يتواصل التوتر وتبادل الاتهامات على أشدّهما بين الحكومة المركزية في مدريد والإقليم الكتالوني الذي بات تحت إشراف الإدارة السياسية لمدريد، بانتظار إجراء انتخابات قريبة قد تكون حاسمة في تقرير مصيره، في وقت ارتفعت فيه الأصوات، المحلية والدولية، الداعية إلى تجنّب العنف والسيناريوهات السلبية، والعمل عوضاً عن ذلك، من أجل العودة إلى طاولة الحوار بوصفها المخرج الوحيد للأزمة.

وقد تظاهر في مدينة برشلونة مئات الألوف من الكتالونيين (29/10)، دعماً لوحدة المملكة الإســـبانية حاملين أعلام إسبانيا وكتالونيا والاتحاد الأوروبي، وذلـــك بعد يومين من إعلان برلمان الإقليم الاســـتقلال عن إسبانيا، ثم دعوة رئيس كتالونيا المُقال كارلوس بيغديمونت إلى «معارضة ديموقراطية وسلمية» لقرار مدريد فَرْضَ حكم مباشر على الإقليم.

وشارك في المظاهرة، التي دعت إليها «رابطة المجتمع المدني الكتالونية»، أعضاء من الحكومة المركزية والأحزاب الرئيسية المؤيدة للوحدة. وكانت «الرابطة» نفسها نظمت قبل ثلاثة أسابيع مسيرة حاشدة اجتذبت مئات الآلاف إلى شوارع برشلونة، رفضاً للانفصال أيضاً.

في غضون ذلك، أظهر استطلاع نُشرت نتائجه (29/10)، أن الأحزاب المطالبة باستقلال كتالونيا ستخسر غالبيتها البرلمانية في الانتخابات الجديدة التي دعا رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي إلى تنظيمها في 21 كانون الأول (ديسمبر) المقبل. واعتبر منظمو الاستطلاع أن «تقارب عدد الأصوات بين الجانبين يُنذر بحملة صعبة». وتوقع الاستطلاع أن تحصل الأحزاب المؤيدة لاستقلال الإقليم على 42,5 % من الأصوات، مقابل 43,4 % للأحزاب المناهضة للاستقلال.

ورأى مراقبون أن الأزمة بين مدريد وبرشلونة دخلت منعطفاً خطيراً، قد يكون مرشحاً للتصاعد أكثر في قادم الأيام، تبعاً لطبيعة التطورات المحتملة، والآلية التي ستعتمدها مدريد في معالجة واحتواء هذه الأزمة غير المسبوقة في البلاد.

الانتخابات هي الفيصل

وفيما اتهم بيغديمونت مدريد بـ«التعدي المتعمد» على إرادة الكتالونيين، قالت الحكومة الإسبانية إنها سترحب بمشاركته في الانتخابات المزمعة. وقال المتحدث باسمها: «إذا كانت لدى بيغديمونت الرغبة في الاستمرار بالمجال السياسي، وهذا حقه، أعتقد أنه يجب أن يستعد للانتخابات المقبلة». ورداً على سؤال في شأن الملاحقة القضائية بتهمة «العصيان» التي ستطلقها مدريد ضد بيغديمونت، قال: «القضاة هم من يقررون ما إذا كان خارجاً على القانون أم لا. وحالياً، يستطيع الترشح».

في المقابل، شدّد أوريول جونكيراس نائب رئيس حكومة كاتالونيا، على أن «بيغديمونت هو رئيس الإقليم وسيبقى رئيسه، كما أن كارمي فوركاديل ستبقى رئيسة البرلمان ريثما يقرر المواطنون خلاف ذلك عبر انتخابات حرة». وندّد بما أسماه «انقلاباً ضد كتالونيا»، مؤكداً أن سلطات الإقليم «لا يمكن أن تعترف بأي من التدابير غير الديموقراطية التي اتخذها الحزب الشعبي (بزعامة رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي) في مدريد». ووصف علاقة حكومة كتالونيا بالحكومة الإسبانية بأنها «علاقة تبعية اعتباطية ومتقلبة وخنوع، فمسؤولوها لم يسعوا يوماً إلى إقناعنا، بل أرادوا دائماً أن يتغلبوا علينا».

وجاء ذلك في وقت أشارت بعض وسائل الإعلام إلى أنّ بيغديمونت استبق امكانية محاكمته، وتوجّه مع أعضاء حكومته إلى بروكسيل، التي عرضت منحه حق اللجوء السياسي، علماً أن بلجيكا تعتبر إحدى دول الاتحاد الأوروبي التي يمكن أن تمنح مواطني دول أخرى في «الاتحاد» حق اللجوء إليها. وقال وزير الهجرة البلجيكي ثيو فرانكين في تبرير قراره: «تتحدث مدريد عن حكم بالسجن، والسؤال المطروح هو إلى أي مدى سيلقى محاكمة عادلة»؟.

يذكر أنّ رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال، الذي ينتمي إلى تيار الوسط، كان دعا، خلافاً لبقية زعماء الاتحاد الأوروبي، إلى حوار بين مدريد وبرشلونة. وهو يقود ائتلافاً حاكماً منذ 2014، يجمع بين تياره والحزب القومي الفلامنكي، الذي يطالب بمزيد من الاستقلال لشمال بلجيكا الناطق بالهولندية.

إعلان الاستقلال: قفزة في الفراغ

وكانت الحكومة الإسبانية فرضت حكماً مباشراً على كتالونيا (27/10)، بعدما أعلن برلمانها الإقليمَ «دولةً مستقلة»، وتعهد رئيس الوزراء راخوي إعادة «الشرعية» إلى كتالونيا.

