مؤشرات كثيرة يحملها تفجير نفق للمقاومة الفلسطينية في غزة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، أبرزها أن تل أبيب تريد أن تضع مسار المصالحة الفلسطينية في الاتجاه الذي تريده وخاصة فيما يتعلق بسلاح المقاومة وبنيتها.

وإذا كان نتنياهو قد خفف شكلياً من لهجته المعادية لإبرام الاتفاق بين حركتي فتح وحماس، إلا أنه أكد في الوقت نفسه أن حكومته ستظل في موقع المراقب الدؤوب لما يجري على الأرض؛ وستتدخل في الوقت الذي ترى فيه ما يهدد أمنها.

وتدل المؤشرات أيضاً على أن توقيت التفجير ومنع الاحتلال إنقاذ المقاومين المحاصرين في النفق يؤكدان أن تل أبيب راهنت على عدم تلقيها الرد المناسب على ارتكاب مثل هذه الجريمة التي أدت إلى استشهاد 12 مقاوماً فلسطينياً، وهو ما أكدته التفاعلات الإقليمية، التي تقاطعت عند حدود المطالبة بضبط النفس وعدم التصعيد. وهو أيضاً ما أكدته القراءة الإسرائيلية لما وقع من زاوية توظيفية في المسار السياسي ضمن ترتيبات ما يسمى «صفقة القرن».

وقعت جريمة النفق في ظل ظهور بوادر التجاذبات بين حركتي فتح وحماس حول عدد من ملفات المصالحة وخاصة قضية سلاح المقاومة؛ وهو الأمر الذي تم تجاوزه في الحوار سابقاً بين الحركتين وبرعاية مباشرة من القاهرة.

وسبق لعدد من أقطاب الحكومة الإسرائيلية بمن فيهم رئيسها أن أكدوا أن «المصالحة الجيدة» برأيهم هي التي تنهي تماماً سلاح المقاومة وبنيتها وتجعل من قطاع غزة «مكاناً آمناً» بالنسبة للاحتلال، مقابل المساهمة بالتحسين الجزئي لحياة سكان القطاع عبر تخفيف بعض إجراءات الحصار على المعابر التي ستتسلم السلطة الفلسطينية إدارتها وفق الاتفاقية الموقعة في العام 2005.

وفهم المراقبون جيداً من ذلك أن تل أبيب تريد أن تنقل تجربة العلاقة مع السلطة في الضفة إلى المستوى ذاته في قطاع غزة، أي تنشيط التنسيق الأمني مع الاحتلال ووضع الحالة الفلسطينية في القطاع تحت المراقبة الأمنية الإسرائيلية المباشرة. وبالتالي تعميم تنفيذ شروط غرينبلات التسعة كي تطبق في غزة والضفة معاً، أي باختصار، تأهيل الحالة الفلسطينية بما ينسجم مع المسار الذي تسعى إلى شقه إدارة ترامب تحت سقف «صفقة القرن» الذي يبدأ بالتطبيع العربي الرسمي مع الاحتلال دون أن ينتهي أو يترافق مع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.

وعبر جريمة النفق (واحتوائها)، ترى تل أبيب أنها معنية بطرح موضوعة سلاح المقاومة الفلسطينية، وأن أية تسوية بين السلطة وحماس لا تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة الأمنية الإسرائيلية تعتبر غير «صالحة» للتطبيق عبر التدخل الإسرائيلي المباشر، كما حصل في ارتكاب الجريمة المذكورة.

لذلك، ومن أجل قطع الطريق على التغول الإسرائيلي في القطاع، جرت الدعوة من معظم القوى والفصائل الفلسطينية للتركيز على توحيد البرنامج الوطني الفلسطيني بما يحمي سلاح المقاومة ويوجهه عبر غرفة عمليات واحدة تلتزم البرنامج الوطني التحرري؛ وعدم افتعال تعارضات ما بين هذا السلاح وبين وظائف السلطة ومؤسساتها في خدمة الشأن العام.

