ردود فعل سكان قطاع غزة، على نتائج الحوار في القاهرة (21 + 22/11/2017) مفهومة مقاصدها. فقد كان القطاع ينتظر أن يخرج الحوار بنتائج عملية تشعر السكان بالإنتقال الحقيقي، من مربع الإنقسام إلى مربع المصالحة، خاصة بعد أن أعلنت حركة حماس تسليمها الوزارات والإدارات لحكومة السلطة، وبعد أن زار رامي الحمدالله غزة، وألتقى أهلها، وعقد فيها إجتماعاً لحكومته، وأعلن أن وزراءه بدأوا يتسلمون وزاراتهم.

الحد الأدنى من النتائج التي كان يترقبها سكان قطاع غزة، هو رفع الإجراءات العقابية الجماعية بحقهم، وإعادة الرواتب لأصحابها دون حسومات أو نقصان، وفك الحصار عن القطاع، وفتح معبر رفح، وإستئناف دفع فاتورة الوقود لتشغيل محطة الطاقة، وتزويد القطاع بحاجته إلى الكهرباء، ما يعيد الحياة إلى المشاغل، والورش، والمستشفيات والمؤسسات، وينقذ الأهالي من ظلام الليل الدامس

عودة الوفود إلى غزة، دون هذه القرارات، لقي ردود فعل غاضبة لدى الناس. وهذا حق. حتى أن بعض المشاركين في الحوار، إما مباشرة، أو عبر ممثلين لفصائلهم، إنقلبوا على البيان الختامي، ووجهوا إليه الرصاص، وكأن المشكلة في البيان، أو في لجنة الصياغة وليست بيد من بيده سلطة القرار: قرار فرض العقوبات، وقرار رفعها. قرار فرض الحصار، وقرار رفعه. قرار وقف دفع فاتورة تشغيل محطة الكهرباء، وقرار إستئنافه. أما إتخاذ البيان الختامي، درئية لإطلاق النار، ففيه تهرب من قول الحقيقة للناس. خاصة أن البيان حمل في طياته إيجابيات سياسية كبرى، علينا ألا نتجاهلها، تحت وطأة العقوبات المفروضة على القطاع، وتحت وطأة الظلام الذي يلف ليله بغياب الطاقة.

*    *    *

ذريعة وفد فتح أنه لا رفع للعقوبات والحصار، وإستئناف المسؤوليات الأخرى، إلا بعد تمكين الحكومة من تسلم مهماتها وإدائها لدورها دون عوائق. وهذا كلام فيه مبالغة لأنه يتلطى خلف قضايا،  يعرف صاحب الحديث، أن معالجتها تحتاج لوقت غير قصير. فالعديد من القضايا، على جدول أعمال المصالحة، تحتاج إلى «مفاوضات» بين الطرفين، وبوساطة مصرية، إعترف الجميع بصلاحيتها لمثل هذا الأمر.

وبالتالي إذا سلمنا بالرأي الذي يربط بين «التمكين»، وبين العمل على تحسين ظروف الحياة في قطاع غزة، فذلك يعني أن على سكان القطاع أن ينتظروا طويلاً، حتى يتوصل الطرفان، فتح وحماس، إلى التوافق على القضايا كافة، التي تستطيع بعدها الحكومة أن تقر أنها تجاوزت شرط «التمكين»، وأنها ستشرع في تقديم الخدمات لأهل قطاع غزة. خاصة وأن كل طرف، يرسل رسائل، تؤكد أن الوصول إلى توافقات، فيه تعقيدات وعقبات غير قليلة. ذلك أن الإنقسام، إنتقل بنا، إلى مرحلة جديدة، هي التقاسم. وما يصدر عن الطرفين يؤكد أنهما يخوضان معركة التقاسم (تقاسم السلطة) بحدة، عبرت عنها تصريحات متحدثين عديدين من فتح وحماس، من بينهم أعضاء في الوفود إلى حوار القاهرة.

فقضية الموظفين، مسألة تقاسمية، هكذا تقول التصريحات. وقضية أجهزة الأمن، مسألة تقاسمية. هكذا تقول التصريحات أيضاً. فحماس تؤكد أنها لن تسمح بفصل موظف واحد، ولن تتخلى ولو عن موظف واحد، في إطار دمج الكتل الوظيفية، الموالية لهذا ولذاك. والأمر نفسه تكرره بشأن رجال الأمن والشرطة.

