فازت الفرنسية أودري أزولاي (45 عاماً)، بمنصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، خلفاً للبلغارية إيرينا بوكوفا، بعد أن حصلت في الجولة الأخيرة للتصويت (13/10)، على 30 صوتاً مقابل 28 لمنافسها القطري حمد الكواري، عقب عملية اقتراع شملت جولات عدة واستمرت قرابة خمسة أيام. وبفوزها، تتقلّد وزيرة الثقافة السابقة في عهد الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، رئاسة المنظمة الأممية لـ 4 سنوات، وهي ثاني امرأة تتقلد المنصب بعد بوكوفا.

خسارة مرشح قطر

وأخفق المرشح القطري في الفوز بهذا المنصب على خلفية الأزمة بين قطر ودول عربية، التي أثّرت أولاً على التصويت لأحد المرشحين العرب، وخاصة المصري والقطري، لينتهي الأمر، في المحصلة، بحسم النتيجة لصالح الفرنسية أزولاي، وذلك في ظلّ العلاقات المتوترة بين الدوحة وعدد من الدول العربية، وعدم حصول الاجماع على دعم مرشح محدّد. وليس هذا فحسب، بل لقد أعربت كلٌّ من مصر والسعودية عن قلقهما من احتمال وصول الكواري إلى المنصب، علماً أنهما كانتا طالبتا بانتخاب مدير عربي للمنظمة.

وكانت قطر تأمل في الفوز بالمنصب معتمدة في حملتها على بند تسديد بعض ديون اليونسكو، خصوصاً في ظل انقطاع المخصصات الأميركية منذ عام 2011، التي تعادل نحو خمس موازنة المنظمة.

ورأى مراقبون أنّ الحملة القطرية لدعم مرشحها، أثبتت «محورية دور الفوائض المالية في سياسة القوة الناعمة التي تروج لها قطر ضمن علاقاتها الخارجية». وقد امتد أمر التلويح بالأموال إلى توظيفه مباشرة في التأثير على أصوات أعضاء اللجنة التنفيذية، وفقا لتقارير نشرت في صحف كبرى، وأكدت مصر ذلك بشكل رسمي.

وعلى ذلك، فقد يتعرّض المرشح القطري، على رغم هزيمته، إلى احتمال «فتح تحقيقات دولية بشأن التجاوزات القانونية وشبهات الفساد التي مارستها السلطات القطرية خلال فترة الحشد التي سبقت عملية الاقتراع».

وقالت الخارجية المصرية إن «خروقات شابت عمليات الاقتراع». وأكدت في بيان لها (13/10)، أن وزير الخارجية سامح شكري طالب المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا  بـ«التحقّق من الخروقات بشكل عاجل لتأثيرها المباشر على نزاهة العملية الانتخابية». وبعد خسارة المرشحة المصرية، السفيرة والسياسية مشيرة خطاب، في الجولة ما قبل الأخيرة، سارعت مصر إلى دعوة أصدقائها للتصويت لصالح المرشحة الفرنسية.

وكانت «معركة اليونسكو» بالنسبة للدوحة، حسب قول كثير من المراقبين، بمثابة «غطاء ثقافي أملت من خلاله حرف انتباه العالم بعيداً عن الاهتمام غير المسبوق بدعمها لتنظيمات الإسلام السياسي، ومتشددين آخرين في مناطق متفرقة من العالم».

وإلى ذلك، لعبت شكوك حول الكواري تتعلق بمعاداة السامية، عبّر عنها في الأيام الأخيرة مركز سيمون فينزتال في أوروبا ورابطة مكافحة التشهير في الولايات المتحدة، دوراً في خسارته.

تركة ثقيلة

وفي ظل التركة الثقيلة التي تعاني منها المنظمة الأممية، ومن علاماتها غياب الإجماع والحاجة الماسّة إلى إجراء إصلاحات جذرية للحدّ من البيروقراطية المترهلة فيها، فضلاً عن علامات الاستفهام الكبيرة التي تحيط بتمويلها وضرورة بذل جهود لنزع الطابع السياسي عن عملها، حتى تتوفر لها القدرة على انجاز مهامها مستقبلاً، ستكون مهمة أزولاي غاية في الصعوبة. وهي بادرت إلى الإعلان أنها «ستعمل على تطوير المنظمة، وإعادة المصداقية لها وإيمان أعضائها بها وفاعليتها حتى يتسنّى لها العمل».

ويرى مراقبون أن من أبرز المهام المنوطة بالمديرة العامة الجديدة للمنظمة، إعادة النهوض بها وانتشالها من الصراعات الداخلية، التي قد تعصف بها عقب انسحاب الولايات المتحدة الأميركية منها. وقد عبّر بعض الدبلوماسيين الغربيين عن استيائه من إدارة البلغارية بوكوفا معتبرين أنها «فشلت في إقناع الدول الأعضاء بسداد المستحقات الواجبة عليها ولم توقف تسييس عمل المنظمة».

وقد تأسست «اليونسكو» التي تتخذ من العاصمة الفرنسية مقراً لها، عام 1946 على أنقاض الحرب العالمية الثانية، وذلك بهدف «حماية التراث الإنساني الثقافي». وهي مشهورة بـ«تحديد مواقع التراث العالمي، مثل مدينة تدمر السورية والعديد من المدن الأخرى». ومعظم أنشطتها غير مثيرة للجدل، ولكن عندما يتصل الأمر بقرارات تتعلق بالقدس، على سبيل المثال، وبكيفية إدارة المواقع الدينية فيها «تصبح كل كلمة بحاجة إلى التدقيق الشديد خشية توجيه اتهامات لها بالتحيز»؟!.

