لا يريد المفاوض الفلسطيني الاعتراف بأن الولايات المتحدة تقطع مع مسألة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، كونها لا تعترف أساساً بالطابع الوطني التحرري للقضية الفلسطينية.

ومع أن هذا الموقف «أُفهم علناً» على نحو أكثر وضوحاً مع مجيء إدارة ترامب، إلا أن أوساط السلطة الفلسطينية تتجاهل هذه الحقيقة، كي تبرر سبب جلوسها على مقعد الانتظار، ترقباً لأية «مستجدات» تصدر عن البيت الأبيض بخصوص التسوية.

بالمقابل، يترقب نتنياهو بدء ترتيبات «سلام ترامب» الإقليمي ليدفع بـ «سلامه» الاقتصادي ضمن هذه الترتيبات، ويجد المفاوض الفلسطيني نفسه في النهاية عاجزاً أمام صفقة إقليمية تبلورت في كواليس السياسة الأميركية ــ الإسرائيلية المشتركة، وبموافقة من «المقصودين» العرب بالسلام الإقليمي.

صفقة لا مكان فيها للحد الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، ومع ذلك، يصر أصحابها على أنها صالحة لتكون «فصل الختام» في الصراع مع الاحتلال!؟

يجمع الخبراء والمتابعون على أن عملية التفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لم تنعقد بالمعنى السياسي والديبلوماسي سوى في المفاوضات السرية التي سبقت التوصل إلى اتفاق أوسلو. وأن ما تلا ذلك من مباحثات واتفاقات كانت امتداداً لذلك الاتفاق واستكمالاً له في جانبي الأمن والاقتصاد بفعل إصرار تل أبيب على إبرام بروتوكول باريس الاقتصادي وحسم موضوعي التنسيق الأمني وتنظيم الحركة على المعابر.

ما بعد ذلك، توقفت إسرائيل عن استكمال نبضات تسليم مناطق إضافية للسلطة الفلسطينية الناشئة، أو توسيع صلاحياتها في المناطق التي استلمتها. ولم تعترف باستحقاقات انتهاء الفترة الزمنية للمرحلة الانتقالية التي نص عليها اتفاق أوسلو وانتهت في أيار / مايو من العام 1999.

بذلك، ثبتت دولة الاحتلال ولاية السلطة الفلسطينية في حدود التجمعات السكنية الفلسطينية (عدا القدس)، وأزاحت عن كاهلها أكلاف إدارة شؤون الفلسطينيين وأحالتها إلى الدول المانحة.

ومنذ ذلك الوقت، قابلت تل أبيب المحاولات الأميركية للوصول إلى حل دائم بمجموعة من الشروط بدأت بالقدس ولم تنته بالحدود والاعتبارات الأمنية ومستقبل الاستيطان. وربطاً بالتقاطعات الواسعة مع السياسة الأميركية تجاه التسوية، فشلت تلك المحاولات ومن بينها فشل قمة «كامب ديفيد» (صيف العام 2000) وبعد ذلك محاولات إدارة بوش الابن في الوصول إلى اتفاق إطار في نهاية ولايته الثانية العام 2008.

وفّرت قواعد التسوية لإسرائيل حرية الاستفراد بالمفاوض الفلسطيني وفق معادلة تقول إن القوي لا يفاوض عدوه الضعيف، بل يضعه أمام شروطه. وهذا ما حكم مسار العملية السياسية منذ انطلاقها تحت عباءة الرعاية الحصرية الأميركية. وتجسدت المعادلة المذكورة بشكل أكثر وضوحاً في ما سمي «المفاوضات التقريبية» ثم «المباشرة» في العام 2010. ففي الأولى لم يقدم الجانب الإسرائيلي رؤيته لحل أي من القضايا الأساسية، واكتفى بالإعلان أن الموضوع الأمني هو تبادل الأراضي الذي كان متداولاً في عهد حكومة أولمرت، ثم شطبه من على أجندة الوفد الإسرائيلي ربطاً بشطب نقاش مسألة الحدود، وإطلاق خطة نتنياهو في «السلام الاقتصادي» بديلاً عن البحث في قيام كيانية فلسطينية مستقلة.

