لم تكتف رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي برفض الاعتذار عما ألحقته بلادها بفلسطين وشعبها عبر إطلاق «وعد بلفور»، بل وأعلنت بصلافة أنها فخورة بدور بريطانيا في «إنتاج» إسرائيل والدفاع عنها؛ وستحتفل بمرور مئة عام على صدور ذلك الوعد.

موقف ماي هذا ينسجم مع طبيعة النظام السياسي البريطاني وسياساته كامتداد للدور الاستعماري في نهب خيرات الشعوب وقمعها شرق الكرة الأرضية وغربها؛ وهو تأكيد على أن لندن ماضية في هذه السياسة، كما عبرت عنها خلال انتدابها على فلسطين، وفي جميع المحطات المفصلية التي مر بها الصراع الفلسطيني/العربي ـــــ الإسرائيلي منذ قيام دولة الاحتلال حتى يومنا هذا.

اللافت أن ماي قالت موقفها المذكور تحت قبة البرلمان البريطاني، الذي دعا قبل نحو عامين الحكومة إلى الاعتراف بدولة فلسطين؛ وهو ما يدفع للتساؤل عما إذا كانت تلك الدعوة في إطار السياسة المزدوجة البريطانية المعهودة التي أغدقت بالكلام المعسول على العرب والفلسطينيين، ونفذت فقط ما وعدت به أعداءهم؛ أم أن حديث رئيسة الوزراء سيخلق تداعياته في المشهد السياسي البريطاني؟

استسهلت لندن خداع العرب، وأفهمت عدداً من زعمائهم أن انتصارها في الحرب العالمية الأولى يخدم تطلعاتهم بالخلاص من الحكم العثماني، وأن بلادهم بما فيها فلسطين ستكون تحت الحكم العربي.

لكنها منذ احتلالها فلسطين وانتدابها عليها، اشتغلت على تنفيذ وعدها بتمكين المنظمة الصهيونية من إقامة «وطن قومي لليهود»، عبر مجموعة من الإجراءات في مقدمها تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقمعت في الوقت نفسه الثورات والاحتجاجات التي قام بها الفلسطينيون لمنع ذلك والفوز باستقلالهم.

إلى جانب ذلك، سمحت بريطانيا بإنشاء تنظيمات عسكرية صهيونية وصل عدد أفرادها قبيل وقوع النكبة إلى 64 ألف صهيوني، دربت هي نصفهم تقريباً. وزادوا عدد اليهود في فلسطين من 55 ألفاً في العام 1918 إلى 650 ألفاً في العام 1948. وخلال تلك الفترة، قامت بعمليات تسكين وتهدئة للفلسطينيين عبر إصدارها ما سمي «الكتاب الأبيض» (1939) الذي تعهدت فيه بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، وبمنع الهجرة اليهودية لفترة خمس سنوات، وعدم السماح بأن يزيد عدد اليهود لأكثر من ثلث عدد سكان فلسطين، لكنها ألغت كل ذلك في «تصريح بيفن» (1945) الذي كان حينها وزير خارجيتها؛ وفي النهاية رتبت انسحابها من فلسطين عبر سيناريو مكن العصابات الصهيونية من إنجاز الخطوة الأخيرة في إقامة الدولة العبرية على معظم مساحة فلسطين بعد تشريد أهلها.

وواصلت بريطانيا دورها الاستعماري بعد قيام إسرائيل؛ وشنت معها ومع فرنسا العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956، بعد قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس. ولقد أكد هذا العدوان وحدة المصالح الاستعمارية للقوى الثلاث ودورها في إخضاع المنطقة العربية ومنع شعوبها من التحكم بثروات بلادهم.

وبقيت لندن تؤمن الحماية السياسية لدولة الاحتلال، وكان دورها واضحاً في ذلك عقب عدوان حزيران/يونيو 1967 الذي احتلت من خلاله إسرائيل ما تبقى من أراض فلسطينية بالإضافة إلى أراض عربية أخرى. وقد لعبت بريطانيا دوراً خطيراً في صياغة القرار الدولي 242 ليظهر كمجرد دعوة لانسحاب إسرائيل من «أراض محتلة»، وليس «الأراضي المحتلة»؛ وقد ضغطت كل من لندن وواشنطن لحذف «أل» التعريف كي يخضع لتفسيرات مختلفة، وهو ما حصل فعلاً، بالتفسير الإسرائيلي الخاص المتفق مع رؤية كل من بريطانيا والولايات المتحدة حول مشروع القرار ومن ثم صيغته النهائية.

