بعد أن رسم نتنياهو سقف الدولة الفلسطينية التي سيسمح بها، في الضفة الفلسطينية، تناول في حديثه في مركز البحوث في لندن (تشاتهام هاوس) مسألة المستوطنين. وأكد أن هؤلاء سوف يبقون في الضفة الفلسطينية ولن يغادروها. فإسرائيل، كما تؤكد المصادر الرسمية فيها، لم تبنِ المستوطنات، في طول الضفة وعرضها، وتسور بها القدس وتفصل بينها وبين الضفة، لتخليها في نهاية الأمر، ليستولي عليها الفلسطينيون.

وإدعى نتنياهو أن الطلب الفلسطيني برحيل المستوطنين من الضفة، يدخل في باب "التطهير العرقي"، لأنه يقوم، كما يزعم، على التمييز بين السكان، لصالح «العنصر الفلسطيني» وعلى حساب «العنصر اليهودي».

في هذا السياق علينا أن نلاحظ أن نتنياهو يقوم بسرقة مفردات الخطاب الفلسطيني، الذي يستند إلى الوقائع، في وصف الممارسات الإسرائيلية بأنها تقوم على «التطهير العرقي». كما علينا أن نلاحظ أن نتنياهو يسطو أيضاً على ما جاء في كتاب المؤرخ الإسرائيلي اليساري والمعادي للصهيونية إيلان بابيه «التطهير العرقي»، في وصفه لعمليات التهجير  الذي لجأت إليه العصابات الصهيونية المسلحة ضد الشعب الفلسطيني في أحداث العام 1948. يسطو نتنياهو على مفردات خطابنا، ويستعملها لتشويه الصورة، وليغطي على واقع الاستيطان، الذي يقوم أساساً على سرقة الأرض الفلسطينية، ومصادرتها بقوة السلاح في أعمال عدوانية يومية ضد الشعب الفلسطيني، ويأتي  بالمستوطنين المستعمرين، ليقيموا على أنقاض المنازل الفلسطينية المدمرة، أو في الأراضي المصادرة، مستوطناتهم، يقطعون أرزاق  الفلاحين الفلسطينيين ويطردونهم من أرضهم، ويدعون ملكيتهم للأرض.

 هذا العمل، في مجموعه، يدخل في باب جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، ويستحق عليه منفذوه أن يحالوا إلى محكمة الجنايات الدولية، ليستعيد المزارع والفلاح الفلسطيني أرضه المصادرة.

نتنياهو في إدعائه إنما يمارس التزوير المكشوف، المخالف للوقائع الميدانية، والمخالف للقوانين الدولية، ويحول المستوطن من موقع الجاني ومرتكب الجريمة إلى موقع الضحية الذي سيتعرض، إن إستردت الأرض المسلوبة منه، لما أسماه نتنياهو بالتطهير العرقي.

ووفقاً لكل التقديرات، تندرج إدعاءات نتنياهو في سياق البحث عن ذرائع «قانونية» و«إنسانية» مزعومة، لتسويغ سياسة  الإستيطان وتبريرها، وسياسة الضم التي يمهد لاتباعها في التسوية التي يعتقد أنها قادمة تحت قوة الضغط الأميركي. فلقد سبق هذه الإدعاءات سن قانون يقضي بتطبيق القوانين الإسرائيلية السارية في إسرائيل على المستوطنين، بعد أن كانوا خاضعين لقوانين الإدارة المدنية التابعة لسلطة الإحتلال. هذا القانون الجديد، يعتبر ضماً قانونياً للمستوطنات واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل، وإن لم يتم حتى الآن الإعلان الرسمي والواضح عن هذا الضم.

كما تندرج إدعاءاته في سياق توفير صيغة قانونية «إنسانية» للإستيطان، وتحريره من كونه جريمة حرب. فما دام رحيل المستوطنين إلى «الداخل الإسرائيلي» يعتبر تطهيراً عرقياً، فإن معارضة ومقاومة توسيع الإستيطان، يدخل في السياق نفسه.

والغريب في الأمر أن نتنياهو يقارن بين المستوطنين اليهود في الضفة والقدس، وبين الفلسطينيين العرب، داخل إسرائيل. ويحاول أن يساوي بين المجموعتين، ليخلص إلى أنه مادام ترحيل الفلسطينيين من إسرائيل يعتبر تطهيراً عرقياً، فإن رحيل المستوطنين هو أيضاً تطهير عرقي.

*   *   *

في هذا السياق علينا أن نتوقف أمام الحالة العامة التي إنساقت فيها محاضرة نتنياهو في لندن.

يلاحظ أن هذه المحاضرة ما هي إلا جزء من حملة إسرائيلية واسعة النطاق تهدف إلى كسب الرأي العام الأوروبي لصالح سياسة حكومة أقصى اليمين.

فإلى جانب إطلاق إشارة البدء للدفاع عن الإستيطان، وعن المستوطنين، في حملة إعلامية واسعة النطاق، كان قد أطلق حملة واسعة، سخر لها ملايين الدولارات لعرقلة نشاط مجموعات مقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي«B.D.S» وعرقلته؛ وإعتبار هذا النشاط يدخل في باب «معاداة السامية» الذي نجحت إسرائيل في تحريض دول أوروبا لسن قانون يجرم كل من ينتقد إسرائيل بأنه معادي للسامية.

وهكذا نصبح أمام معادلة واضحة المعالم: حملة B.D.S، معادية للسامية، وأية حملة مماثلة ضد الإستيطان وضد المستوطنين هي الأخرى معاداة للسامية. وعلينا أن نلاحظ أن القضيتين تتعلقان بالإستيطان. فحملة B.D.S هدفها مقاطعة منتجات المستوطنات، ومقاطعة الشركات الناشطة في المستوطنات أو التي تسهم في خدمة مشاريع الإستيطان. وتهمة «التطهير العرقي» هي لحماية مبدأ الإستيطان، وتكريس بقاء المستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67، والتمهيد لضم المستوطنات لإسرائيل.

