لعب الرئيس الألماني، فرانك- فالتر شتاينماير، دوراً بارزاً في الخروج من أزمة تشكيل الحكومة في ألمانيا، وإعطاء فرصة جديدة لتجاوز الاستعصاء المتصل بها، وذلك عبر إقناعه الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي ينتمي إليه، بالعدول عن موقفه الرافض، من حيث المبدأ، المشاركة في أي ائتلاف حكومي بعد الخسارة القاسية التي تعرض لها في الانتخابات الأخيرة.

وفي إطار جهوده الرامية إلى التغلب على أزمة تشكيل الحكومة الجديدة، التقى شتاينماير رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي مارتن شولتز (23/11)، في محاولة منه لإعادة إنتاج «ائتلاف» بين الحزبين الكبيرين؛ الديمقراطي المسيحي والديمقراطي الاشتراكي، الذي تنبثق عنه الحكومة الحالية.

بعد هذا اللقاء، وضغوط أخرى مكثفة تعرّضت لها قيادة الحزب الاشتراكي، ومشاورات داخلية مطوّلة، عاد الحزب عن قراره السابق، وأبدى استعداده للحوار واحتمال الدخول في «ائتلاف ضرورة» مع «التحالف المسيحي»، من أجل الحفاظ على الاستقرار و«تفادي إجراء انتخابات جديدة، تكلف الخزينة وتزعج الناخبين، والأسوأ أنها قد لا تأتي بأي نتائج مختلفة».

«طوق النجاة»

في المقابل، وأمام «طوق النجاة» السياسي الذي ألقى به الحزب «الديموقراطي الاشتراكي»، فقد سارع زعماء «التكتل المحافظ» الذي تتزعمه ميركل (26/11)، إلى إعلان موافقتهم على «السعي لتشكيل ائتلاف موسّع مع الحزب الاشتراكي»، وخصوصاً بعد الطريق المسدود الذي وصل إليه خيار تشكيل «ائتلاف ثلاثي» يجمع تكتلهم المكوّن من الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي (البافاري)، مع الحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر، وذلك بعد شهرين من البحث والمساومات منذ صدور نتائج الانتخابات.

وقد أطلق على هذا الائتلاف «جامايكا»، لأن الألوان المميزة للأحزاب المشاركة فيه هي نفس ألوان علم دولة جامايكا، ممثلة في التحالف المسيحي بزعامة ميركل، (اللون الأسود)، وحزب الخضر (اللون الأخضر)، والحزب الديمقراطي الحر (اللون الأصفر).

أسباب الفشل

وعلى رغم التنازلات الصعبة في قضايا الطاقة والبيئة والهجرة، التي قدّمها حزب «الخُضر» (اليساري)، في سبيل تذليل العقبات أمام تشكيل الحكومة، إلا أنّ الحزب الديمقراطي الحر، (الليبرالي الوسطي المؤيد لمجتمع الأعمال)، استمرّ بتمسكّه بمواقفه، وبدت الخلافات عميقة وأصعب من أن تُذلّل بينه وبين «الخضر»، وهي ما أدخلت ألمانيا إلى منطقة «الاضطراب السياسي»، التي لم تختبرها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مثلما أنّ أوروبا ليست معتادة أيضاً على أن تمرّ ألمانيا بمثل هذه الحال!.

وكان عدة زعماء أوروبيين أكدوا أهمية تشكيل حكومة ألمانية مستقرة بسرعة حتى يتمكن الاتحاد الأوروبي من مناقشة مستقبله؛ بما في ذلك مقترحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن إجراء إصلاحات بمنطقة اليورو وخروج بريطانيا من الاتحاد.

«الشريك القديم»

أما شولتز فكان تعهّد بعد نتائج الانتخابات المُخَيّبة، التي خسر فيها 12% من أصوات الناخبين، بالتزام جانب المعارضة، ورفض المشاركة في أي حكومة مقبلة؛ من منطلق الخشية من تكبدّ خسائر إضافية مستقبلاً، وكذلك اعتباره أن الجلوس في مقاعد المعارضة هي «الطريقة الوحيدة لإعادة ترميم صورة الحزب بعدما مُنيّ بأكبر هزيمة في تاريخه»، علماً أنه يشارك ميركل في الحكم منذ عام 2013.

وبعد انهيار مباحثات «جامايكا» بقي شولتز مُصرّاً على موقفه، مشدّداً على القول إنه يفضل إجراء انتخابات جديدة على الدخول في مفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية شبيهة بالحكومة الحالية. لكنه، وبعد اللقاء مع الرئيس شتاينماير تغيّرت نبرته، وبدأ يشير إلى «المسؤولية الكبيرة الملقاة على كاهل حزبه، وضرورة البحث عن حلّ جيدٍ لبلدنا».

هنا، ثمة مَن ينوّه إلى انقسامات داخل حزبه، لم تساعد شولتز على التمسك بموقفه الرافض للاشتراك في الحكومة. ففي اجتماع لكتلة حزبه النيابية، في اليوم الذي تلا انهيار مباحثات «جامايكا»، طرح عشرات من النواب الاشتراكيين تساؤلات حول «صحة قرار زعيمهم رفض الدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة»، بحسب تقارير نقلتها صحف ألمانية عن مسؤول بارز في الحزب.

