بعد أن إحتفل، مع رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، بمئوية «وعد بلفور»، عرج رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، على مركز البحوث في لندن، تشاتهام هاوس ليدلي بدلوه في مسألة حل الصراع، مقدماً سلسلة جديدة من الأفكار، هي في الأساس أفكار قديمة، لكنه قدمها في قالب جديد، حملت في طياتها شروطاً مسبقة للحل، تضاف إلى الشروط التسعة التي حملها المبعوث الأميركي جيسون غرينبلات إلى رئيس السلطة بعد أن تمت صياغتها في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي، في تل أبيب. ثم زاد غرينبلات من شروطه ثلاثة: هي سحب سلاح المقاومة في قطاع غزة، إعتراف حماس بإسرائيل وبالإتفاقات الموقعة معها، وأخيراً، وليس آخراً، نبذ الإرهاب، وإعتماد المفاوضات تحت السقف الأميركي خياراً وحيداً للحل مع إسرائيل.

في لندن، أعاد نتنياهو معزوفته في رفضه لقيام دولة فلسطينية مستقلة، كاملة السيادة، وعاصمتها القدس المحتلة بحدود 4 حزيران 67، وضمان حق العودة للاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها.

لكنه قدم رفضه، هذه المرة، بطريقة حاول فيها أن يبرز براعته في الكذب والتزوير، وإعادة صياغة الحقائق والمبادئ والقيم والأعراف لتتطابق مع المصالح والسياسات الإسرائيلية، العدوانية والأمنية، والعنصرية. لذلك إقترح أن يرسم للعالم تعريفاً جديداً لسيادة الدول. تعريف خاص للدول التي تشبه إسرائيل، بحيث تكون لها كامل السيادة على حدودها، وأرضها وأجوائها، ومياهها الإقليمية، ويكون لها «الحق» في شن العدوان على «الآخرين»، في إطار ما يسمى بالحرب الإستباقية، في ظل تقديرات أن «الآخرين» يحضرون لشن حرب ضد إسرائيل. ووفق هذا المبدأ، وهذه التعريفات، تصبح إسرائيل هي شرطي المنطقة والإقليم، يحق لها وفقاً لمبادئ نتنياهو، أن تعتدي، متى تشاء، وكيفما تشاء على من تشاء، تحت حجة الحرب الإستباقية. وهذا من شأنه أن يهدد أمن لبنان، وسوريا، وإيران، وقطاع غزة، والضفة الفلسطينية. وربما مناطق أخرى رسمت إحداثياتها على خرائط رئاسة الأركان الإسرائيلية.

أما الدول التي لاتشبه إسرائيل، كالدولة الفلسطينية (التي تحدث عنها نتنياهو)، أو الدول العربية الأخرى، كسوريا تحديداً، ودول أخرى، كإيران، فيفترض أن ترسم  لها قواعد جديدة للسيادة، لأنها تشكل خطراً على إسرائيل تحديداً.

يقول نتنياهو إن مشروع الدولة العربية قد فشل إذ حيث ينسحب الإستعمار وتقوم الدول العربية، تسيطر القوى الدينية الأصولية الإرهابية. وأنه حين «انسحبت» إسرائيل من قطاع غزة، هيمنت على القطاع حركة حماس «الإرهابية»، وباقي القوى الفلسطينية المنخرطة مع حماس في «الإرهاب». لذلك لا تستحق هذه الدول، وهذه الشعوب بالضرورة، أن تتمتع بالسيادة الكاملة، بل يجب أن تبقى خاضعة لهيمنة طرف ثالث يحصي عليها أنفاسها ويعطل عليها دورها «الإرهابي».

*       *       *

 في هذا السياق، يرى نتنياهو أن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون منزوعة السلاح [ إلا بما يوفر لها ضبط الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب المحلي]،  وأن لا تكون لها السيادة لا على الحدود، ولا على المعابر الحدودية، ولا على الأجواء، ولا على المياه الإقليمية. وهذا يفترض، حسب تعريف نتنياهو، أن يتواجد جيش الإحتلال على طوال الحدود الفلسطينية مع الأردن، و أن يراقب المعابر الجوية والبرية والبحرية الخاصة بالدولة الفلسطينية حتى لا تكون منفذاً لتسلل «الإرهاب» الخارجي الدولي، وأن تسيطر إسرائيل على أجواء الدولة الفلسطينية بحيث يكون سلاح الجو الإسرائيلي هو السلاح الوحيد المسموح له بالتحليق في سماء الدولة الفلسطينية، و الأمر نفسه بشأن المياه الإقليمية الفلسطينية وبحرية الجيش الإسرائيلي.

ولا يخفي نتنياهو خلفية فلسفته هذه، مؤكداً أن أمن إسرائيل هو العامل الرئيسي والأول الذي يقرر طبيعة الحل مع الفلسطينيين، وطبيعة الكيان الفلسطيني الذي سيسفر عنه الحل، وحدود سيادة هذا الكيان.

