من الطبيعي جداً، أن نتوحد كلنا، كفلسطينيين، في مطالبة الحكومة البريطانية بتقديم الإعتذار من الشعب الفلسطيني، عن الجريمة النكراء التي إرتكبتها حين أطلقت وعد بلفور، وحين سخرت كل طاقات الإنتداب البريطاني على فلسطين، لتشييد البنية الأساسية لقيام دولة إسرائيل، بما في ذلك تشجيع الهجرة اليهودية إلى البلاد، ومنح المنظمات الصهيونية الأرض، والماء، والسلاح، والسلطة، ومساعدتها على الشروع في بناء مؤسسات الدولة، التشريعية والتنفيذية، والأمنية، والعسكرية، لتكون جاهزة حين رحيل الإنتداب، لإعلان قيام إسرائيل، دولة غاصبة فوق تراب فلسطين.

ندعو بريطانيا للإعتذار السياسي والأخلاقي، والإعتراف بحق الشعب الفلسطيني، في تقرير مصيره، وحريته وإستقلاله وعودة أبنائه اللاجئيين إلى الديار والممتلكات التي هجروا منها، والتعويض عمّا لحق بهم من أضرار معنوية ومادية كبرى.

ولم يكن مستغرباً أن ترفض الحكومة البريطانية تقديم هذا الإعتذار، بل وتذهب إلى حد التفاخر بما فعلت، وتقيم الإحتفالات التكريمية للذكرى المشؤومة. فالجذور الإستعمارية، العنصرية، المعادية للشعوب ولحقوقها القومية والسياسية والقانونية والأخلاقية، ما زالت حية تحت التراب، وإن كانت، كغيرها من دول الغرب، تتشدق بحقوق الإنسان، ولا تتردد في إضطهاد شعوب بأكملها، من خلال رفض الإعتراف والإعتذار عما إقترفت يداها ضد الإنسانية، ومن خلال نهب ثروات هذه الشعوب ومصادرة كفاءاتها العلمية والفكرية، والإنخراط في أحلاف عسكرية وسياسية، هدفها حماية مصالح الغرب الإستعمارية والأمبريالية في العالم كله.

*    *    *

إذا كان مطلوباً من الذين ألحقوا الأذى بالشعب الفلسطيني، أن يعتذروا إليه، فالمطلوب كذلك من الفلسطينيين، الذين ألحقوا الأذى والضرر بالشعب أن يعتذروا، وأن يتراجعوا عن تلك السياسات المؤذية والمضرة، وإتباع سياسات جديدة وبديلة، أثبتت التجربة جدواها ونفعها وقدرتها على تحقيق أهداف النضال الوطني الفلسطيني.

 • المطلوب (أولاً) من الذين هدروا ربع قرن من الزمن الفلسطيني، أن يعتذروا عما فعلوه. لقد وقعوا إتفاق أوسلو. ورهنوا إرادتهم بسلسلة من الإلتزامات السياسية والأمنية المهينة للكرامة الوطنية. وكبلوا الشعب بسلسلة من القوانين والسياسات الهابطة. ووفروا الغطاء للإحتلال لسلب الأرض وزرعها بالمستوطنات وغزوها بالمستوطنين، وإتخاذ سلسلة إجراءات لإفراغ القدس من سكانها، وتهويدها، والفصل بين أبناء الشعب الواحد، وتعريض حق اللاجئين في العودة إلى الخطر، وإضعاف موقع القضية الوطنية الفلسطينية في الحسابات العربية والدولية، وتهميش القضية في المحافل الدولية، وتحويل المفاوضات إلى مهزلة سياسية، تطاولت في شروطها البائسة حتى على رموز الشعب من الشهداء، وعلى تاريخه النضالي بوصمه بالإرهاب، وعلى تاريخه الوطني وروايته الوطنية لقضيته العادلة ووصمها بالتحريض على الإرهاب.

ومن مخاطر ذلك أيضاً أنهم هم تطاولوا على التجربة النضالية للشعب في الأغوار، وفي الجولان، وفي جنوب لبنان، وعلى صموده البطولي، جنباً إلى جنب مع الشعب اللبناني الشقيق في ملحمة بيروت الكبرى عام 1982. تطاولوا على التجربة الغنية والغالية والتي هي من صنع مجد القضية وأعادها إلى أجندة المجتمع الدولي، الذي إعترفت مؤسساته بالشعب الفلسطيني، وحقوقه الوطنية المشروعة غير القابلة للتصرف، وفي مقدمها حق تقرير المصير، والإستقلال والعودة.

ومن المخاطر الماثلة إنهم مازالوا مصرين على إتباع السياسة ذاتها، والإستراتيجية ذاتها، يقدمون الفواتير المسبقة للولايات المتحدة ولإسرائيل، في تأكيد نواياهم بسحب سلاح المقاومة (تحت شعار إنتهازي «بندقية واحدة») وتأكيد نواياهم الإلتزام بالمفاوضات الهابطة والعبثية والمهينة سبيلاً وحيداً للحل.