«شبح» اليمين الشعبوي

إلى ذلك، يضاف احتمال حصول الحزب الديمقراطي الاشتراكي على نتيجة أسوأ، في حال إجراء انتخابات جديدة. هذا فضلاً عن خشية بعض نواب الحزب من حصول اليمين الشعبوي على مكاسب إضافية في الانتخابات، علماً أن اليمين المتطرف حصل في الانتخابات الأخيرة على 13% من الأصوات، وبات يملك ثالث أكبر كتلة في البرلمان.

في المقابل، يرى رافضو الدخول في الحكومة، وبينهم شولتز، أن نتائج الانتخابات الأخيرة كانت رسالة واضحة لرفض الائتلاف الذي حكم طوال السنوات الأربع الماضية. وأمام هذا الصراع الذي يشهده الحزب، بدأت الصحافة الألمانية تتحدث عن أن «مقاومة شولتز» للدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة قد تعني نهايته. وأشار بعضها إلى أن الحزب قد يصوّت لإزاحته عن الزعامة في اجتماع قريب، طارحةً أسماء محتملة لمن قد يخلفه، وكلهم مثل شتاينماير من مؤيدي التفاوض مع المستشارة الحالية.

بيد أنه، قد يكون أمام شولتز خيار آخر غير الدخول في الحكومة، يُمَكّنُه من إنقاذ منصبه والحفاظ على موقفه، وهو خيار «دعم حكومة أقلية برئاسة ميركل»، من دون المشاركة فيها. علماً أنّ المستشارة ميركل لا تحبذ اللجوء إلى مثل هذا الخيار (حكومة أقلية)، وتفضل إجراء انتخابات جديدة بدلاً منه. ولقد قالت بعد يوم من فشل مباحثاتها مع الأحزاب الثلاثة الصغيرة، إنها «حذرة من فكرة قيادة حكومة أقلية ستكون ضعيفة ومُقيّدة بتأييد أحزاب معارضة لها داخل «البوندستاغ» لتمرير مشاريعها».

 

الأحزاب الألمانية المُمثلة في البرلمان

ـ الاتحاد المسيحي الديمقراطي بزعامة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: فاز في الانتخابات الأخيرة بـ200 مقعد (أقل بـ55 مقعداً عن انتخابات عام 2013) من أصل 709 في مجلس النواب الاتحادي (البوندستاغ)، فاحتفظ بأكبر كتلة نيابية ولكن من دون أن يحصل على الغالبية المطلقة التي تخوله الحكم منفرداً. وهو يعتبر من الأحزاب اليمينية الوسطية - المعتدلة. يقود الائتلاف الحاكم منذ 12 سنة.

ـ الحزب الديمقراطي الاشتراكي بزعامة مارتن شولتز: فاز بـ153 مقعداً في «البوندستاغ» (أقل بـ40 مقعداً عن عام 2013). يملك ثاني أكبر كتلة برلمانية، وهو شريك في الحكم في الحكومة الحالية. ويُعدّ من أحزاب يسار الوسط، آخر مستشار للبلاد من الحزب كان غيرهارد شرويدر (بين 1998 و2005).

ـ حزب البديل لألمانيا: زعيمه يورغ مويتن. فاز بـ94 مقعداً في البرلمان الذي دخله للمرة الأولى. يُعدّ من أحزاب اليمين الشعبوي (المتطرف)، وأُسس عام 2014. تقوم أفكاره على معاداة اللاجئين والمهاجرين، ويدعو لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم. تتركز قاعدته الشعبية في مناطق شرق ألمانيا. وهو يرفض أيضاً أن يكون الإسلام جزءاً من المجتمع الألماني، كما أنه مناهض للاتحاد الأوروبي ورحب بقرار بريطانيا الخروج منه.

ـ الحزب الديمقراطي الحرّ: زعيمه كريستيان ليندنر. عاد هذا الحزب إلى «البوندستاغ» بـ80 مقعداً بعد غيابه عنه لـ 4 سنوات. يعتبر حزبا ليبرالياً وسطياً. معظم ناخبيه من أصحاب الأعمال الحرة. شارك في كل الحكومات ما بعد الحرب، حتى عام 2013، سواءً مع الديمقراطيين المسيحيين أم مع الديمقراطيين الاشتراكيين.

ـ حزب اليسار: يتزعمه كاتيا كيبينغ وبيرند ريكسينغر. فاز بـ69 مقعداً في «البوندستاغ» (بزيادة 5 مقاعد عن عام 2013). أسس رسمياً عام 2007، إلا أنه فعلياً أسس على أنقاض الحزب الشيوعي الحاكم في ألمانيا الشرقية سابقاً. وهو يرفض أي مشاركة للجيش الألماني في الخارج. ويطالب بحلّ حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وبرفع الحد الأدنى من الأجور في ألمانيا.

ـ حزب الخُضر: تتزعمه سيمون بيتر. فاز بـ67 مقعداً (بزيادة 4 مقاعد عن عام 2013). نشأ من حركات احتجاجية ظهرت في الثمانينات، كان على رأس أهدافها رفض استعمال الطاقة النووية وضرورة الحفاظ على البيئة. وهو حالياً يدافع عن حق لَمّ شمل عائلات اللاجئين السوريين الذين دخلوا ألمانيا عام 2015.

 

ـ الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا: يتزعمه هورست سيهوفر. فاز بـ46 مقعداً (أقل بـ10 مقاعد عن عام 2013). يشكّل مع الاتحاد الديمقراطي المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل كتلة نيابية موحّدة. وهو لا ينافس في أية ولاية ألمانية سوى بافاريا. يعد من الأحزاب اليمينية المحافظة، ويحمل تقريباً أفكار الديمقراطيين المسيحيين نفسها.