@ أبرزت ثورة أكتوبر الدور الذي لا يمكن الاستغناء عنه للطليعة الثورية السياسية، باعتبارها عامل إرشاد ليس فقط للثورة الاشتراكية، بل للصراع ومآلاته برمتها

@ إن إلغاء التطور غير المتكافئ بين الاقتصادات الرأسمالية والعلاقات غير المنصفة بين الدول، غير ممكن في ظلّ سيطرة الرأسمالية نفسها

أضاءت ثورة أكتوبر قوة الصراع الطبقي الثوري، قوة المستغَلين والمضطهدين عندما ينقضون نحو المشهد ويحركون عجلة التاريخ نحو الأمام، نحو اتجاه التحرر الاجتماعي. حيث جاءت الطبقة العاملة الروسية في ثورة أكتوبر لتجسد تطلع الملايين من جماهير العمال والشعب نحو حياة أفضل. وأثبتت ثورة أكتوبر صوابية الفكر اللينيني بأن انتصار الاشتراكية هو ممكن في بلد واحد، أو في مجموعة بلدان نتيجة التنمية غير المتكافئة للرأسمالية.

وفي الوقت نفسه، أبرزت الثورة أهمية الدور الذي لا يمكن الاستغناء عنه للطليعة الثورية السياسية، أي الحزب الشيوعي، باعتباره عامل إرشاد ليس فقط للثورة الاشتراكية، بل للصراع بأكمله من أجل تشكيل وتعزيز المجتمع الشيوعي الجديد، ونصره النهائي.

ويتسم عطاء لينين والبلاشفة خلال تجربة النضال ضد الانتهازية (كحامل للأيديولوجية البرجوازية والسياسة في الحركة العمالية)، بأهمية سياسية وعملية، كبيرة وحاسمة. حيث ثبت خلال التجربة أن المواجهة المدروسة والمنهجية مع الاقتصاديين، والمناشفة والاشتراكيين الثوريين، شكلت عنصراً أساسياً في صياغة ظروف تأسيس حزب ثوري، حزب من طراز جديد، مبني على مبادئ اللينينية.

لقد قادت شعلة أكتوبر نحو تسريع تأسيس عدد من الأحزاب الشيوعية، أحزاب عمالية ثورية من طراز جديد، على النقيض من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في تلك الحقبة، وهي التي كانت قد خانت الطبقة العاملة والسياسة الثورية.

وقد أثبت على مدى عقود وجود المجتمع الاشتراكي ونجاحه، اللذين دُشنا عبر ثورة أكتوبر، أن من الممكن وجود مجتمع دون أسياد، و دون ملكية الرأسماليين لوسائل الإنتاج. حيث لا يُنقض هذا الاستنتاج من واقعة عدم تمكنه في هذه الفترة المحددة من هزيمة الملكية الرأسمالية والربح الرأسمالي على نحو نهائي.

ضرورة الاشتراكية

إن ضرورة الاشتراكية وراهنيتها وإمكانية إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج الممركزة، تنبع من التطور الرأسمالي الذي يقود إلى مركزة اﻹنتاج. إن الملكية الرأسمالية تعني فرملة الطابع الاجتماعي للإنتاج. و تبطل الملكية الرأسمالية امكانية عيش جميع العاملين في ظروف منظمة اجتماعياً وأفضل لتلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة: أي أن يكون للجميع عمل دون كابوس البطالة، والعمل لساعات أقل للتمتع بمستويات معيشة أفضل، مع تعليم وخدمات صحية ورعاية اجتماعية، عامة حصرية ومجانية وبمستوى نوعي عالٍ.

حيث تولد هذه الإمكانيات من عمل الطبقة العاملة داخل الرأسمالية، ويوسعها تطور العلوم والتكنولوجيا. وعلى الرغم من ذلك، تسحق حاجات الطبقة العاملة والشرائح الشعبية، في مجتمع حيث تتحدد ماهية وكيفية ما سينتج وفق معيار الربح الرأسمالي الفردي. إن جوهر المشكلة يكمن في حقيقة تمايز من يقوم بالإنتاج عمن يقرر بشأن أهداف وتنظيم الإنتاج. إن الأزمات الاقتصادية الدورية التي تغدو باضطراد أكثر عمقاً وتفاقماً، هي متواجدة في صلب الحمض النووي للرأسمالية، و تقود تبعاتها إلى زيادة البطالة بشكل حاد، وتوسيع العمل بأجور سيئة دون ضمان اجتماعي، والحياة مع حقوق مسحوقة وحروب امبريالية تجري من أجل تقاسم الأسواق و الأراضي.

وعلى الرغم من ارتفاع إنتاجية العمل، فإن تدهور ظروف العمل والمعيشة هو متعلق بالعالم الرأسمالي كله، وحتى بالدول الرأسمالية الأكثر تطوراً. حيث تعترف الدول الرأسمالية ذاتها ومراكز بحوثها، بتقلص الدخل العمالي، في حين تزداد ثروات الرأسماليين.

