خرجت من عرض فيلم «واجب» (2017) للمخرجة آن ماري جاسر، ووجدت نفسي أدندن أغنية «روح زورهن ببيتن، بيتن فقير ما عندن شي، علّق قمر ع بوابن، في برد خدلن نار». أغنية دافئة من أغاني عيد الميلاد، وهي تمثّل المزاج العامّ في الفيلم، حيث الشعور الجميل بالدفء.

تقليد مقدّس

تدور أحداث الفيلم حول تحضيرات عائلة من الناصرة لعرس ابنتهم، أمل، في توقيت عيد الميلاد. يتكفّل الأب (الفنّان محمّد بكري) وابنه (الفنّان صالح بكري) بتوزيع بطاقات دعوة العرس على المدعوّين، مرورا بكلّ منزل وتسليم الدعوة باليد، كما تجري العادة في الناصرة. لا يمكن زيارة منازل المدعوّين، طبعا، من دون التوقّف لشرب فنجان قهوة وتقديم تقرير مختصر عن تفاصيل العرس، ومستجدّات العمل والدراسة، والوضع الاجتماعيّ لأفراد العائلة، فهي فرصة لنميمة المدعوّين حول أصحاب العرس؛ ثرثرة متوقّعة في مجتمع يقدّس الواجب وينتقد كلّ من لا يمتثل للجماعة.

يُظهر الأب أنّه ملّ من هذا التقليد، وأنّه مجبر عليه، لكن، يتبيّن لاحقا أنّه لا يستطيع العيش من دونه، بل يتغذّى منه؛ هو واجب غير ضروريّ، لكن إذا لم يحصل، يشعر أنّ الأمور لا تسير كما يجب. يقول الأب لإحدى المعازيم: «أنا بعرف إنّك مش رح تقدري تيجي، بسّ واجب أعزمك»، وفي سياق آخر، يرغب الأب في دعوة المغنّي فوزي بلّوط ليغنّي في العرس، وهو يعرف أنّ صوته ليس رائعا، لكنّه يختبئ وراء حجّة أنّه مغنّي العائلة منذ 40 عاما، ويدعوه فعلا!

وعلى المستوى البصريّ، يصوّر الفيلم المنازل النصراويّة بكمال جميل؛ بيوت مرتّبة تملؤها تحف قديمة، مصابيح خافتة، زينة الميلاد الكلاسيكيّة، ألوان واضحة المعالم. تجلس هذه العناصر في المنزل بتناسق كأنّ كلّ قطعة تعرف مكانتها في المنزل، مساهمة هي أيضا في الحفاظ على «التقليد المقدّس».

صوت رافض

توظّف المخرجة الابن أداة لكسر صورة المجتمع الورديّة، وهو الذي يدرس الهندسة المعماريّة في إيطاليا ويبدو بمظهر غير تقليديّ في المدينة؛ شعر طويل، وبنطال أحمر، وقميص زهريّ اللون. يطرح أفكاره العصريّة حول المجتمع وعادات أبيه، وينتقد مدينته، فشوارعها «غير حضاريّة» مثلا، وهي ضيّقة ومليئة بالنفايات.

لا ينسى الفيلم التطرّق إلى تغلغل الاحتلال الإسرائيليّ في مجتمع الناصرة الفلسطينيّ،  وحقن مفاهيم «التعايش» فيه. ينعكس ذلك عندما يبدي الأب، الذي يعمل معلّما في مدرسة، رغبته في دعوة مشغّله الإسرائيليّ إلى عرس ابنته، نوعا من «الواجب»، واهما أنّ مشغّله سيمنحه بذلك ترقية، فيغدو مديرا للمدرسة.

وفي معارضة صادمة، يرفض الابن الإدمان على الواجب، واللطف الزائد الذي لا حاجة له، وينتقد موقف أبيه مانعا إيّاه من دعوة مشغّله وتجاوز الخطّ الأحمر، ما يعكس وعيا ظاهرا لدى الجيل الثالث بعد النكبة بسياسات العدوّ الممنهجة التي تدّعي الديمقراطيّة، على عكس أبيه المتقبّل لهذا التعايش، وهو أمر غير متوقّع من الجيل الأقدم الذي يُفترض أنّه عاصر مراحل الاحتلال المختلفة بشكل مباشر وواضح.