بالأساس أطلقت الإدارات الأميركية التي واكبت التسوية مبادراتها المعنونة بقيام دولة فلسطينية مستقلة لأسباب وظيفية على الصعيد الإقليمي العربي. وفي إطار مسعى واشنطن لتجييش مواقف عربية في خدمة أجندتها في المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية في أوروبا؛ وفي وقت كانت فيه القضية الفلسطينية تفرض نفسها في صدارة العمل العربي المشترك وخاصة بعد اندلاع الانتفاضتين الأولى (1987) والثانية (2000)؛ والتداعيات السياسية والشعبية التي احتلت الاهتمامين العربي والدولي بفعل هاتين الانتفاضتين.

لذلك، ومع تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية على إيقاع التطورات التي عصفت بالمنطقة العربية وانقسام النظام الرسمي العربي، بات التركيز الأميركي بخصوص التسوية يتجه نحو وضع إطار إقليمي لهذه العملية.

ولم يبدأ الأمر مع مجيء إدارة ترامب، بل سبقتها إدارة أوباما في أواخر ولايتها الثانية وبحثت في هذا الإطار من خلال قمة سرية عقدت في العقبة الأردنية، وقدم وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري الخطوط العريضة لـ «السلام الإقليمي».

وفي الإطار المذكور، كما في «صفقة القرن» التي طرحتها إدارة ترامب، لا مكان مستقلاً لحل الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي بمعزل عن الترتيبات الإقليمية التي تسعى لوضعها واشنطن. وليس من قبيل الصدفة أن يطرح المبعوث الأميركي غرينبلات على مسامع الرئيس عباس مسألة الكونفدرالية مع الأردن.

ولهذا السبب، خرج نتنياهو عن لا مبالاته تجاه الإطار الإقليمي الذي أطلق عناوينه كيري، وأبدى اهتمامه بما طرح على لسان الإدارة الأميركية الجديدة لجهة عدم قيام كيانية فلسطينية مستقلة؛ وهو يرى في ذلك فرصة ثمينة لدمج خطته لـ «السلام الاقتصادي» في إطار التصورات الأميركية الجديدة.

ولهذا السبب أيضاً، لا يتحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي عن مفاوضات «مستعادة» بل عن شروط لعقد هذه المفاوضات. ومن يدقق في هذه الشروط المتتالية يتأكد أن حكومة نتنياهو ستحصل على ما تريده من هذه المفاوضات دون أن تُعقد، من خلال: اعتراف الجانب الفلسطيني بأن حدود إسرائيل من البحر المتوسط حتى البحر الميت، وجميع أراضي الضفة تحت الولاية العسكرية والأمنية الإسرائيلية، والاعتراف بحق إسرائيل بضم الاستيطان، وقبل ذلك الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، والقدس الموحدة عاصمة لها. وتنفيذ الشروط الأميركية ــ الإسرائيلية التسعة التي طرحها المبعوث غرينبلات، ويكفل تنفيذها «تأهيل» الحالة الفلسطينية حسب مواصفات تل أبيب وواشنطن؛ من خلال وقف التحريض على الاحتلال ومواجهة أية محاولة لمقاومته حتى سلمياً، والتبرؤ من تضحيات الشهداء ونضالات الأسرى وعذابات ذويهم.

فإذا كانت جميع هذه الشروط مقدمة إسرائيلية لازمة لاستئناف المفاوضات فما الذي يمكن أن يناقش على طاولة التفاوض، ربما لا شيء سوى التوقيع على «محضر» استمرار الالتزام بهذه الشروط.

هذا يعني أن نتنياهو لا يريد العودة إلى المفاوضات، بل قيام الجانب الفلسطيني بجميع التنازلات التي يطلبها وبدعم مباشر من الإدارة الأميركية؛ وتبقى موضوعة الكيانية الفلسطينية برسم النقاش على طاولة المفاوضات الإقليمية تحت إشراف واشنطن ورضا تل أبيب.

وما يتم تسريبه في الصحافة الإسرائيلية عن خطة أميركية قيد الطرح مجرد يافطة إعلامية، لأن الجمل القصيرة التي تم تداولها تؤكد أن واشنطن ليست بمعرض الدخول الجدي على خط عملية تفاوضية مباشرة، وتركت جميع المسائل لاتفاق الطرفين.

وهذا يعني ضوءاً أخضراً أمام السياسة التوسعية الإسرائيلية التي تسارعت وتيرة تطبيقها خلال الأشهر السابقة. ومن يواصل الجلوس بانتظار قطار التسوية كي ينطلق، كأنما يدير ظهره لبلدوزر الاستيطان الذي لا يتوقف..