رأى كثيرون أن التوجه نحو إقرار «قانون المقاطعة» في الكنيست مؤشراً إضافي على تنامي «المكارثية» في إسرائيل، وأن الحديث الممجوج عن الديمقراطية في الدولة العبرية مجرد يافطة مترهلة سبق وأن فشلت أميركا الإمبريالية في إلصاقها كبطاقة تعريف لنظامها الحاكم.

ومنذ خمسينيات القرن الماضي، وضعت حكومات بن غوريون المتعاقبة كل من انتقد الجرائم التي وقعت بحق الشعب الفلسطيني قبيل النكبة وأثنائها في دائرة الاتهام كمتعاون مع أعداء السامية وكعميل للجهات التي تريد أن تقطع الطريق على استكمال المشروع الصهيوني في فلسطين.

وفي الوقت الذي توغل فيه الدولة العبرية في الاعتداء على الشعب الفلسطيني ونهب ممتلكاته، تقرع حكومتها طبول الحرب لتحشيد المجتمع الإسرائيلي تحت وطأة «الخطر الوجودي» الذي يتهدد إسرائيل من محيطها القريب والبعيد.

مساران في واشنطن وتل أبيب يتكاملان في صناعة الأعداء، وإنتاج عملائهم في الداخل. ووضعهم على لائحة الاتهام بعد فبركة القوانين التي تدينهم.

بلورة «قانون المقاطعة» واعتماده في اللجنة الوزارية الإسرائيلية للتشريع يؤكد قوة تأثير حملة مقاطعة إسرائيل التي تنشط في مناطق متعددة من العالم، وقد أشعلت هذه الحملة هواجس دولة الاحتلال نتيجة الخسائر الاقتصادية والسياسية التي لحقت بها، في الوقت الذي تؤكد فيه المؤشرات أن هذه الخسائر تتجه إلى تصاعد مستمر.

وتتعمد الحكومة الإسرائيلية القفز على أسباب قيام هذه الحملة وتوسع نشاطها، ربطا باستمرار الاحتلال ومواصلة سياسة نشر الاستيطان وهدم المنازل ونهب الأراضي، إلى جانب ما تقوم به القوات الإسرائيلية من اعتداءات مباشرة على تجمعات الفلسطينيين وتشجيع المستوطنين على القيام بذلك. وكل ما تجود به ماكنة الدعاية والإعلام الإسرائيلية هو أن تل أبيب تقف في مواجهة حملة المقاطعة انقاذا لإسرائيل، وأن هذه الحملة يقف أعداء السامية وراء نشاطها وتطور دورها.

ويضع مشروع القانون كل فرد أو منظمة في إسرائيل، ينشط في حملة المقاطعة تحت سيف المسائلة القانونية، ويعطي الحق لأي من الإسرائيليين (من بينهم الحكومة) الذي «يتضرر» من نشاط هذه الحملة أن يرفع دعوة قضائية ضد هؤلاء النشطاء، وينص المشروع على عقوبات من بينها غرامات مالية تصل إلى نصف مليون شيكل.

وتريد حكومة نتنياهو أن تضع حدا للأصوات الإسرائيلية التي تمثلها بعض المنظمات الحقوقية، والتي تنادي بوقف الممارسات التي تقوم بها حكومة الاحتلال بحق الفلسطينيين، وتصوير هذه الأصوات أمام المجتمع الإسرائيلي بأنها أبواق لأعدائها في الخارج، ولا تنسى في الوقت نفسه من زج فلسطيني 48 في مقدمة الصفوف التي تؤجج العداء لإسرائيل. ومن هذه الزاوية أصدر الكنيست الإسرائيلي مجموعة من القوانين تضع النواب العرب في الكنيست في قفص اثبات الولاء للدولة العبرية وحاول رهن عضويتهم ودورهم البرلماني بهذا الشرط.

