تتهادى الفتاة العشرينية الجميلة مع حقيبة سفر بنية متوسطة الحجم في طريق رملي يتفرع عن محطة سكة حديد غزة في أحد صباحات شباط 1958، سائرة خلف عامل المحطة الأربعيني الشهم الذي أدهشه وصول هذه الفتاة وحدها من مصر، والذي سوف تكتشف لاحقاً بأنه العم منصور، أحد معارف عائلتها في يافا قبل حرب النكبة واللجوء. رأسها تحتله أفكار مشوشة وأسئلة لا نهاية لها. ها هي تعود إلى «الوطن» بعد أحد عشر عاماً من مغادرتها له كطفلة لم تتجاوز عامها الحادي عشر. أذهلتها وأخافتها صحراء سيناء الرملية التي لهث قطار القاهرة طويلاً كي يكتشف نهاياتها أو على الأقل يفكك بعضاً من غموضها. وصل القطار مُنهَكاً إلى غزة، ومُنهِكاً من حملهم إليها، ومعهم كريستينا التي تفاقمت في داخلها الأسئلة وغموض ما تحمله لها الأيام. حياتها التي بدأت عادية ووئيدة ومليئة بالحب في يافا تبعثرت على أيدي قدر ماجن شاء أن يتسبب لها بورم خبيث في إبهامها هدد حياتها وما كان له حل إلا البتر، ولا مكان كان يُضمن فيه البتر إلا بريطانيا ومستشفياتها. كان ذلك قبل حرب 1948 بأسابيع قليلة حين وافق أبوها عوني السعيد على إرسالها مع صديقه المقرب والمخلص جورج إلى لندن. جورج، خريج أكسفورد في الدراسات الشرقية والمقيم في فلسطين، وعد عوني بأن ابنته ستكون بخير وأن المسألة كلها لا تتعدى عدة أسابيع وتكون «فضة» قد عادت إلى يافا.

رغم تأكيداته وجهده النبيل فإن جورج الذي وصل لندن مع فضة كان يُخفي قلقاً متزايداً في داخله جراء تسارع الأحداث السياسية. كانت تصله أخبار لا تُبشر عن طريق قريبه عضو البرلمان، وكان شبح وعد بلفور يتطاول ويتجسد على الأرض كما لم يتجسد طيلة الثلاثين سنة التي تلت يوم إصداره المشؤوم. الـ «بضعة أسابيع» السريعة التي كان من المُفترض أن تقضيها فضة في لندن وتتعالج فيها ثم تعود إلى حضن أبيها وأمها استطالت إلى أحد عشر عاماً على إيقاع تنفيذ الجريمة البلفورية على الأرض. بقيت «فضة» الجريحة والمبتورة الإبهام والمبتورة عن أهلها في لندن، في كنف جورج الذي عاملها كابنته وسماها كريستينا، الاسم الذي عُرفت به في المدرسة وفي حياتها الجديدة.

أما هناك في الوطن الذي سُلب فقد كان البتر أشد وأقسى. بُترت عائلة «فضة» وهُجرت مع مئات الألوف شمالاً أو جنوباً، وانتهت عائلات وأقارب العائلة في مخيمات نصبت على عجل في شمال قطاع غزة. وأثناء حرب البتر الجماعية تلك وبعيدها قضى الأم والأب. «فضة» كانت ما زالت تحلم بالعودة إلى والديها حتى لو لم تكن تلك العودة إلى بيت يافا الدافئ. عرفت من جورج أن أهل يافا طُردوا منها وأن والديها وعائلتها قد استقرت على الأغلب في غزة. لم تكن تعلم أن البتر كان أعمق كثيراً مما تخيلته. كان عليها أن تعيش حلم الارتماء في أحضان أمها وأبيها أحد عشر عاماً أخرى، قبل أن تبتلع المرارة الخانقة لحظة وصولها مع العم منصور إلى المخيم بعد أن لفظها ذلك القطار الأهوج في محطة سكة حديد غزة. آنذاك عرفت إن كل ماضيها الطفولي الجميل دمرته بريطانيا التي ينتمي إليها جورج النبيل، والذي اضطرت بعد وفاته مباشرة أن تغادر بيته الذي كان يضيق عليها بسبب نفور بعض أفراد عائلة جورج منها عدم استساغتهم لبقائها بينهم. منذ لحظة ابتلاع المرارة في المخيم واكتشاف عمق البتر الذي حصل في حياتها صارت «كريستينا» ابنة المخيم. وفيه عاشت وعملت تجذرت أكثر من نصف قرن تحولت خلاله إلى «الحاجة كريستينا»، حيث أضفى عليها العمر والحكمة والتجربة هالة سحرية، صارت بها جميعاً قرة عين المخيم، ووجعه، وبؤره مجلس نسائه.

