في خطوة درامية كبرى وغير مسبوقة في التاريخ السعودي، قامت سلطات الرياض (5/11) بتوقيف 11 أميراً من العائلة المالكة و38 وزيراً ونائب وزير حاليين وسابقين، وسط حملة ما زالت مستمرة تشمل متهمين في «قضايا فساد وغسل أموال وتقديم رشاوى وابتزاز مسؤولين واستغلال نفوذ لتحقيق مصالح شخصية». وقبلها بأشهر، كانت جرت اعتقالات شملت رجال دين ودعاة ومثقفين ليبراليين وأكاديميين.

ومن أبرز الموقوفين الأمير متعب بن عبد الله، وزير الحرس الوطني ونجل الملك السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، وشقيقه الأمير تركي، أمير الرياض السابق. وهنالك أيضاً الأمير والملياردير السعودي المعروف، الوليد بن طلال، صاحب شركة المملكة القابضة، الذي يعدّ أحد أكبر الأغنياء في العالم بثروة تقدر بـ18 مليار دولار، وهو يملك استثمارات كبيرة في شركات عالمية مثل مجموعة سيتي المصرفية وموقع تويتر، فضلاً عن امتلاك مجموعته لحصص كبيرة في عدد من الشركات القيادية في البورصة السعودية، وعليه، فقد حذر خبراء اقتصاديون من أن توقيفه يمكن أن يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واسعة بسبب تداخل مصالحه الواسعة مع مستثمرين آخرين.

أمراء ونافذون

ومن بين الموقوفين الأمير فهد بن عبد الله بن محمد (نائب وزير الدفاع السابق)، والمفاوض الرئيسي في صفقة «اليمامة» العسكرية مع بريطانيا، وتركي بن ناصر (الرئيس السابق للأرصاد وحماية البيئة)، إضافة إلى عادل فقيه، وزير الاقتصاد، الذي أُعفي من منصبه، ووزير المالية السابق ابراهيم العساف، عضو مجلس إدارة شركة أرامكو، المتهم بـ«اختلاسات من ضمنها مشروع توسعة الحرم المكي ونزع الملكيات في المناطق المجاورة له بالإضافة إلى استغلاله لمنصبه».

كما ضمّت قائمة الموقوفين رجال أعمال مشهورين، كرئيس مجموعة (MBC) التلفزيونية، وليد الإبراهيم، ورئيس ومؤسس البنك الإسلامي، صالح كامل واثنين من أبنائه، ورئيس الديوان الملكي السابق خالد التويجري، وخالد الملحم رئيس الخطوط السعودية السابق، وسعود الدرويش رئيس مجلس إدارة شركة الاتصالات السعودية، وبكر بن لادن (رئيس مجموعة بن لادن)، وغيرهم.

وشملت حملة التوقيف جميع المسؤولين عن قضية سيول جدة وفتح ملفها من جديد، وفتح ملف المدن الاقتصادية بالكامل وإيقاف المسؤولين عنها، وهذه القضية بالذات كانت محل جدل وغضب شعبيين لفترة طويلة انتهت بيأس كثير من السعوديين في إمكانية محاسبة المتورطين فيها.

وأبرز التهم الموجهة إلى الموقوفين في قضايا الفساد هي غسيل الأموال، والتلاعب في أوراق مشاريع مدن اقتصادية، واختلاسات وصفقات وهمية، وتوقيع صفقات غير نظامية، وترسية عقود في مقابل الحصول على رشوة.

هيئة عليا لاجتثاث الفساد

وجاءت الاعتقالات بعد ساعات من تشكيل الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، «لجنة عليا لمكافحة الفساد» أسندَت رئاستها إلى نجله، ولي العهد الأمير محمد، وأعلن أن مهمتها «حصر المخالفات والجرائم والأشخاص والكيانات ذات العلاقة في قضايا الفساد العام»، على أن يدخل في صلاحياتها «التحقيق، وإصدار أوامر القبض، والمنع من السفر، وكشف الحسابات والمحافظ وتجميدها، وحجز الأموال والأصول ومنع نقلها أو تحويلها من قبل الأشخاص والكيانات أيا كانت صفتها».

واعتبر البيان الملكي الخاص بتشكيل «اللجنة» بأنه «لن تقوم للوطن قائمة ما لم يتم اجتثاث الفساد من جذوره، ومحاسبة الفاسدين، وكل من أضرّ بالبلد، وتطاول على المال العام».

وقد وصفت هذه الخطوة، التي أطاحت برؤوس كبيرة في المملكة كانت محصّنة ضد أي محاسبة أو مساءلة، بأنها «انهاءٌ لعهد الإقطاعيات العائلية في السعودية»، و«كفٌّ عن توريث مناصب الأمراء والوزراء إلى الأبناء». واعتبر مراقبون أنه سيكون لها «تداعيات إيجابية عدة؛ بينها تكريس دولة القانون وحماية المال العام وتسريع وتيرة الإصلاح وتعزيز مبدأ الشفافية، والدفع قُدماً نحو تحقيق رؤية المملكة 2030».

