شهدت الاحتفالات بذكرى مرور مئة عام على وعد بلفور، في العاصمة البريطانية لندن، انقسامات وتباينات في المواقف، لم يسبق لها مثيل بشأن الموقف من هذا الوعد، سواءً بين حزب المحافظين الحاكم وحزب العمال المعارض من جهة، أم داخل كلّ حزب على حدة، من جهة أخرى. هذا فضلاً عن ظهور دعوات تحصل لأول مرة للاعتذار عن هذا الوعد، بما يمكن أن ينطوي على إمكانية تحقيق تغيرٍ ملموس في الموقف البريطاني مستقبلاً إزاء القضية الفلسطينية عموماً، علماً أنه من المعروف أنّ وعد بلفور شكّل الخطوة الأولى في طريق تأسيس الدولة الإسرائيلية عام 1948، وتسبّب بعدها في مأساة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ قرابة السبعين عاماً.

وقد تمسّكت حكومة حزب المحافظين الحالية بدعم الاحتفال بمئوية الوعد المشؤوم، وتفاخرت رئيستها، تيريزا ماي، بـ«الدور الريادي الذي لعبته بلادها في إقامة دولة إسرائيل»، وذلك في حفل العشاء الذي أقيم في المناسبة، بحضور نظيرها الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كانت دعته إلى زيارة لندن للمشاركة في هذا الحفل «على شرف مئوية بلفور»، وبحضور أحفاد روتشيلد واللورد آرثر بلفور، وزير الخارجية آنذاك، الذي أطلق الوعد ووجّهه إلى الزعيم اليهودي وولتر روتشيلد.

وعلى رغم أنّ ماي أكدّت في كلمتها، على موقف بريطانيا المؤيد لحل الدولتين؛ «دولة إسرائيلية مزدهرة وآمنة إلى جانب دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للبقاء»، إلا أنها حذرت من «شكل جديد وخبيث لمعاداة السامية يستغل انتقاد أفعال الحكومة الإسرائيلية ذريعة مقيتة للتشكيك بحق إسرائيل في الوجود»!.

لكن، وبينما كانت ماي ونتنياهو محتفلين على مأدبة العشاء، كان هنالك جمهور محتجٌّ خارج القاعة يطالب بالاعتراف بالمعاناة التي سببها «الوعد» للشعب الفلسطيني، والاعتراف بحق هذا الشعب بإقامة دولته المستقلة على أرضه.

موقف جونسون الملتبس

أما وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، فقد نشر مقالاً في صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، وفي صحيفة «يديعوت» الإسرائيلية في آن معاً، أشار فيه إلى أنّ «حل الدولتين يجب أن يشمل دولة فلسطينية متصلة الأراضي وقابلة للحياة إلى جانب إسرائيل آمنة»، واقترح السعي لاتفاق سلام استنادا إلى حدود 1967 مع تبادل متساوٍ للأراضي.

ووصف جونسون نفسه في هذا المقال بأنه «صديق لإسرائيل»، وبأنه «فخور بدور بريطانيا في إنشاء إسرائيل»، متذكراً كيف تطوع للعمل بأحد «الكيبوتزات» في شبابه، ورأى خلاله «معجزة إسرائيل»، لكنه أبدى في الوقت نفسه «حساسية عميقة تجاه معاناة أولئك الذين تضرروا وطردوا بفعل ولادة إسرائيل»، وقال إن «التحفظ القانوني الأساسي في وعد بلفور - الذي صيغ لحماية الطوائف الأخرى (غير اليهودية) - لم يلتفت بالكامل إليه»، في إشارة إلى الجزء الآخر من تصريح بلفور، الذي «يرفض المسّ بالحقوق المدنية والدينية للجاليات غير اليهودية الموجودة».

وهذه إشارة إيجابية (من جونسون طبعاً)، ولكن مع لفت الانتباه إلى أنه يتعمّد هنا، طمس ما ينطوي عليه تصريح سلفه قبل قرن من الزمان، ذلك أنّ بلفور يحيل من خلال هذه الإشارة أصحاب البلد الأصليين، الفلسطينيين (وكان تعدادهم أكثر من 700 ألف نسمة، ويمثلون أكثر من 90 % من السكان)، إلى مجرد «جاليات غير يهودية»، ما يعادل (أغيار أو غوييم) وفق المصطلحات العبرية. وأن «تفضّله» عليهم بمطالبته عدم المس بحقوقهم المدنية والدينية يُغفل، أو بالأحرى يُسقط، «حقوقهم السياسية» التي يفترض أن تضمن لهم حكم بلادهم!. هذا فضلاً عن أنّ تأسيس تلك «الأمة العظيمة»، كما يسميها، حوّل غالبية هؤلاء الفلسطينيين إلى لاجئين في بلدهم وخارجها، وجعلهم الشعب الوحيد في العالم الذي لا زال يخضع للاحتلال، ولا تمثّله دولة معترف بها أممياً حتى الآن!!.

الموقف «العمالي»

وفي المقابل، كان حزب العمال أقلّ تحمّساً للاحتفال، واتخذ موقفاً تاريخياً غير مسبوق بالدعوة إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وسط حملة شعبية كبيرة على مستوى أوروبا بأكملها، نجح في تنظيمها المؤيدون للشعب الفلسطيني، دعت الحكومة البريطانية للاعتذار العلني عن «وعد بلفور» وعدم المشاركة في الاحتفالات الإسرائيلية في الذكرى المئوية الأولى لصدور هذا الوعد.