ومن المعروف أنه القرار الدولي الأساسي الذي تعتمده واشنطن في إطلاق مبادراتها تجاه التسوية بين الجانبين الفلسطيني، والإسرائيلي، وكان من الأسس التي قام عليها اتفاق أوسلو، والذي يتيح عبر آليات التسوية حرية التأويل الإسرائيلي للقرار والذي في تلك الصيغة لا يلزم إسرائيل بالانسحاب من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها بعدوان حزيران 1967.

وبذلك، تستكمل بريطانيا الدور الذي لعبته خلال الانتداب وحتى قيام الدولة العبرية، عبر حماية دولة الاحتلال في الأمم المتحدة ومنع صدور قرارات جديدة عنها تنصف الشعب الفلسطيني وتمكنه من حقوقه. ولم يتوقف الدور البريطاني عند هذه الحدود. فقد لعب (توني بلير) رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، دوراً في الضغط على المفاوض الفلسطيني عبر مهمته كمنسق للجنة الرباعية الدولية التي تشكلت لمتابعة عملية التسوية. ودخل على خط الانقسام الفلسطيني من خلال التعامل مع قطاع غزة كمسار فلسطيني مستقل، وقدم وعود خادعة بحل مشاكل القطاع الاقتصادية ومقايضة ذلك بشروط سياسية تهدف إلى «تأهيل» الحالة الفلسطينية في غزة للقبول بالمحددات الأميركية والإسرائيلية.  وعندما لم يتأمن له ذلك، ساهم بتشديد الحصار على القطاع وأهله.

ما قامت به بريطانيا منذ مئة عام حتى اليوم بحق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وغيرها، يستدعي ليس فقط الاعتذار بل المحاكمة على الجرائم التي وقعت بما فيها المجازر الصهيونية منذ ما قبل قيام الدولة العبرية الذي تفخر به للأسف رئيسة الوزراء البريطانية باعتباره إنجازاً تاريخياً لبلادها.

لذلك، وفي مئوية وعد بلفور، وفي مواجهة «الفخر» البريطاني بإصداره، من المهم التأكيد على ضرورة الوقوف عند هذه المحطة، ليس من موقع إحيائها كذكرى، بل لإطلاق حملة سياسية وشعبية فلسطينية باتجاه وضع الجرائم التي وقعت بحق الشعب الفلسطيني ومرتكبيها أمام المحاكمة الدولية ربطاً بالقانون الإنساني الدولي وبقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، واعتماد هذا المسار اتجاهاً أساسياً في الجهد السياسي الفلسطيني الرسمي والشعبي، تشتغل فيه جميع مكونات الحالة الفلسطينية وأصدقاء الشعب الفلسطيني ومؤيدي نضاله في سبيل العودة والاستقلال الناجز.

وتستضيف لندن مؤخراً، وربما ترعى، لقاءات فلسطينية ـ إسرائيلية «سرية» في ظل انسداد عملية التسوية، وبروز الأفكار التي تطرحها إدارة ترامب حول «السلام الإقليمي». وعدم جرأة أي كان على التعامل معها لما تحمله من مخاطر تصفية القضية  الفلسطينية، وهذا ما يدفع إلى التحذير من العودة إلى اللقاءات والمفاوضات السرية كما حصل في المفاوضات التي أدت إلى اتفاق أوسلو سيء الصيت. بينما المسار الذي ينبغي التأكيد عليه هو المضي قدماً لاستعادة الوحدة والتوجه نحو إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية عبر انتخابات شاملة وفق التمثيل النسبي الكامل لجميع المؤسسات في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية؛ والتوصل إلى برنامج وطني تحرري موحد يعيد الحالة الفلسطينية إلى واجهة المبادرة ويخرجها من حالة التردي.. والتردد.