قال رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، في كلمة له بمناسبة عيد الإستقلال، إن «غداً يوم ليس كسائر الأيام، وعيد ليس كسائر الأعياد، هو يوم الوطن وعيد استقلاله»، مشيراً إلى أنّ «الإستقلال ليس لحظة محدّدة بزمان ومكان، حصلت وانتهت، الإستقلال هو عمل دؤوب ونضال متواصل وهو قصّة شعب دفع الكثير ولمّا يزل ليبقى سيّداً، حرّ القرار، وعلى أرضٍ حرّة»، مركّزاً على أنّه «تاريخاً حافلاً بالمحطات، منها المؤلم ومنها المُشرق، هو يومكم أيها اللبنانيون، هو عيدكم فلا تتردّدوا في الإحتفال به».

وأكّد الرئيس عون، أنّ «هذا العهد هو محطّة من تلك المحطات، وأسعى جاهداً لتكون مشرقةً وأسعى جاهداً لتبقى كلّ الإرادات متضافرة لنحصّن معاً استقلالنا وسيادتنا وحرية قرارنا، ونحفظ استقرار وطننا وسط العواصف الّتي تضرب المنطقة، وأيضاً لنكمل معاً عملية بناء الدولة»، مبيّناً أنّه «إن نجحنا، وسننجح، نكون قد وضعنا المداميك اللأساسية لوطن قوي، وقدّمنا نهجاً جديداً في إدارة شؤون الدولة».

وتوجّه إلى اللبنانيين، قائلاً «لقد أعلنت في خطاب القسم أنّ في طليعة أولوياتنا، منع انتقال أي شرارة من النيران المشتعلة حولنا إلى الداخل اللبناني، وأكدّت ضرورة ابتعاد لبنان عن الصراعات الخارجية، والتزامه احترام ميثاق جامعة الدول العربية وبشكل خاصّ المادة الثامنة منه»، منوّهاً إلى أنّ «لذلك انتهجنا سياسة مستقلّة تماماً وتحاشينا الدخول في النزاعات ودعونا إلى الحوار والوفاق بين الأشقاء العرب ولمّا نزل، لأنّ في الحروب الداخلية خسارة حتمية للمنتصرين كما للمهزومين، ولا معنى للحالين لأنّ الخسارة الكبرى تقع على الوطن».

وأشار الرئيس عون، إلى أنّ «لبنان نأى بنفسه ولكن للأسف، الآخرون لم ينأوا بنفوسهم ولا بنفوذهم عنه»، موضحاً أنّ «مع بدء الحرب في سوريا، بدأت التنظيمات الإرهابية تخترق حدودنا الشرقية وتتغلغل إلى الداخل اللبناني، محاولةً السيطرة على ما أمكنها من قرى وبلدات ومناطق، زارعةً الموت والدمار عبر تفجيرات إرهابية طالت كلّ لبنان»، لافتناً إلى «أنّنا على الرغم من انتصارنا على الإرهاب وتحرير أرضنا منه، ما زلنا نتساءل من أين جاء الإرهاب إلى لبنان؟ من أرسله؟ من موّله؟ من سلّحه ومن درّبه؟ ولماذا؟ أليس لضرب الإستقرار وزرع الفتنة، وقد شهدنا مآل الأحوال في الدول العربية التّي تمكّنت منها تلك التنظيمات؟».

وركّز على أنّ «من ناحية ثانية، تربض إسرائيل على حدودنا الجنوبية، وتاريخها مع لبنان ومنذ قيامها، حافل بالإعتداءات والحروب التدميرية، من إعتداءات الستينات والسبعينات إلى اجتياحها للبنان في العام 1982 ووصولها إلى بيروت واحتلالها نحو نصف لبنان، ثمّ انسحابها محتفظة بأجزاء من الجنوب تحت سيطرتها لثمانية عشر عاماً، شنّت خلالها سلسلة حروب تدميرية منها»تصفية الحساب«في العام 1993 وعناقيد الغضب في العام 1996 ومجزرة قانا الأولى، وتدمير محطات تحويل الكهرباء في العام 1999، حتّى اضطرّت إلى الإنسحاب في العام 2000 تحت ضغط مقاومة اللبنانيين، لتعود في العام 2006 وتشنّ حرباً جديدة ارتكبت خلالها أبشع المجازر ودمّرت البنى التحتية بما فيها الجسور. كما دمّرت أيضاً العديد من القرى وضاحية بيروت الجنوبية، ولكنّها هذه المرة لم تستطع تجاوز الحدود»، مشدّداً على أنّها «اليوم تنتهك سيادتنا برّاً وبحراً وجوّاً بشكل مستمرّ، غير آبهة بالقرارات الدولية وتهدّدنا بحروب جديدة وتدمير جديد»، متسائلاً «أليس أجدى أن تبادر الأسرة الدولية إلى مقاربة جديدة تقوم على الحقوق والعدالة وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها، تعالج عبرها قضايا السلاح والتسلح والحروب؟».