وكان ولي العهد قطع وعداً على نفسه، في أيار/ مايو الماضي، بأن يحارب الفساد في بلاده، مؤكداً أنّ «الأمر لن يستثني أحداً مهما بلغت مرتبته أو موقعه أو مكانته»، في وقت يشكو فيه السعوديون من حالة «احتكار الثروة بيد أمراء العائلة الحاكمة ورجال الأعمال المحيطين بهم أو المتملقين لهم، وشيوع الفساد وعمليات النهب الواسعة من خزينة الدولة ومواردها، واتباع سياسات اقتصادية تنحو باتجاه تركيز الثروة في أيدي هؤلاء الأمراء والمسؤولين، الذين يلقبون بـ«الهوامير»، كناية عن سطوتهم ونفوذهم الكبير، الأمر الذي تسبّب بخلق فجوة كبيرة من التفاوت في الثروة والدخل وعدم المساواة بين هؤلاء «الصفوة» وعموم الشعب السعودي.

وقد زاد من عمق هذه الفجوة واتساع تأثيراتها السلبية، تراجع أسعار النفط خلال الأعوام السابقة واضطرار الحكومة إلى تقليص النفقات وانتهاج سياسات اقتصادية لا تعتمد على الثروة النفطية وحدها.

هذا كلّه قد يكون ساهم، حسب مراقبين، إلى «القطع مع السياسات السابقة» والتحرك على نحو مغاير للأسلوب المعتاد الذي ميّز الحكم السعودي، وهو «التوافق والحفاظ على توازنات بين فروع العائلة عبر توزيع مراكز القوة؛ المالية والسلطوية، فيما بينها». وهو ما دفع البعض إلى التكهن، كذلك، بأننا بصدد «عملية غربلة واسعة في صفوف النخبة السعودية الحاكمة ومراكز النفوذ الاقتصادي، تتماشى مع الحاجات الاقتصادية الراهنة في البلاد من جهة، ومع حاجة الأمير الجديد الطامح للوصول سريعاً إلى سدة العرش، من جهة أخرى»، إذ أنّ هذه العملية ستساعده في تمهيد الطريق أمامه لـ«إحكام قبضته على مقاليد الأمور والإمساك بكل مفاصل القرار السياسي والاقتصادي، من دون أي منافسة داخل العائلة المالكة».

تشكيك وانتقادات

لكن، وعلى رغم التأييد الذي حظيت به هذه «الحملة المفاجئة» لدى فئات شعبية عدة في البلاد، إلا أنها أثارت في المقابل، العديد من التساؤلات والملاحظات لدى قطاعات أخرى، وخصوصاً من «المتشككين في المسار الذي تسلكه مؤسسة الحكم السعودية برمتها»، الذين طرحوا تساؤلات عدة؛ من قبيل لماذا الآن؟ وهل هؤلاء الذين تم توقيفهم في السعودية هم الفاسدون الوحيدون؟. وألم تكن السلطات السعودية تعرف بنشاط هؤلاء الأشخاص على مدى السنوات الطويلة الماضية؟!.

ورأى هؤلاء المتشكّكون أن كل ما يتخذ من قرارات في المملكة حالياً، لا يستهدف سوى «التخلص من أي تهديد محتمل من قبل أطراف سياسية، ربما تعارض تولي محمد بن سلمان السلطة»، وأنّ توقيف هذا العدد الكبير من الأمراء والمسؤولين النافذين في البلاد، «لا يمثل إلا مرحلة من مراحل إخلاء الساحة لولي العهد، لتولي سدة الحكم في البلاد، من دون منازع». ولم يصدق البعض، أنّه «لا توجد خلافات شخصية بين ولي العهد والأمراء والمسؤولين الموقوفين»، أو بأن القانون «سيطبق على الجميع لا فرق بين أمير أو أي أحد آخر»!.

وشكّك البعض بإمكان مكافحة جدية للفساد من قبل «سلطة مطلقة»، تقع في الأصل خارج المساءلة والمحاسبة ولا تتوفر على أية آليات أو ضمانات قانونية لـ«لحماية الأبرياء من تسلّطها عليهم، أو تأمين ضمانات للدفاع عن براءتهم وحقوقهم وأموالهم وكراماتهم»!.

 

 

الإعلام الغربي والحملة السعودية؟         

تصدرت الحملة المفاجئة ضد الفساد في المملكة اهتمامات الصحف الغربية، التي رأى أغلبها بأنها «استعراض للقوة من قبل ولي العهد، يهدف إلى إزالة أي معارضة محتملة له»، فيما حاول البعض الربط بينها وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وقالت صحيفة «إندبندنت» البريطانية إن احتجاز الأمير متعب بن عبدالله، يؤسس لـ«بسط سيطرة ولي العهد على المؤسسات الأمنية»، التي كان يسيطر عليها سابقاً أفرع مختلفة من الأسرة الحاكمة. (وهو ذات الرأي الذي خلصت إليه صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية).

واعتبرت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية أيضاً، أنّ ما حصل لا يمثل أكثر من «تشديدٍ لقبضة ولي العهد الحديدية على العائلة الحاكمة، ومنع كل المنافسين المحتملين»، سواءً على الصعيد المالي، أم على الصعيدين السياسي والعسكري.

وحاولت شبكة «سي.إن.بي.سي» الأميركية إيجاد صلة بين «لاعبي القوة» السعوديين، بحسب وصفها، وترامب الذي سارع إلى الاتصال بالعاهل السعودي، عقب الخطوة مباشرة، وبعد زيارة سرية لمستشار البيت الأبيض، جاريد كوشنر صهر ترامب، قبل أيام للمملكة.

وأشارت الشبكة إلى العلاقة القوية التي تربط ترامب وصهره كوشنير بالأمير محمد بن سلمان، في مقابل الخلاف بينهما وبين الوليد بن طلال، الذي كان هاجم ترشح ترامب للرئاسة عام 2015، واعتبره «عارٌ على أميركا»!.