هؤلاء، عليهم هم أيضاً أن يعتذروا للشعب عما فعلوه، وأن يعلنوا تراجعهم عن سياساتهم المدمرة للقضية والحقوق الوطنية، وعن إنقلابهم السياسي في 13/9/1993 على البرنامج الوطني وعلى مؤسسات م.ت.ف، بتوقيعهم المنفرد على إتفاق أوسلو، من خلف ظهر المؤسسات الرسمية، ومن خلف ظهر الشعب وقواه السياسية.

 

*    *     *

 

أما الذين حولوا القضية الوطنية إلى مجرد صراع على السلطة، وذهبوا ببندقية المقاومة إلى ساحة الإقتتال الداخلي، ولجأوا إلى السياسات الإنقلابية السياسية والعسكرية، فعليهم هم أيضاً أن يعتذروا.. عن أكثر من عشر سنوات من الإنقسام المدمر والمرير، الذي أسال دماء في غير مكانها، وزرع الصراعات في صفوف المجتمع الواحد، وشوه القضية الوطنية، من حركة تحرر من أجل الحرية والإستقلال إلى صراع على السلطة.

.. وعن أكثر من عشر سنوات من تعطيل إتفاقات إنهاء الإنقسام، لصالح تغذية المصالح الفئوية والطبقية على حساب مصالح الشعب وكرامته وحقه في الخبز والعمل والصحة والعلم والرفاه.

.. وعن أكثر من عشر سنوات، تسببت في فرض الحصار على الشعب وسجنه خلف أسوار القطاع في ظل أوضاع أمنية مضطربة، وسياسات متهورة، وأخطاء إستراتيجية، إستغلها العدو في شن سلسلة من أعمال العدوان البشعة، دفع فيها الشعب ومقاومته ثمناً غالياً في الصمود والبطولة.

أن يعتذروا عن إتفاق لإنهاء الإنقسام، ظهر فيه الجميع بريئاً، والكل يتبارى في مديح الوحدة الداخلية، ومديح المصالحة، وذم الإنقسام وإدانته وكأن الإنقسام سقط علينا من السماء، ولم يكن نتاجاً لسياسات متهورة، على الجانبين، غادروا البرنامج الوطني، وراء إغراءات حلول وبرامج ومشاريع فئوية إقليمية، أثبتت التجارب المرة، ولأكثر من عشر سنوات أنها حلول وبرامج ومشاريع فاشلة لم تنتج إلا الكوارث والنكبات الوطنية على الصعد المختلفة.

في 21/11/2017 الكل ذاهب إلى القاهرة، في لقاء وطني جامع. من حق الذين سيحضرون، ولم يتلوثوا في الإنقلاب السياسي في 13/9/1993، وفي الإنقلاب العسكري في  14/6/2007 أن يسألوا أصحاب إتفاق 12/10/2017 (إتفاق إنهاء الإنقسام) عن الأسباب التي حالت دون تقصير عمر الأزمة، وعن السياسات الواجب إتباعها لمنع تجدد الأزمة، وعن الضمانات المطلوبة لعدم العودة إلى الإنقسام، خاصة وأن سبق إتفاق القاهرة سلسلة من الإتفاقات أفشلها الطرفان كل من موقعه.

كذلك من واجبهم أن يسألوا: ماذا بعد ربع قرن من الفشل السياسي. وإلى متى الإنسياق وراء المشاريع الأميركية والإرتهان للشروط الإسرائيلية، وإلتزام إتفاقات مذلة للكرامة الوطنية؟

كذلك من واجبهم أن يسألوا: من المسؤول ولماذا تم تعطيل قرارات المجلس المركزي في 5/3/2015، وتعطيل قرارات اللجنة التنفيذية في 21/7 و12/8/2017 وتعطيل مخرجات إجتماع بيروت وموسكو في كانون الثاني /يناير/2017؟ وإلى متى يبقى البيت الفلسطيني خراباً. حكومة تفرد بالقرار تدير الشأن العام بالمراسيم والقوانين النافذة، دون رقابة شعبية. مجلس تشريعي معطل منذ أن ولد في الإنتخابات مطلع العام 2006. ومجلس وطني معطل منذ العام 1996، ولجنة تنفيذية بلا صلاحيات، وسلطة فلسطينية بلا سلطة في مواجهة الإحتلال، ومتسلطة في الوقت نفسه ضد الشعب وقواه السياسية.

كما من حقها أن تسألهم: متى ستعتذرون للشعب، وتعودون عن سياساتكم الإنقلابية إلى رحاب البرنامج الوطني الموحد والموحد، بإعتباره الأساس المتين للوحدة الوطنية. وحدة الشعب. ووحدة قواه السياسية؟