أهمية العامل الذاتي

لا تقود واقعة تشكُّل مقدمات بناء المجتمع الاشتراكي- الشيوعي تلقائياً إلى انجازه وبنائه. فهذا يحتاج، وخلافاً لقوانين الطبيعة، إلى نشاط البشر وسعيهم نحو تحقيق ذلك، وفي هذه الحالة عبر الصراع الطبقي من أجل إلغاء المجتمع القديم وبناء المجتمع الجديد.

وكان لينين حدّد مفهوم الحالة الثورية وأبرز ملامحها الرئيسية؛ الموضوعية والذاتية، التي تتراكم عشية الثورة. وأشار إلى أنه ليس بالضرورة أن تتحول حالة ثورية إلى ثورة. حيث لا يقود رد فعل من هم في اﻷسفل، ولا أزمة من هم في اﻷعلى إلى قلب السلطة، بل هذا يشترط حدوث انتفاضة ثورية مخططة للطبقة العاملة، وموجهة من قبل طليعتها الواعية.

وبعبارة أخرى، فالمطلوب من أجل حصول الثورة العمالية، حضور الطليعة السياسية الثورية، أي الحزب الشيوعي المسلح بالوعي والقدرة على استشراف آفاق التطورات المحتملة استناداً إلى النظرية الماركسية – اللينينية، ومن ثم القدرة على قيادة الانتفاضة الثورية للطبقة العاملة.

التطور غير المتكافئ

وفي نهاية المطاف، تتحدد سمة الثورة في كل بلد رأسمالي بشكل موضوعي، من التناقض اﻷساسي الذي تكون مدعوة لحله، بمعزل عن التفاوت النسبي لموقع كل بلد في النظام الإمبريالي الدولي. حيث تنبثق السمة الاشتراكية للثورة ومهامها، من احتدام التناقض الأساسي بين رأس المال والعمل في كل بلد رأسمالي في عصر الرأسمالية الاحتكارية. إن إلغاء التنمية غير المتكافئة بين الاقتصادات الرأسمالية والعلاقات غير المنصفة بين الدول، غير ممكن في ظلّ سيطرة الرأسمالية.

وللأسف، فإن مقاربة هدف السلطة العمالية كانت تجري في مقاربات بعض الأحزاب الشيوعية، تبعاً لموازين القوى القائمة، وليس وفقاً للتحديد الموضوعي لسمة العصر التاريخي الذي نعيشه، الذي يتحدد على أساسه ماهية الحركة المتواجدة في كل حالة على رأس التطور الاجتماعي، أي الحركة نحو التحرر الاجتماعي.

وقد أثرت على مجرى التطورات التي كانت ممكنة، أخطاء مثل هذه الاستراتيجية السابقة للحركة الشيوعية الأممية، بما في ذلك الأخطاء التي ارتكبها الحزب الشيوعي السوفييتي لجهة رسم سياساته الداخلية، إلى جانب أخذه بعين الاعتبار لنشاط الإمبريالية والثورة المضادة.

المحطة النوعية

قبل 100 عام، وفي مثل هذه الأيام، اتخذ الحزب البلشفي قراراً «شكَّل محطة نوعية في تاريخ البشرية»، إن شيوعيي العالم كله مدعوون اليوم، بعد 100 عام على مرور ذلك الحدث، إلى مقاربة هذا المسار التاريخي، لاستخلاص النتائج الضرورية لتطوير استراتيجية ثورية معاصرة، في بلادهم وعلى المستوى الأممي ككل.

هذا هو الرد الضروري لمواجهة نشاط الانتهازية التقويضي، والتغلب على التراجع الايديولوجي والتنظيمي للحركة الشيوعية، وإعادة بنائها ثورياً.

يتمثل هذا الشرط كضرورة لا بدّ منها لدى رسم الاستراتيجية المطلوبة من الأحزاب الشيوعية ومواءمتها مع سمة عصرنا، باعتباره عصر الانتقال من الرأسمالية الاحتكارية- الامبريالية إلى الاشتراكية، و هو الذي دشنته ثورة أكتوبر الاشتراكية، وبالتالي في تجاوز المراحل الانتقالية المتواجدة في برامج الأحزاب الشيوعية وتحديد سمة الثورة كاشتراكية.

كان بإمكان مثل هذا التوجه أن يساهم بشكل حاسم في الفكاك من خيارات تتحرك داخل أسوار إدارة الرأسمالية، ودفع جوانب الصراع ضد الاحتكارات والرأسمالية، والمعالجات القادرة على الاسهام على نحو حاسم في إعداد العامل الذاتي، وحشد القوى العمالية الشعبية في الصراع من أجل إسقاط الرأسمالية وبناء الاشتراكية- الشيوعية.