وأقرّ البرلمان الكتالوني، الذي يضمّ 135 عضواً، قراراً بإعلان استقلال الإقليم، بتأييد سبعين عضوا واعتراض عشرة وامتناع اثنين عن التصويت. وتم تبني قرار البرلمان في غياب المعارضة التي غادرت الجلسة. علماً أنّ الأحزاب الانفصالية، (وهي ائتلاف من أحزاب اليسار الراديكالي ويمين الوسط)، تشكل الغالبية في البرلمان (72 من أصل 135).

ونصّ القرار، الذي وصفه البعض بأنه «هروب إلى الأمام وأشبه بقفزة في الفراغ»، على تأسيس «جمهورية كتالونيا بوصفها دولة مستقلة وسيدة و(دولة) قانون، ديموقراطية واجتماعية»، ودعا إلى بدء عملية استقلالية تشمل صوغ قوانين جوهرية جديدة لكتالونيا وفتح مفاوضات «على قدم المساواة» مع السلطات الإسبانية لإقامة تعاون.

وقبل التصويت، غادر نواب المعارضة الجلسة، تاركين وراءهم أعلاماً لكتالونيا وإسبانيا. وأقدم أحدهم على تمزّيق نص قرار الاستقلال، مخاطباً الانفصاليين: «بهذه الورقة تتركون الكتالونيين الذين لا يؤيّدونكم، أيتاماً من دون حكومة. إنه يوم حزين ودراماتيكي في كتالونيا، هذا النص يقضي على التعايش» في كتالونيا. وتحدث نائب آخر عن «يوم أسود للديموقراطية»، متسائلاً: «كيف وصلنا إلى هنا؟».

وبعد دقائق على إعلان القرار، ترأس راخوي جلسة طارئة للحكومة المركزية، أقرّت تفعيل المادة 155 من الدستور التي لم تُستخدم أبداً، وهي تمكّن الحكومة من تسلّم إدارة «إقليم يتمتع بالحكم الذاتي في حال لم يحترم الموجبات التي يفرضها عليه الدستور أو قوانين أخرى».

وكان راخوي دعا البرلمان الاسباني إلى الموافقة على تفعيل المادة 155 من الدستور. وطلب إقالة بيغديمونت وحكومته وإخضاع البرلمان الكتالوني لوصاية مدريد. وأعلنت النيابة العامة الإسبانية أنها ستوجّه تهمة العصيان إلى قادة كتالونيا، بينهم بيغديمونت، علماً أن القانون الجنائي الإسباني ينصّ على معاقبة العصيان بالسجن لـ25 سنة.

دعم أوروبي وأميركي

ونالت حكومة راخوي دعماً واسعاً من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، التي سارعت جميعها إلى دعمها في «مواجهة أخطر تحدٍ لوحدة إسبانيا»، منذ موت الديكتاتور فرانكو عام 1975، واستعادة الديموقراطية بعد ذلك، وصوغ دستور عام 1978، الذي منح الأقاليم الـ17 في البلاد سلطات موسعة، لا سيّما كتالونيا وإقليم الباسك.

وطبعاً، لن تصبح كتالونيا «جمهورية مستقلة» بمجرد الإعلان عن ذلك، بل يحتاج الأمر إلى أدوات قانونية واقتصادية ودبلوماسية، وخاصة الاعتراف الدولي بها. في حين أنّ دول الاتحاد الأوروبي لم تعط أية إشارة إلى إمكانية منح الانفصال الكتالوني التغطية السياسية المطلوبة.

وعلق رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، على إعلان الاستقلال بأنه «لم يتغير شيء بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وأن إسبانيا لا تزال الجهة الوحيدة التي نتحاور معها». بينما نبّه رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، إلى أن الاتحاد لا يحتاج إلى «مزيد من التصدعات والانقسامات».

وقد شجّعت العواصم الأوروبية مدريد على مواجهة هذا الاستحقاق الخطير بحكمة ورويّة تحاشياً لأي أعمال عنف، كتلك التي شهدها الإقليم يوم الاستفتاء. ودعوا حكومتها إلى «إعطاء الأولوية لقوة الحجة، لا لحجة القوة».

ونقل عن مصادر في كتالونيا تخوفها من صدامات داخل الإقليم نفسه بين الانفصاليين والاتحاديين، على نحو قد يصبح فيه تدخل الحكومة المركزية «مطلباً شعبياً كتالونيا لتحاشي سقوط الإقليم في حرب أهلية داخلية»؟!.

 

ماكرون يدعو بغداد وأربيل إلى تجنب المواجهة العسكرية

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (30/10)، بغداد وأربيل إلى «الامتناع عن أي عملية عسكرية، ومواصلة طريق الحوار بدعم من الامم المتحدة بغية الوصول الى سلام دائم وعراق موحد»، منوهاً بالدور «التاريخي» لمسعود بارزاني على رأس اقليم كردستان العراق، ومشيداً بعمله في «الحرب ضد داعش التي كان للبيشمركة فيها مساهمة حاسمة».

وكان برزاني اضطر للتنحي عن منصبه، بعدما فشل رهانه في الحصول على استقلال اقليم كردستان عن بغداد، التي استعادت قواتها في عملية عسكرية خاطفة، ومن دون أية مقاومة تذكر، غالبية الأراضي التي كان الأكراد يسيطرون عليها ويتنازعون السيادة عليها مع الحكومة الاتحادية منذ العام 2003، وخصوصاً محافظة كركوك الغنية بالنفط.

 

ويضم إقليم كردستان محافظات السليمانية، وحلبجة، ودهوك، وأربيل، في حين توسعت السلطات الكردية منذ العام 2003 في محافظات كركوك، ونينوى، وديالى وصلاح الدين.