 

أميركا وإسرائيل تنسحبان من «اليونسكو»

كغيرها من المنظمات الأممية تعاني اليونسكو من تداخل المصالح والحسابات السياسية مع برامجها وعملها، مما يؤثر سلباً على مصادر تمويلها. ويعتبر تجميد التمويل، أو وقفه، من أكثر الوسائل التي تتخذها دولٌ تجد تعارضاً بين سياساتها وبعض مواقف اليونسكو، وخصوصاً في ملف «تصنيف المواقع التراثية». ويعتبر الموقف الأميركي الذي بدأ بوقف التمويل ثم الانسحاب، الأحدث على هذا الصعيد، حيث أعلنت الخارجية الأميركية (12/10)، أن الولايات المتحدة قررت الانسحاب من «اليونسكو»، اعتبارا من نهاية العام 2017، متهمةً المنظمة بالانحياز ضد إسرائيل.

وهذه ليست المرة الأولى التي تنسحب فيها الولايات المتحدة من المنظمة، فقد قامت بذلك في العام 1984، إبان حكم الرئيس رونالد ريغان احتجاجاً على ما وصف في حينه بـ«سوء الإدارة المالية للمنظمة»، ولم تعد إليها إلا في العام 2002.

وكانت واشنطن ألغت مساهمتها الكبيرة في موازنة اليونسكو منذ عام 2011، احتجاجاً على قرار منح الفلسطينيين العضوية الكاملة في المنظمة. وعقب القرار الأميركي، أعلنت إسرائيل هي الأخرى انسحابها من المنظمة، بالتوازي مع موعد انسحاب الولايات المتحدة.

وجاء القرار الأميركي أيضاً في ظل انتقادات ما انفك الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوجهها لمنظمة الأمم المتحدة بشكل عام، «متشكياً من كلفة مشاركة الولايات المتحدة في بعض المؤسسات التابعة لها وجدواها»!.

وعلى النقيض من مجلس الأمن، حيث تملك الدول الخمس دائمة العضوية حق النقض (الفيتو)، تتخذ اليونسكو قراراتها استناداً إلى غالبية الأصوات؛ سواء عبر أمانتها العامة التي تشمل جميع الدول الأعضاء وعددها 195 دولة، أو مجلسها التنفيذي الذي يضم 58 عضواً. وتقول إسرائيل: إن هذا «يخلق أغلبية قائمة بالفعل من الدول المعادية لها».

أما الدول الكبرى التي تقدم أغلب التمويل لليونسكو، فترى أنّ «أصواتها المنفردة لا تمنحها سلطة تذكر على كيفية إنفاق الأموال التي تقدمها للمنظمة». وتقدم الولايات المتحدة نحو 80 مليون دولار سنويا للمنظمة، ما يعادل نحو خمس ميزانيتها، ولها صوت واحد في مجلس المنظمة التنفيذي. ولأسباب مختلفة، لم تسدد كذلك كلٌّ من بريطانيا واليابان والبرازيل حصصها في ميزانية عام 2017.

وعلّق دبلوماسي غربي على هذه الحالات بقوله: «الحقيقة أن اليونسكو معنية في الأساس بالتضامن وإتاحة مناخ للسلام بين البلدان، لكنّ دولاً تستخدم الآن مستحقاتها للتأثير على البرامج ويتعين تغيير ذلك».

تصميم مسبق

وكانت واشنطن حذرت، في تموز/ يوليو الماضي، من أنها ستعيد النظر في علاقتها مع اليونسكو، معتبرة أن قرار المنظمة إعلان الخليل «منطقة محمية» في التراث العالمي يعدّ «إهانة للتاريخ».

وأعلنت السفيرة الأميركية، نيكي هايلي، أن قرار اليونيسكو اعتبار المدينة القديمة في الخليل وقبر البطاركة أراضٍ فلسطينية «سيؤثر سلباً على تقويم مدى انخراطنا في عمل المنظمة». وأضافت أن الولايات المتحدة «ستواصل تقويم كل الهيئات في الأمم المتحدة بالمنظار ذاته». فيما قالت الناطقة باسم الخارجية الأميركية، هيذر نويرت، إن «القرار يعكس قلق الولايات المتحدة من متأخرات الدفع المتزايدة في اليونيسكو والحاجة إلى اصلاحات أساسية في الوكالة ومواصلة انحياز اليونيسكو ضد إسرائيل».

وفي المقابل، أعربت الناطقة باسم الخارجية الفرنسية عن «أسف باريس لقرار أميركا الانسحاب من اليونسكو، فيما دعم الأسرة الدولية أساسي لهذه المنظمة». وأضافت أن «عمل اليونسكو ومستقبلها له أهمية خاصة لفرنسا كدولة مضيفة للمنظمة، فضلاً عن أنه يساهم في هدف السلام المشترك للأمم المتحدة». وأوضحت أن تقديم فرنسا مرشحة لإدارة المنظمة «تأخذ في مثل هذه الظروف معنى جديداً، واليونسكو تحتاج إلى مشروع يمكن لجميع الدول الالتقاء حوله ويتجاوز الانقسامات السياسية، وهو المشروع الذي تحمله المرشحة أودري أزولاي».