وفي السياق، كالت الحكومة الإسرائيلية سيلا من الاتهامات لمجموعة من الشخصيات الفلسطينية الناشطة في الشأن العام لأنها اتخذت مجموعة من المواقف تتعارض مع سياساتها الاحتلالية. ولا يقتصر الأمر على إجراءات الحكومة بل تدخل على الخط مكونات المشهد السياسي والحزبي الصهيوني، ومن بينها حزب العمل الذي قرر أن النائب العربي زهير بهلول لن يكون مرشحا في انتخابات الكنيست المقبلة وذلك عقابا له على موقفه الرافض للمشاركة في احتفالية المعسكر الصهيوني بالذكرى المئوية لوعد بلفور.

الموضوع الأساسي الذي يستفز حكومة الاحتلال من نشاط حملة المقاطعة أنها تستند إلى جرائم الاحتلال ضد الفلسطينيين كمسوغٍ جوهري لإطلاق دعواتها بمقاطعة إسرائيل سياسيا واقتصاديا وأكاديميا وثقافيا،  وهو أمر يفتح بشكل مباشر على الدعوة إلى إنصاف الحق للفلسطينيين عبر الاعتراف بحقوقهم الوطنية المشروعة، والبدء بضغوط مباشرة تمس واقع الاستيطان ومستقبله. وما زاد القلق للحكومة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، قيام مجموعة من البرلمانات الأوربية وغيرها باتخاذ قرارات تدعو حكوماتها للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وتتزايد وطأة هذه الحملات مع القرارات التي صدرت عن كل من اليونسيف والمجلس العالمي للسلام التابعين للأمم المتحدة، وأكدت حق الفلسطينيين في الولاية على مواقعهم التاريخية في مدينتي الخليل والقدس، وهو ما دفع حكومة نتنياهو للتفكير جديا بالانسحاب من هذه المؤسسات وتشكيل غرفة عمليات مضادة لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وقد عبر عن ذلك نتنياهو على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة منتقدا قراراتها التي تعبر برأية عن «أغلبية ميكانيكية» لا تقدم ولا تؤخر.

ما سبق يدفع للتأكيد على أن الطريق نحو الأمم المتحدة هو الاتجاه الصائب الذي يمكن الشعب الفلسطيني من وضع جرائم الاحتلال تحت مجهر المساءلة القانونية الدولية ربطا بالقرارات والقوانين الأممية ذات الصلة، وهذه الإمكانية توفرت منذ أن اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين دولة تحت الاحتلال على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وسمح بالتالي لفلسطين بالانتساب إلى عضوية عشرات المؤسسات الدولية ومن بينها المحكمة الجنائية صاحبة الصلاحية في تلقي الشكاوى الفلسطينية والبت فيها.

ما عطل هذا التوجه الصائب للأسف هو السياسة الرسمية الفلسطينية التي اعتمدت الجلوس على مقعد الانتظار ترقبا لما يمكن أن يصدر عن الإدارات الأميركية تجاه التسوية وأحجمت بالتالي عن القيام بدورها المطلوب في تفعيل عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية وهو ما أكدت عليه قرارات المجلس المركزي الفلسطيني في دورته السابعة والعشرين (5/3/2015)، ومن بين هذه القرارات إلى جانب ما سبق، وقف  التنسيق الأمني مع الاحتلال وإرساء العملية السياسية على أساس قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمها القرار194، الذي يكفل للاجئين الفلسطينيين حق عودتهم إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها إبان النكبة.

وعبر الالتزام بهذه القرارات يمكن التقدم في العمل الوطني الفلسطيني باتجاه تجسيد الحقوق الفلسطينية ويخرج الحالة الفلسطينية من دائرة التردد والانتظار باتجاه المبادرة. وعلى بوابة هذا الطريق تمثل المهمة الوطنية الكبرى بإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة تحت راية البرنامج الوطني الموحد.

دون ذلك ستنجح حومة الاحتلال في الاستمرار بسياساتها التوسعية والعدوانية على حساب حق الشعب الفلسطيني في العودة والاستقلال الناجز.