لها الحماية السياسية في وجه أية مشاريع قرارات أممية تتصدى لهذه السياسات.

لذلك، يعتبر نتنياهو وحكومته، أن قرار ترامب حسم موضوع التسوية بخصوص مدينة القدس، وهي إحدى القضايا الكبرى التي كانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتحاشى الخوض فيها في جميع جولات المفاوضات التي وقعت مع المفاوض الفلسطيني منذ توقيع أوسلو حتى اليوم. ولهذا السبب تعمدت حكومة نتنياهو في العام 2010 أن تطلق عطاءات استيطانية في القدس خلال زيارة بايدن، نائب الرئيس الأميركي السابق أوباما لإسرائيل، على خلفية إبراز الاعتراض الشديد على ما جاء في خطاب الرئيس الأميركي في القاهرة (2009) حول الاستيطان وحق الفلسطينيين في دولة مستقلة.

وفور إعلان ترامب قراره حول القدس، أعلنت تل أبيب عن خططها لبناء 14 ألف وحدة استيطانية في الضفة نصفها في القدس. وبعد القرار أيضاً، دعا نتنياهو أعضاء «الليكود» في الكنيست إلى التسريع بنقاش «قانون القومية» وترسيمه ومطالبة الدول بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية في محاولة لاستكمال الدائرة حول خيارات المفاوض الفلسطيني أمام أية محاولة «لتنشيط» التسوية.

* لكن هناك من الأسباب ما بثت المزيد من الحرارة في ترحيب نتنياهو بقرار ترامب. وجميعها ذات صلة بشخص نتنياهو، رئيس الوزراء الطامح إلى الحفاظ على مقعده على رأس الائتلاف السياسي الحاكم في إسرائيل.

فهذا القرار يخدم نتنياهو الذي يعاني من فضائح مالية وإدارية وتحوم حوله الشبهات بارتكاب جرائم فساد يمكن أن تضعه أمام المساءلة القانونية، وتقطع الطريق على تحقيق حلمه بالمحافظة على رئاسة الوزراء وبولاية جديدة.

ومنذ الآن، يوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي رسائل إلى خصومه وأعدائه وقبل ذلك إلى الائتلاف الحكومي وحتى إلى حزبه «الليكود»، مفاد هذه الرسائل يقول إنه كان يقود سياسة صائبة أدت إلى حماية الاستيطان والمستوطنين عندما خاض تجاذبات حادة حول ذلك مع الإدارة الأميركية السابقة. وأن جميع خصومه كانوا على خطأ عندما حذروا من أن هذه التجاذبات ستضر بالعلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية. لكن مع قدوم الإدارة الجديدة بدأ نتنياهو يضخ ردوده على ما طرح من التحذيرات التي تصاعدت بعد تمرير الإدارة السابقة لقرار مجلس الأمن حول الاستيطان قبل رحيل هذه الإدارة بقليل. وما صرح به ترامب منذ تقلده رئاسة الإدارة الأميركية، وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي في وضع أقوى تجاه خصومه ومنافسيه، داخل الائتلاف الحكومي وفي المعارضة.

والأهم بالنسبة له، أن موضوعة التسوية لم تعد مقلقة بعد أن تحولت جميع «التنازلات المؤلمة» إلى حصة المفاوض الفلسطيني، مع اجتماع الرؤيتين الإسرائيلية والأميركية في إطار الشروط التي طرحها المبعوث الأميركي غرينبلات على قيادة السلطة الفلسطينية. وتابع نتنياهو بارتياح تشديد الإدارة الأميركية على وجوب تطبيق هذه الشروط. وما قرره الكونغرس الأميركي مؤخراً من اقتطاع رواتب أسر الشهداء والفلسطينيين من المساعدات الأميركية الممنوحة للسلطة طمأن نتنياهو على أن إدارة ترامب لن تقف عند املاء الشروط بل وعلى إلزام السلطة الفلسطينية بتنفيذها. كما أن الأزمة المفتعلة التي صنعتها أميركا حول مكتب منظمة التحرير ونشاطه في واشنطن يدفع نتنياهو إلى المزيد من الاطمئنان على دخول الولايات المتحدة كشريك مباشر مع إسرائيل في وجه الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية.

وفي هذا المجال، لا يخفي نتنياهو بين الأوساط المحيطة به، أن له فضلاً في «تعديل» مسار السياسة الأميركية في هذا الاتجاه من خلال أصدقاء إسرائيل الكثيرين في مجلسي الشيوخ والكونغرس، وفي مراكز الضغط الاقتصادي والأمني في الولايات المتحدة.

لذلك، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تحويل المكاسب التي حصلت عليها إسرائيل جراء الموقف الأميركي، والرهان الرسمي الفلسطيني على هذا الموقف إلى مكاسب شخصية له من خلال تظهير دوره في تحقيق هذه المكاسب. ويبدو أن واشنطن تسعى إلى تثبيت المفاوض الفلسطيني في مكانه، من خلال دعوة الرئيس عباس إلى البيت الأبيض ولقاء ترامب، ومن خلال تصريحات وزير خارجيتها تيلرسون الذي حاول التخفيف من وطأة قرار ترامب بالإدعاء بأن الوضع النهائي للقدس يتقرر بالمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؛ مع أنه يعرف أن الأمم المتحدة أصدرت عشرات القرارات التي تؤكد وجوب الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلت بعدوان العام 1967؛ بما فيها القدس الشرقية، وكذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (2012) الذي اعترف بفلسطين دولة تحت الاحتلال على حدود الرابع من حزيران /67 وعاصمتها القدس الشرقية.

ومن الواضح أن ترامب وإدارته مهتمتان بأسلوب المناورة التي يجيدها نتنياهو والتي مكنته في كثير من الأحيان من الالتفاف على خصومه وأعدائه، وبفضلها نجح في إفشال تسيفي ليفني بتشكيل الحكومة عقب فوز حزبها «كديما» بالمركز الأول في انتخابات الكنيست العام 2009، ليقوم هو بتشكيل الحكومة وما زال في منصبه حتى اليوم؛ إضافة إلى ممارسته التضليل في خطابه السياسي بما يخدم مصالحه ومصالح حزبه.

المناورة الأميركية الآن تحاول امتصاص الغضب الفلسطيني الذي اشتعل بشوارع فلسطين وخارجها. والالتفاف على الرفض الدولي لقرار ترامب حول القدس، وتأكيد الأمين العام للأمم المتحدة على قراراتها التي تتعارض مع ما صرح به الرئيس الأميركي.

الأهم من كل ذلك، أن يصُوَّب الموقف الفلسطيني الرسمي ويخلص من إدمانه على الرهان الفاشل على الدور الأميركي بعدما أوضحت واشنطن أنها طرف معادٍ في أية تسوية مقترحة، خاصة أن عناوين صفقة القرن التي تطرحها إدارة ترامب تنسجم مع خطة «السلام الاقتصادي» التي أعلنها نتنياهو، والتي تقطع مع قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة بعاصمتها القدس الشرقية.