ومن الواضح أن نتنياهو اختار استهداف النفق كي يوجه رسائل متعددة العناوين تقول بأن إسرائيل لا تزال تحت «التهديد الإرهابي» من داخل قطاع غزة، وأن على السلطة الفلسطينية أن تقوم «بواجبها» تجاه ذلك من خلال منع وجود أي سلاح «غير متفق عليه» كما هو حاصل في الضفة الفلسطينية، وهي بذلك تريد فتح مواجهة فلسطينية ـ فلسطينية تطيح بالآمال التي عقدها الغزيون تحديداً على اتمام عملية المصالحة.

وهي أيضاً رسالة إلى إدارة ترامب تطلب تدخل واشنطن في الضغط على السلطة والقاهرة في الوقت نفسه كي توجه الحل الأمني في ملف المصالحة بما ينسجم مع الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.

وهي أيضاً رسالة إلى الرأي العام الإسرائيلي كي يبقى مشدوداً إلى «الخط الوجودي» الذي يتهدد إسرائيل على يد «الإرهاب» الفلسطيني ودخول قوى إقليمية على هذا الخط، وبما يخلق مناخاً سياسياً واجتماعياً مفضلاً لدى نتنياهو الذي يحبذ على الدوام قرع طبول الحرب كي تصم آذان الجمهور عن الأصوات التي تدعو لمحاكمته واقصائه على خلفية الاتهامات الموجهة إليه بارتكاب جرائم فساد.

وفي الوقت نفسه يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي للاستفادة من حالة التوتر التي تسود الإقليم، ودخول واشنطن على خط تحشيد مواقف دول عربية بما يخدم مصالحها في المنطقة وعبر التهويل بأخطار «الجوار» على هذه الدول ومصالحها، وتعمدت تل أبيب في ظل الحروب الدائرة في غير منطقة عربية التأكيد على أن جميع المناطق التي تحيط بها هي مناطق نفوذ أمني لها تحت دعوى تعرضها للتهديد الآني والمستقبلي عبر هذه المناطق.

ويشير المراقبون إلى أن تل أبيب تعمدت التصعيد عبر تفجير النفق حتى تعيد إلى المشهد الإسرائيلي ما مثلته الأنفاق من زيادة  قدرة المقاومة الفلسطينية على مواجهة عدوان العام 2014 عبر الهجوم على قوات الاحتلال خارج حدود القطاع وإيقاع خسائر فادحة بالعدو. لذلك، كانت البيانات العسكرية الإسرائيلية خلال تلك الحرب تركز على ما وقع من استهداف لهذه الانفاق، في محاولة لتهدئة سخط الرأي العام الإسرائيلي من تزايد عدد القتلى في صفوف الجنود الإسرائيليين إبان العدوان على غزة.

من المهم التأكيد على أن الرد على الجريمة الإسرائيلية يبدأ من التقدم في ملفات المصالحة الفلسطينية عبر الحوار الوطني الشامل، وعدم ترك مصير هذه الملفات رهن التجاذبات القائمة والقادمة بين حركتي فتح وحماس، لأن هذه التجاذبات هي بوابة الدخول الإسرائيلي على خط المصالحة وبالطريقة التي حصلت في جريمة النفق، وربما أيضاً تصعيد عمليات الاغتيال بحق قادة المقاومة وكوادرها تزرع في القطاع حالة من الاحتقان تفجر المصالحة.

ومن المهم أيضاً، أن يأخذ سلاح المقاومة مساره الصحيح على مائدة الحوار الوطني الشامل باعتبار المقاومة حقاً مشروعاً في قرارات الأمم المتحدة، وأحد أعمدة البرنامج الوطني الفلسطيني التحرري. لأن من شأن تأكيد الإجماع الوطني على ذلك، أن يخرج سلاح المقاومة من التجاذبات الحاصلة؛ كما أن مسألة الجناح العسكري ليس موضوعاً خاصاً بأحد طرفي اتفاق القاهرة الأخير، ونقصد حركة حماس، بل هو ضمن بنية فصائل المقاومة الفلسطينية جميعها. ولهذا السبب يتم التشديد على ضرورة قيام غرفة عمليات موحدة.

والرد الأهم على الجريمة يكون بإخراج الحالة الفلسطينية من الترتيبات التي تسعى إليها واشنطن في المنطقة، وإغلاق باب الرهان على التسوية بالشروط المطروحة، والتوجه إلى الأمم المتحدة كميدان لمقارعة الاحتلال في السياسة. كما في الميدان.