 بالمقابل علينا أن نلاحظ، على الجانب الفلسطيني أن السلطة الفلسطينية إلتزمت التعليمات والتحذيرات الأميركية، بذريعة عدم التشويش على الأعمال التحضيرية لإستئناف المفاوضات.

فجمدت حركتها نحو محكمة الجنايات الدولية، في إحالة جرائم الحرب الإسرائيلية وفي مقدمها الإستيطان، والأسرى، وحصار قطاع غزة والإعتداءات اليومية عليه. كذلك جمدت تنسيب الدولة الفلسطينية (العضو المراقب لدولة فلسطين في الأمم المتحدة) إلى المنظمات الدولية، بما في ذلك تجميد طلب العضوية العاملة والكاملة في الأمم المتحدة وطلب عقد مؤتمر دولي للمسألة الفلسطينية تحت قرارات الشرعية الدولية ورعاية مجلس الأمن ودول أخرى، وضمان الإستقلال وحق العودة للاجئين، وتوفير الحماية الدولية للشعب والأرض ضد الإحتلال والإستيطان. كل ذلك بدعوى عدم التشويش على التحضير الأميركي، وبذريعة وقف التحريض ضد إسرائيل.

جمود في الحركة الدبلوماسية والسياسية الفلسطينية الرسمية في المحافل الدولية، يقابله نشاط محموم لحكومة إسرائيل، ترصد له ملايين الدولارات، وبالتعاون مع شركات قانونية توظف لهذا الغرض العديد من رجال القانون والمحامين المهرة

 

*    *    *

 

وإذا أضفنا إلى هذا محاولات نتنياهو إجهاض قضية اللاجئين، وحق العودة من مدخل إعادة صياغة وكالة الغوث: إما حلها، أو إحالة وظائفها إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في العالم، أو من خلال إعادة  تعريف اللاجئ، ليقتصر الأمر على الذين ولدوا في فلسطين قبل العالم 1948، دون أزواجهم أو ذريتهم. وهو يعتقد أنه بذلك يلغي واحدة من القضايا التي تؤرق إسرائيل كما تؤرق الولايات المتحدة وأوروبا، والمنطقة كلها، ويزيل من أمام مشروعه للحل القضية الأكثر إستعصاء في المسألة الفلسطينية. وإذا أضفنا إلى هذا أيضاً مشروعه (والمشروع الصهيوني المجمع عليه) للقدس، بإعتبارها «مدينة واحدة» و«عاصمة أبدية» لإسرائيل، ورفضه الإنسحاب من الجانب الشرقي المحتل عام 67، ورفض إدراجها على جدول الأعمال في أية مفاوضات، إلا بما يتعلق بالحقوق الدينية للطوائف (مسلمين ومسيحيين) لأدركنا حقيقة المشروع الذي يتم التحضير له باسم مفاوضات السلام، وأدركنا السقف السياسي الذي يرسمه، بالتفاهم والإتفاق  مع الجانب الأميركي لأي حل قادم.

رئيس السلطة في مقالته في «الغارديان» البريطانية في مئوية بلفور، يعترف أن نتنياهو ليس «شريكاً للسلام» [وكأن القضية هي قضية حرب بين دولتين وليست أعمالاً عدوانية تمارسها يومياً سلطات الإحتلال ضد الشعب الفلسطيني وضد أرضه]. ويعترف أن الإحتلال ماضِ في مشروعه لخلق وقائع على الأرض. ويؤكد في السياق تمسكه بالمفاوضات خياراً وحيداً، كما يؤكد في الوقت نفسه تمسكه «بالحراك الشعبي السلمي» على غرار ما جرى في القدس مؤخراً ــ لكنه لا يوضح للشعب الفلسطيني، (بإعتباره رئيس دولة فلسطين، ورئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس حركة فتح) كيف سيزحزح هذا التعنت الإسرائيلي، خاصة في ظل الإنحياز الأميركي الفاقع للجانب الإسرائيلي.

ففي الوقت الذي يقدم فيه نتنياهو سياسات واضحة تقوم على القوة والتسلط والبطش، لا تقدم القيادة الرسمية السلطوية أية إجابات واضحة للتصدي للسياسات الإسرائيلية سوى كلام عام عن الرهان على الدور الأميركي (الذي جربناه ربع قرن دون جدوى) وعن الإلتزام بالإتفاقات الموقعة مع إسرائيل [والتي مضى عليها ربع قرن دون جدوى فيما كان يفترض أن تصل إلى خواتيمها في أيار (مايو) 1999]. والتمسك بالمفاوضات (التي أصبحت مضيعة للوقت وغطاء لتوسيع المشاريع الإستيطانية)

 

نعتقد أن محاضرة نتنياهو في لندن لا ينقصها الوضوح. ونعتقد أن المسؤولية الفلسطينية تتطلب مراجعة الموقف، وإعادة النظر بالسياسات القائمة، لصالح البدائل الوطنية التي أجمعت عليها كل القوى (بما فيها فتح والرئيس عباس) في حوار القاهرة (2005)، ووثيقة الوفاق الوطني (2006)، وقرارات المجلس المركزي (2015). وسوى ذلك سوف تبقى الحالة الفلسطينية تدور حول نفسها، وتتآكل شيئاً فشيئاً وهذا أسوأ ما يمكن أن يتمناه المرء لقضية شعب دخل في عامه المئة، وهو يناضل من أجل إستقلاله وإستعادة أرضه وحريته.