<!--[if gte mso 9]><xml> </xml><![endif]-->

لا يجد وزير الخارجية الأميركية ما يكفي من الأسباب كي تبقي إدارته على مكتب منظمة التحرير في واشنطن مفتوحاً. هذا مختصر الرسالة التي أرسلتها الديبلوماسية الأميركية إلى السلطة الفلسطينية، التي بدورها أعلنت عن عزمها وقف الاتصالات مع الولايات المتحدة في حال تم إغلاق المكتب.

وخلال أربع وعشرين ساعة، تجاوزت واشنطن حديثها عن مهلة التسعين يوماً التي وضعتها أمام السلطة كي «تقنع» الإدارة الأميركية بالأسباب الموجبة لإبقاء المكتب مفتوحاً، وقررت إغلاقه؛ في حين «كسرت» السلطة كلامها عن وقف الاتصالات وأرسلت اللواء ماجد فرج، مدير المخابرات العامة إلى واشنطن في محاولة لفهم أسباب الإغلاق.

فُهم من عرض المهلة المذكورة أن واشنطن في معرض ابتزاز السلطة والحالة الفلسطينية عموماً لتنفيذ مجموعة من الشروط حول التسوية والدور الفلسطيني المطلوب في ترتيبات «صفقة القرن» بالمنطقة، لكن تجاوز هذه المهلة أكد أن الإدارة الأميركية قررت فرض هذه الشروط.. من دون نقاش!

الاتصال الهاتفي الأول الذي أجراه الرئيس ترامب بالرئيس عباس خلق أجواءً من الارتياح في أوساط السلطة، وهدأ هواجسها من التجاهل الذي أبدته الإدارة الأميركية الجديدة تجاه السلطة ورئيسها. لكن الارتياح هذا لم يدم طويلاً عندما دشن مبعوث الرئيس الأميركي غرينبلات العلاقة الأميركية مع السلطة بطرح مجموعة من الشروط طلب تنفيذها كعربون ثقة تؤكد لإدارة ترامب صلاحية الحالة الفلسطينية للمشاركة في التسوية التي لم تكن قد طرحت عناوينها بعد.

بعد ذلك، تشكل فريق عمل فلسطيني ـ أميركي قيل حينها أنه بصدد دراسة الأفكار التي تمهد لإطلاق التسوية مجدداً واستئناف المفاوضات مع إسرائيل، ليتضح أن الجانب الأميركي في الفريق كان يسأل عن تنفيذ الشروط والمدى الزمني لتطبيقها؛ ولم يخف مستشارو الرئيس ترامب انزعاجه من عدم التزام السلطة بكامل هذه الشروط، ونقلوا عنه عزمه على التخلي عن جهوده تجاه التسوية إذا لم تنفذ هذه الشروط.

ومن المعروف أن الشروط الأميركية التسعة التي طرحها غرينبلات تتمحور حول تأهيل الحالة الفلسطينية ثقافياً وسياسياً وأمنياً مع الرؤية الإسرائيلية وتبدأ من «نبذ التحريض» على الاحتلال وتأهيل الأجهزة الأمنية للسلطة على القيام «بواجبها» في قمع المحرضين، وتمر من مسح الذاكرة الوطنية الفلسطينية والتنكر للتاريخ الكفاحي الذي سجله الشعب الفلسطيني بتضحيات أبنائه من خلال وقف رواتب أسر الشهداء والأسرى وصولاً إلى استكمال الحصار الإسرائيلي على غزة بوقف ضخ أية أموال إلى القطاع وأهله.

وكان من الطبيعي أن تحوم ظلال الشك والريبة حول إجراءات السلطة تجاه موظفيها في غزة وتخفيض رواتبهم وفرض التقاعد المبكر على الكثيرين منهم إلى جانب وقف تمويل الوقود لمحطة توليد الكهرباء في القطاع؛ وإذا كانت قضية رواتب أسر الشهداء والأسرى بمعناها الرمزي وبعدها الاجتماع قد منعت إلى الآن المس في هذه المخصصات إلا أن ذلك لم يقنع الإدارة الأميركية التي أضافت بالاشتراك مع تل أبيب المزيد من الشروط على الحالة الفلسطينية بعيد توقيع اتفاق المصالحة الجديد في القاهرة.