وشدّد الرئيس عون، على أنّ «في كلّ تلك المراحل والمحطات، كان لبنان يدفع أغلى الأثمان ويحاول جاهداً إبعاد شبح الفتنة، فالوطن الّذي بذل الدماء سخية، شعباً وجيشاً، ضدّ العدو الإسرائيلي كما التكفيري، وسطّر بطولات وتضحيات في تحرير أرضه من الإثنين معاً، ليس وطناً تسهل إستباحته ما دام يعتصم بوحدته الداخلية في وجه الفتنة الّتي هي الشرّ الأكبر»، مبيّناً أنّ «ما تلقّاه لبنان هو تداعيات الصدامات وشظايا الإنفجارات، ولا شيء ينفع في معالجة التداعيات إن لم يقفل باب النزاعات»، مؤكّداً أنّ «في كلّ الحالات، لن ينصاع إلى أي رأي أو نصيحة أو قرار يدفعه باتجاه فتنة داخلية، ومن يريد الخير للبنان يساعده على تحصين وحدته لأنها صمّام أمانه».

وأوضح أنّ «في هذا السياق، تأتي الأزمة الحكومية الأخيرة، والإشكالية الّتي أحاطتها، وصحيح أنها عبرت إلّا أنّها قطعاً لم تكن قضية عابرة، لأنّها شكّلت للحكم وللشعب اللبناني اختباراً صادماً وتحدياً بحجم القضايا الوطنية الكبرى، يستحيل إغفالها والسكوت عنها»، متسائلاً «هل كان يجوز التغاضي عن مسألة واجب وطني فُرضَ علينا لاستعادة رئيس حكومتنا إلى بلده لأداء ما يوجبه عليه الدستور والعرف، استقالة أو عدمها، وعلى أرض لبنان؟»، جازماً أنّها «أولاً وآخراً، مسألة كرامة وطن وشعب أظهر حيالها تماسكاً وطنياً فريداً، فالسيادة كلٌ لا يتجزأ سواء على الأرض أو في السياستين الداخلية والخارجية».

وأفاد عون، بأنّ «وسط الغليان الحاصل حولنا، بضع رسائل أود توجيهها بكلّ صراحة وصدق»، مشيراً إلى أنّ «رسالتي الأولى هي للأشقاء العرب: إنّ التعاطي مع لبنان يحتاج إلى الكثير من الحكمة والتعقّل، وخلاف ذلك هو دفعٌ له باتجاه النار. وعلى الرغم من كلّ ما حصل لا تزال آمالنا معقودة على جامعة الدول العربية، بأن تتّخذ المبادرة انطلاقاً من مبادئ وأهداف وروحية ميثاقها، فتحفظ نفسها والدول الأعضاء فيها، وتنقذ إنسانها وسيادتها واستقلالها».

وتوجّه إلى المجتمع الدولي «المدرك لأهمية الإستقرار في لبنان»، ودعاه لـ«يصونه من خلال التطبيق الكامل للعدالة الدولية»، متوجّهاً إلى اللبنانيين بالقول «بوحدتكم تخطّيتم الكثير من الصعاب والأزمات والمخاطر، فلا تسمحوا للفتنة أن تطل برأسها بينكم لأنّها الدمار الشامل الّذي لا ينجو منه أحد. وحدها وحدتكم هي المنقذ، هي أمانكم، هي استقراركم، وهي مستقبل وطنكم وأولادكم».