بينما تعتبر حكومة السلطة أنها وحدها المعنية بإعادة ترتيب الهيكل الوظيفي، وأن الأولوية هي للموظفين «المستنكفين»، أي الموالين لفتح، والذين توقفوا عن العمل بقرار من حكومة رام الله في أعقاب إنقلاب حماس. والأمر نفسه بشأن الأجهزة الأمنية والمؤسسات الخدمية الأخرى. السلطة، في جدالها مع حماس،  تلجأ إلى «القانون» بإعتباره ملزماً للجميع. حماس بدورها تلجأ إلى الإتفاق المعقود بينها وبين فتح. وكل يفسر الأمور لصالحه. وكل ينظر إلى القضية من زاوية المحاصصة في السلطة وتقاسمها بين طرفين. وكل يحاول أن يستولي على الحصة الأكبر. وعلى القدر الأوفر من السلطة.

السلطة تفسر موقفها بأنه يندرج في إطار «التمكين». وحماس تفسر موقفها بأنه يندرج في إطار تطبيق إتفاقات المصالحة. وفي الحالتين، نحن أمام سياسة تستند إلى التمسك بالسلطة، وتنزع إلى تقاسم السلطة. والخاسر في الحالتين، هم الناس في القطاع، الذين ينتظرون بكثير من المعاناة وصول رحلة «المصالحة» إلى بر الأمان.

* * *

السير في هذا الإتجاه يؤسس لأزمات جديدة، ويوتر الأجواء السياسية، وينذر بهبوب عواصف من شأنها أن تلحق الضرر بقطاع غزة، وأن تؤخر الحلول لقضاياه الحياتية، الضاغطة عليه بقوة.

لذلك تحسبنا، منذ اليوم الأول، لخطورة الحلول الثنائية، وقلنا إنها أثبتت فشلها، وأن الحل الوطني هو الكفيل بمعالجة القضايا الشائكة. ودعونا، من ضمن ما دعونا إليه، إلى أن يكون إتفاق المصالحة إتفاقاً وطنياً، تشارك في صياغته الأطراف الفلسطينية كافة، وعدم ترك الأمور لطرفين سيتصارعان علناً، على تقاسم السلطة.

وقلنا أيضاً إن تشكيل اللجان الوطنية لمعالجة القضايا العالقة هو الطريق السليم لرفع العوائق وتجاوز العقبات.

كذلك دعونا إلى عدم إبقاء قطاع غزة رهين الخلافات والتباينات بين الطرفين، وإستبعاده من ساحة الصراع بالإسراع الى رفع العقوبات الجماعية عنه، ورفع الحصار وفتح معبر رفح.

ودعونا أيضاً إلى إشراك فعاليات القطاع الإجتماعية والنقابية والثقافية وغيرها، من أصحاب الإختصاص والخبرة، الموصوفين بالحيادية، للمساهمة في تقديم الحلول للقضايا المستعصية.. فالضغط الشعبي هو السلاح الأمضى لدفع الطرفين للإنسياق وراء الإرادة الوطنية بإنهاء الإنقسام، والإنتقال بالقطاع من مرحلة المعاناة، إلى مرحلة العدالة في تأمين الخدمات، من مرحلة الظلم والضيم، إلى مرحلة يتمتع فيها بكرامة العيش بإحساس وطني عميق.

لذلك، على الطرفين، كما يعتقد الجميع، وقف التصريحات والتصريحات المضادة، ووقف التراشق بالإتهامات، والتهرب من المسؤولية. لأن مثل هذه السياسة من شأنها أن تلحق الضرر بالمشهد الوطني العام، وأن تعيق التقدم نحو تطبيق إتفاق المصالحة.

وعلى الطرفين العودة إلى بيان القاهرة في 22/7/2017، وإستلهام الروح الوحدوية والإيجابية التي حكمت صياغته، وأطلقت ورشة وطنية كبرى، لا تقتصر على معالجة قضايا الدمج وإعادة بناء الأجهزة والإدارات، بل إنتقلت كذلك إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني. وهو نظام بات أقرب إلى الفشل. لو كنا في ظل نظام سياسي متقدم، يستند إلى الديمقراطية، عبر صندوق الإنتخاب، وإلى مبدأ التشاركية والشراكة الوطنية، في ظل قناعة راسخة وحقيقية بأن الوحدة الوطنية ليست ترفاً، بل حاجة ملحة لصالح القضية الفلسطينية ولصالح المشروع الوطني الفلسطيني.. لوكنا في هذا كله، لما شهدنا الإنقسام، ولما شهدنا، ما نشهده الآن من صراع، إنتقلنا فيه من مرحلة الإنقسام، إلى مرحلة التقاسم على السلطة.