ومن الواضح أن الإدارة الأميركية تسعى من خلال الضغط على السلطة ومنظمة التحرير إلى تكييف نتائج المصالحة بين حركتي فتح وحماس وما يصدر عن الحوار الوطني الشامل في القاهرة مع الشروط الأميركية ـ الإسرائيلية الموحدة؛ وليس من قبيل الصدفة أن يتم إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن عشية اجتماع القوى والفصائل الفلسطينية في القاهرة لبحث آليات إنجاح اتفاق المصالحة والتوافق على حلول للقضايا والملفات التي تمهد لاستعادة الوحدة وإعادة بناء النظام السياس الفلسطيني على أسس ديمقراطية.

لذلك، تحاول واشنطن وتل أبيب وبجهد موحد أن تحرفا مسار المصالحة الفلسطينية عن الاتجاه الذي تريده معظم القوى والفصائل الفلسطينية لناحية التمسك بالبرنامج  الوطني التحرير الذي يتصدره حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكافة السبل المتاحة بما فيها المقاومة العسكرية ربطاً بقرارات الشرعية الدولية وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وتجسيد حقوقه الوطنية في العودة والاستقلال.

ويوضح الإجراء الأميركي الأخير تجاه مكتب منظمة التحرير حقيقة الهدف من وراء سعي واشنطن أواخر ثمانينات القرن الماضي لفتح حوار مع المنظمة بعدما كانت تضعها في صدارة لائحة المنظمات الإرهابية. وفي حينها كانت الإدارة الأميركية تريد من العلاقة مع المنظمة احتواء الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت أواخر العام 1987، والالتفاف على أهدافها في الحرية والاستقلال وصولاً إلى إخمادها وإعادة الحالة الفلسطينية إلى السكون، وتأكد ما سبق، مع انطلاق مؤتمر مدريد في خريف العام 1991، وما أعقبه من مفاوضات. فبعدما فشلت تل أبيب وواشنطن في تطويع الوفد الفلسطيني المفاوض، شجعتا قيادة منظمة التحرير المتنفذة على فتح مسرب تفاوضي سري أنتج فيما بعد اتفاق أوسلو الذي ما نزال نعيش تداعياته الكارثية.

وترتبط النقلة في أسلوب التعامل الأميركي مع السلطة الفلسطينية حالياً بمجموعة من العوامل من بينها التطورات العاصفة التي تشهدها المنطقة العربية وانعكاسها على الدور العربي المفترض في دعم الحقوق الفلسطينية، لكن العامل الذاتي الأبرز يتعلق بما شهدته الحالة الفلسطينية خلال العقد المنصرم من انقسام في ظل سياسات رسمية استظلت بالرهان على الدور الأميركي في الوصول إلى حل سياسي متوازن للصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ وما أدى إليه ذلك من تراجع في الحالة الفلسطينية على جميع الأصعدة.

لذلك، يتضح أن الرد على ما قامت به واشنطن تجاه مكتب منظمة التحرير ينبغي أن يتجاوز الموقف الإعلامي عن وقف الاتصالات مع الإدارة الأميركية، و الالتفات إلى القضايا الجوهرية التي يفترض إنجازها بدءاً من إنجاح اتفاق المصالحة والتقدم نحو استعادة الوحدة وتشكيل حكومة وحدة وطنية تعد للانتخابات بما يكفل إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

وبما يخص العملية السياسية، قرر المجلس المركزي الفلسطيني في دورته السابعة والعشرين (2015) ضرورة الاستناد في هذه العملية إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ودعا إلى إنهاض المقاومة الشعبية الفلسطينية وحمايتها، وإلى وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال ومقاطعته اقتصادياً وتفعيل عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية وخاصة «الجنائية الدولية» والتقدم أمامها بدعاوى ضد جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني وارضه وممتلكاته.

عبر ذلك، فقط يمكن مواجهة الضغوط الإسرائيلية الأميركية التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية وتبديد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

<!--[if gte mso 9]><xml> Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA </xml><![endif]--><!--[if gte mso 9]><xml> </xml><![endif]--><!--[if gte mso 10]> <style> /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"جدول عادي"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} </style> <![endif]-->