سمكة في حوض

ومن المشاهد التي تعكس مفهوم الواجب الاجتماعيّ، نجد الأب يجيب عن أسئلة المدعوّين حول ابنه بالنيابة عن الأخير، فيخبرهم بأنّه يدرس الطبّ لا الهندسة، وبأنّه سيعود من إيطاليا قريبا، على الرغم من أنّ الابن أعرب عن نيّته المكوث في إيطاليا فترة أطول، وبأنّه سيبحث عن عروس من البلد، دون أن يخبرهم أنّ للابن صديقة في الخارج. والمضحك أنّه حين سأل الابن أباه لماذا ردّ بهذه الأجوبة غير الصحيحة، ادّعى الأب أنّ معارفه كبار في السنّ، وسيحزنون إذا سمعوا إجابات مغايرة لتقاليدهم، لكن في الحقيقة، يتّضح أنّ الأب هو الذي يرغب في أن تكريس التقاليد والعادات، والاستمرار في الظهور بالصورة المحافظة.

يشبه الأب سيارته القديمة، تلك التي نراها في معظم مشاهد الفيلم أثناء تنقّله وابنه من بيت إلى آخر لإيصال بطاقات الدعوة. على الرغم من أنّ السيّارة قديمة، وأنّها تتعطّل كثيرا، إلّا أنّ الأب لا يريد أن يشتري غيرها؛ يعرف مشاكلها لكنّه عاش معها معظم ذكرياته، تماما مثل ناصرته وعاداتها القديمة، فهو رغم نقده لها، إلّا أنّه لا يعرف العيش من دونها، تماما مثل سمكة في حوض ماء.

وفي مشهد المقهى، يدعو الجار الابن إلى بعض الجعة في محلّه. يشتم الجار المدينة ومن فيها، وبعد لحظة نراه يوقف بائع الكعك، يشتري منه الكعك الساخن ويتقاسمه مع الابن، ويقول: «أي فشّ بعد البلد». هذه إذا ماهيّة المجتمع النصراويّ كما يصوّرها الفيلم، وهذه هويّته، إذ تستطيع أن تنتقده كاسرا القاعدة، لكن دائما ثمّة رجوع إليه!

هذ اللعبة المستمرّة بين المحافظة على التقليد ونقده، هي التي تجبل روح الفيلم على نحو لافت، وتمنحه جمالا خاصّا.

هكذا هي الناصرة إذا!

أستطيع القول إنّني تعرّفت على الناصرة من خلال هذا الفيلم، لا مدينة فحسب، بل مجتمعا أيضا، كما وجدت تشابها بين مجتمع الناصرة والمجتمع المقدسيّ الذي أنتمي إليه، فهو محافظ أيضا، يهتمّ كثيرا بصورته الكلاسيكيّة وكماله، ويتمسّك بالعادات والتقاليد، ويكرّس الأدوار الاجتماعيّة، إن كان للمرأة أو الرجل، ويمنع الخروج عنها.

هكذا هي الناصرة إذا، هكذا هو المألوف: تعرفه، تنتقده، تطلق عليه الطرائف لأنّك تحفظه عن ظهر قلب، لكنّه لن يتغيّر، فتحبّه كما هو وتشتاق إليه، تماما مثل جدّك الذي يطلب منك أن تتأكّد من إقفال أبواب المنزل عشر مرّات، ويعيد لك قصصه مرارا وتكرارا، ويعاود طلب تشغيل التلفاز منك، مع أنك علّمته كيفيّة استخدام جهاز التحكّم عن بعد عددا لا يحصى من المرّات، لكنّك على الرغم من ذلك تحنّ إليه وتذهب لزيارته.

هذا المجتمع، بتناقضاته، يمكن تشبيهه بشخصيّة طريفة المظهر؛ وجه واضح المعالم، له عينا عجوز، وأذنا امرأة، وفم ثرثار، وأنف برائحة النبيذ والسمك. مجتمع يجعلك دائم الحنين لأن تزوره وتحضنه بدفء!