كما رفض زعيم حزب العمال المعارض في بريطانيا، جيرمي كوربن، المشاركة في الاحتفال بـ«مئوية بلفور». واعتبرت صحيفة «التايمز» البريطانية أنّ موقفه هذا يأتي على خلفية كونه «مناصراً قوياً للقضية الفلسطينية ودعا مراراً إلى إنهاء الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، كما أَيّد حل الدولتين، وتجنب مؤخراً حضور حفل استقبال أصدقاء إسرائيل أثناء المؤتمر السنوي لحزب العمال».

وإلى ذلك، فقد طالبت وزيرة الخارجية في حكومة الظل العُمالية، إميلي ثورنبيري، بإحياء ذكرى «الوعد» عبر الاعتراف بدولة فلسطين، وقالت إن «بريطانيا لا تحتفل بوعد بلفور بقدر ما يشكل هذا الحدث نقطة تحول في تاريخ المنطقة، حيث أن أهم خطوة في هذا السياق الآن هي الاعتراف بدولة فلسطين، وقد حان الوقت للقيام بذلك». وأضافت أنّ مواقف بريطانيا تجاه إسرائيل «يجب أن تكون مبنية على قدر التزامها بحل الدولتين».

دعوات إلى الاعتذار

وعلى غرار الموقف الشجاع لكوربن، وفي الاتجاه المضاد لمواقف حكومة لندن، قامت مبادرات شعبية بريطانية للاعتذار للشعب الفلسطيني ومنها قيام وفد من 60 شخصاً بالسير على الأقدام نحو ستة أشهر قاطعا آلاف الكيلومترات عبر 11 بلداً وصولاً إلى فلسطين لتقديم «براءته من وعد بلفور» والاعتذار نيابة عن الشعب البريطاني.

يذكر أنّ كوربن كان من بين الذين أيدوا حملة المطالبة بالاعتذار منذ انطلاقها، واستضاف أول لقاءاتها في البرلمان، وهو لقاء كان قد نظمه مركز العودة الفلسطيني.

وكان مركز «العودة» الذي يتخذ من لندن مقراً له، أطلق أول حملة لمطالبة الحكومة البريطانية بالاعتذار عن وعد بلفور في العام 2013. كما أطلق المركز عدداً من العرائض العامة ودعا البريطانيين للتوقيع عليها، حيث تمكن من جمع آلاف التواقيع لدعم هذا المطلب.

 

كاتب بريطاني: المملكة المتحدة مدينة للفلسطينيين بـ«دولة»

قال الكاتب البريطاني كيفن ماجواير، إن بلاده لا تزال مدينة للفلسطينيين بدولة، وذلك في مقال له بصيحفة (ميرور) البريطانية (31/10)، مؤكداً أن ما يعتبره الإسرائيليون «لحظة سارّة مهدّت الطريق لقيام دولتهم بعد أهوال الهولوكوست»، يعتبره الفلسطينيون قراراً مُحزناً اتخذته الإمبراطورية البريطانية لتقسيم أرضهم عام 1917.

وبحسب الكاتب، فإن إعلان «وعد بلفور»، المكوّن من 67 كلمة فقط، والذي أرسله وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر بلفور إلى اللورد وولتر روتشيلد، «لا يزال أقصر رسالة أثارت نزاعات في تاريخ السياسة الدولية».

وقال ماجواير إن بريطانيا لا يمكنها أن تتهرب وتلتمس أعذاراً، لأنها عندما كانت أكبر قوة استعمارية اختارت الانحياز إلى أحد الأطراف في واحد من أكثر الصراعات العالمية استعصاءً على الحل بشهادة عشرات السنين.

ولفت الكاتب إلى تباين الآراء بعمق إزاء هذه القضية فيما بين الأحزاب السياسية، وفي داخل كل حزب على حدة على نحو ينحدر أحياناً إلى الصراخ وتبادل الاتهامات بالعنصرية ومعاداة السامية ورهاب الإسلام.

ورأى الكاتب أن الهدف الدبلوماسي هو «إسرائيل آمنة في حدودها الشرعية وفلسطين حرة»، لكن الوقت يتسرب لحل الدولتين بينما إسرائيل تستولي على أرض فلسطينية وتبني عليها مستوطنات غير شرعية.

وأكد الكاتب البريطاني أن إعادة الزمن إلى الوراء ليس ممكناً ولا مستحباً؛ وإذا كان من حق إسرائيل أن توجد، فإن الفلسطينيين الذين يطالبون باعتذار عن وعد بلفور هم أيضاً من حقهم الخلاص من الاضطهاد والحصول على دولتهم. وأضاف: إن وعد بلفور، الذي نصّ على ضمان حقوق «المجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين»، منكوثٌ به بشكل سافر - وهي حقيقة مزعجة تناساها المحتفلون في لندن هذا الأسبوع.

 

 

واختتم الكاتب قائلاً: «إن بريطانيا لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتهرب من ماضيها أو أن تتنصل من مسؤوليتها الأخلاقية».