هذه هي بعض خيوط ومرارات البتر التي مرت بها «الحاجة كريستينا» كما يخبرنا عاطف أبو سيف، الكاتب والأكاديمي والناشط السياسي والروائي الفلسطيني، ابن غزة، في رحلة مريرة ورصينة الصياغة عبر روايته الأخيرة «الحاجة كريستينا» (الصادرة عن دار الأهلية، عمان، 2016). هنا يعيد أبو سيف سرد نكبة الفلسطينيين ولجوئهم وأوجاعهم من زاوية جديدة وملفتة. في «حياة معلقة»، روايته السابقة التي وصلت إلى القائمة القصيرة في مسابقة الجائزة العالمية للرواية العربية، سلط أبو سيف مجهره الروائي على حيوات الناس التي «عُلقت» في مدن ومخيمات القطاع بعد النكبة، حيث انحشروا في خيم «الأونروا» وغرف الصفائح الضيقة والحقيرة تاركين أفئدتهم مبتورة نصفين على جانبي الأسلاك الشائكة التي صارت تفصلهم عن فردوساتهم المفقودة. ظلوا معلقين عقوداً مريرة من السنين وهم يحصون أشعة الشمس وماء البحر بانتظار عودتهم إلى بيوت تركوا أبوابها مفتوحة، بمظنة أن مغادرتهم لها ستكون قصيرة وسريعة.

أبو سيف المولود في مخيم جباليا في غزة كبر على حكايات جدته «عائشة» بنت يافا وعاشقتها، والتي كتب مرة أنه يتمنى أن يكتب قصتها وأن يكون وفياً لعشقها لمدينة البحر وحكاياتها. لنا أن نقرأ الآن جانباً من حياة وذاكرة وعشق «عائشة» لحارتها وناسها ومدينتها المفقودة في «الحاجة كريستينا». فهذه الأخيرة وبعد أن أدمنت الوجع والمرارات تحولت إلى شبه قديسة، لا تعتاش على حكايات الماضي اليافاوي واللندني وحسب، بل تصنع حكاياتها الخاصة، وحكايات من حولها. تعيش عوالم عديدة مرت بها، فلسطين ما قبل النكبة، بريطانيا الناكبة وسنوات ما بعد النكبة، ثم مخيمات غزة ونكباتها المتتالية وصولا إلى حرب إسرائيل على القطاع عام 2009. وفي وسط هذه العوالم تحتفظ بزيارة دورية لما يُعتقد بأنه قبر أدموند الشقيق الأكبر لجورج النبيل، والذي قتل في الحرب العالمية الأولى في حروب البريطانيين مع الأتراك ودفن في مقبرة الإنجليز في غزة.

الحاجة كريستينا، وكما كانت الجدة عائشة، ليست امرأة عادية، ولا فرداً عابراً في زمن ومكان معينين، هي الصورة البطيئة لمشهد «البتر» وتخليق حواضر للبشر مفصومة عن ماضيهم بتدخل الغريب ـ الوعد ومنفذيه. قارئ «الحاجة كريستينا» لا يستطيع فصلها عن ثيمة «البتر»، اللعنة التي لاحقتها منذ يفاعتها وظلت رفيقتها في الحياة، تتجدد في مراحل عمرها فـ «تبتر» قريبة معمرة لها هنا، أو صديقة مخلصة لها هناك، وتأتي لها بأخبار كلها مبتورة، قصص  عصية على الاكتمال، وأحلام مشطورة لـ «فريال» و«سلطانة»، وتمنيات يبلعها البحر كما هي تلك القوارب الفقيرة لصيادي غزة، منخورة بالتآكل مثل قارب «حمدي» المتهالك بعد ستين سنة من الصيد. يتواصل «البتر» في حياة «الحاجة كريستينا»، وشعبها، ويتواصل على الضفة الأخرى من السلك الشائك ترسخ الوعد البلفوري الذي قصم ظهر «فضة» وحولها إلى «كريستينا» ومعها قصم ظهر شعب بأكمله. لا تتوقف قصة البتر واللااكتمال في غموضها وتقلب رواياتها، فتختفي في يوم ما الحاجة كريستينا من المخيم. يقول شهود: إنهم رأوا سيارة تابعة للسفارة البريطانية تنقلها من بيتها وسط ضجيج قنابل الطائرات الحربية وزعيقها والانفجارات التي تدوي في طول وعرض القطاع. الحاجة كريستينا تحمل جواز سفر بريطانيا من سنوات عيشها هناك، وهي مسجلة كواحدة من الرعايا البريطانيين في غزة، والسفارة مهجوسة بتأمين وترحيل رعاياها. يندهش الناس ويتساءلون: لماذا تقبل كريستينا المغادرة وهي قد صمدت أمام ويلات كبيرة وأكبر واجهت غزة في العقود الخمسين الماضية. لماذا تقبل «البتر» طواعية هذه المرة ولا تواصل نشر ابتسامتها الساحرة في المخيم، وبسط الجسر الدافئ الذي تصل به بين عوالمها الداخلية، وعوالم من حولها. بلفور لم يأخذ فلسطين ويمنحها لليهود فحسب بل سرق أيضاً جزءاً من قلب «فضة» ومزق ما تبقى من أجزاء.