ليس في كلام نتنياهو أي شيء جديد. وهو كلام قاله من قبله (مواربة) رئيس حكومة إسرائيل إيهود باراك، وإيهود أولمرت، وعرض مشروعاً مماثلاً له حزب العمل الإسرائيلي، ويلقى تأييد اليمين الإسرائيلي المتطرف.

وهو يعني بعبارة أخرى، بقاء جيش الإحتلال عند نهر الأردن، مع عمق أمني لهذ التواجد، بحيث يكون له خطوط حركة وإمداد نحو «العمق الإسرائيلي»، أي أن تكون الضفة الفلسطينية هي مسرح حركته وبالتالي سيكون إنسحابه شكلياً، في إطار خطة جديدة، لرسم «حدود التعاون الأمني» بين الدولة الفلسطينية، وبين سلطات الإحتلال، لكن هذه المرة سيأخذ طابع «التعاون بين دولتين» في إطار «إتفاق سلام».

ويتواجد الجيش الاسرائيلي (الصديق) مع الأمن الفلسطيني على المعابر الحدودية البرية والبحرية والجوية، [إما مباشرة أو على طريق معبر رفح برقابة الكترونية] إلى جانب طريق ثالث (الإتحاد الأوروبي) ويكون للجيش الاسرائيلي حق الفيتو في منع سفر أو دخول من يشاء من المسافرين، بغض النظر عن جنسيته، وفق مبدأ، أن السيادة على المعبر ليست للدولة الفلسطينية بل للجيش الاسرائيلي.

طبعاً لا يطال هذا الإجراء المسافرين فقط، بل سيطال بالضرورة الحركة التجارية أيضاً، لسببين: الأول « منع تهريب السلاح وأدوات التخريب» إلى أرض الدولة الفلسطينية خوفاً من أن يتسرب إلى أيدي إرهابية أو يتم تسربه إلى داخل إسرائيل. أما السبب الثاني فهو التأكد من فرض رسوم جمركية على البضائع الواردة إلى أسواق الدولة الفلسطينية، وبحيث يصبح سعرها قريباً من أسعار مثيلاتها في إسرائيل، حتى لا يتم تهريبها سراً إلى داخل إسرائيل، ما يلحق الضرر بالإقتصاد الإسرائيلي. وهذا ما يعيدنا إلى بروتوكول باريس. لكن هذه المرة سيكون بروتوكولاً «لتعاون تجاري وإقتصادي» بين دولتين، هما إسرائيل والدولة الفلسطينية.

بشيء من التدقيق البسيط، سنجد أنفسنا أمام نسخة أخرى من الحكم الإداري الذاتي، الملحق أمنياً وإقتصادياً (وبالتبعية سياسياً) بإسرائيل، لكن بدلاً من أن يحمل إسم «السلطة الوطنية الفلسطينية» سيحمل إسم «دولة فلسطين». طبعاً دون أن تكون القدس هي عاصمتها. [لعل هذا ما يشرح لنا لماذا تخطط السلطة الفلسطينية لعشرات السنوات لمدينة رام الله لتكون المدينة الأولى في الدولة الفلسطينية] مع نسف لخطوط 4 حزيران التي لا يعترف بها نتنياهو. إذ يفسر القرار 242 أنه يتحدث (فقط) عن حدود آمنة لإسرائيل. ولأن مسألة الحدود والأمن هي مسألة ترسم معالمها وتعريفها حكومة إسرائيل، وليس سواها، فإن الحدود الآمنة بالنسبة لنتنياهو هي الحدود مع الأردن، حيث يجب أن ينتشر جيش الإحتلال. ما يعني سقوط حتى الموافقة المسبقة من المفاوض الفلسطيني على تبادل للأراضي متفق عليه.

لا شيء يتم الإتفاق عليه إلا ما يناسب أمن إسرائيل، وهي معنية بفرض شروطها ميدانياً كما تراها مناسبة.

بعد هذا، لا يستبعد أن يتم الحديث عن أن الطرفين توصلا إلى حل عملي يشكل تطبيقاً لحل الدولتين. وتستند إسرائيل في ذلك إلى المبدأ الذي وافقت عليه القيادة الفلسطينية الرسمية السلطوية وهو: إن أي حل يتفق عليه الطرفان يشكل التطبيق العملي لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية.

يبقى السؤال، وهو هل وصلت أنباء محاضرة نتنياهو إلى القيادة الرسمية السلطوية، وكما أطلعت على ما جاء عنها في صحيفة «هآرتس» في 5/11/2017. وهل مازالت تراهن على إستئناف المفاوضات، وهل مازالت تراهن على أن الرئيس ترامب وعد رئيس السلطة بأنه سيقدم مبادرة للحل تقوم على حل الدولتين.

ها هو نتنياهو قدم «المبادرة» ، التي سوف يعلن عنها لاحقاً ترامب [إذا ما صدقت رهانات القيادة الفلسطينية] وهذا هو «حل الدولتين» كما تقرأه إسرائيل، وكما تقرأه معها الإدارة الأميركية.

 

للبحث صلة