حظي الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز بحفاوة بالغة لدى زيارته روسيا أخيراً، وهي أول زيارة يقوم بها ملك سعودي، وجاءت بعد مرور عشر سنوات على زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى المملكة (شباط/ فبراير 2007). وقد أجرى الطرفان محادثات سياسية واقتصادية تتعلق بالأزمات الإقليمية والدولية، ووقعا حزمة اتفاقات ثنائية كان الأمير محمد بن سلمان مهّد لها أثناء لقاء سابق مع بوتين في بطرسبرغ.

وقد أعرب المسؤولون في كلّ من موسكو والرياض عن ارتياحهما الكبير لنتائج الزيارة التي وصفت بـ«التاريخية»، مشدّدين على أنها ستساهم في تعزيز الشراكة بين الجانبين؛ وذلك بعد «الاتفاقات الـ14 التي تمّ توقيعها وشملت الاستثمارات المشتركة والطاقة والاقتصاد، فضلاً عن شمولها للمرة الأولى التعاون العسكري والتقني بين البلدين».

ونقل عن الملك سلمان قوله إن تعاون المملكة مع روسيا ساهم «بشكل محوري» في إعادة التوازن إلى أسواق النفط العالمية، وتشديده على أن السعودية تعتمد الآن خطة عريضة للتنمية تحت عنوان «رؤية المملكة 2030»، وتمّ اتخاذها من أجل النهوض بالاقتصاد وتحريره من الاعتماد الكلي على النفط، وبأنها «تمثل خريطة المملكة وأهدافها في التنمية للسنوات المقبلة، وهي تتطلع إلى مشاركة روسيا لتنفيذ هذه الرؤية بما يخدم مصالحنا المشتركة».

صفقة «إس 400»

وإلى ذلك، أعلن الناطق باسم الكرملين أن التعاون العسكري بين البلدين كان مطروحاً على أجندة محادثات الملك مع الرئيس بوتين، بما في ذلك صفقة المنظومة الصاروخية «إس 400»، ونظام صواريخ «كورنيت – إي.إم»، القادرة على ضرب الأهداف الأرضية والجوية، وراجمة الصواريخ «توس-1 إيه»، وراجمة القنابل «إيه.جي.إس-30»، وبنادق «كلاشنيكوف إيه كيه-103»، معتبراً أن هذا التعاون «يصب في مصلحة البلدين وليس موجهاً ضد طرف ثالث». ومشيراً إلى أن «أي قلق تبديه بلدان أخرى في شأن هذا التعاون لا أساس له»، وهذه لغة غير مسبوقة في العلاقة بين الطرفين، خصوصاً وأنّ السعودية ترتبط بتحالف قديم مع الولايات المتحدة الأميركية.

وقد أعربت وزارة الدفاع الأميركية عن قلقها من الاهتمام الذي يبديه عددٌ من حلفاء الولايات المتحدة بمنظومات «إس-400» للدفاع الجوي، تحت زعم ضرورة «الحفاظ على التطابق العملياتي (لأنظمة الحلفاء) مع أنظمة أسلحة الولايات المتحدة والدول الأخرى في المنطقة».

وفي المقابل، فقد قلّل مراقبون من حجم المخاوف الأميركية، معتبرين أن تنويع شركاء المملكة الاقتصاديين والعسكريين، والاتفاقات التي جرت بين الرياض وموسكو إنما يهدف إلى توطين الصناعات العسكرية المتطورة، ولا يستهدف الولايات المتحدة، التي ستظل حليفاً رئيسياً للسعودية.

وذهب آخرون إلى حد اعتبار أن ما دفع الرياض إلى عقد صفقات الأسلحة هذه، وتغيير استراتيجيتها في الرهان على واشنطن كشريك وحيد في ذلك، هو «انكفاء الأخيرة وارتباك سياساتها تجاه الشرق الأوسط، وهو ارتباك بدأ مع إدارة جورج بوش الابن، ووصل ذروته مع إدارة أوباما، ولا يزال مستمراً مع إدارة ترامب، وخصوصاً لجهة التقارب مع إيران دون مراعاة مصالح السعودية وباقي الدول الخليجية».

توقيت الزيارة

ولفتت مصادر إعلامية غربية إلى توقيت الزيارة، مشيرة إلى أنها جاءت بعد زيارة ترامب إلى الرياض و«المديح الباذخ الذي أغدقه على السعوديين»، بمعنى أن هذا «المديح» لم يساهم في تحقيق ما كانت تصبو إليه الرياض، وأنها باتت تراهن على تطوير علاقاتها مع روسيا وغيرها، في ضوء «تذبذب القرار الأميركي وحسابات واشنطن غير الواضحة في ما يتعلق ببناء تحالف استراتيجي مع دول المنطقة»، لمواجهة ما يسمّى بـ«نفوذ إيران وتمددها»، على رغم «الحماس الذي يبديه الرئيس دونالد ترامب لمثل هذا التحالف».

وعليه، فإن الزيارة تعكس في أحد جوانبها الرئيسة «حجم التحول النوعي في علاقات البلدين»، وهو تحول يعبر بدوره عن «حجم المتغيرات التي تحصل على صعيد خريطة العلاقات الإقليمية والدولية بصفة عامة».

وخلصت المصادر إلى أنه في ظل غموض الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وميلها إلى عدم التعويل على الأصدقاء والحلفاء التقليديين (الدول الخليجية)، فضلاً عن الأوضاع العربية الضعيفة والمشتّتة وانقسامها الحاد تجاه ملفات المنطقة، كان لا بد للسعودية من السعي إلى التعاون مع موسكو والتفاهم معها حول الملفات الساخنة، وخاصة الملفان اليمني والسوري، وهو ما يمكن أن ينطوي على احتمال كبير لتغير ما في الموقف السعودي تجاه هذه الأزمات، وخصوصاً السورية منها.

وأشارت بعض المصادر إلى أنّ الزيارة وما تمخض عنها من تفاهمات؛ بعضها معلن وبعضها غير معلن، تشير إلى تقاطعات في مواقف البلدين، قد تتضح معالمها وحدودها بعد وقت ليس بالطويل.

فهل ستتقبل واشنطن هذه الانعطافة غير المسبوقة في علاقات الرياض وموسكو؟، وما التأثير الذي قد تخلّفه على علاقتها مع الرياض؟. على أية حال، وبصرف النظر عن الأجوبة المحتملة لمثل هذه الأسئلة، فإن الأكيد هو أنّ الزيارة تشير إلى أن السياسة الخارجية السعودية أضحت تتسم بالبراغماتية، وأنها لن تكون رهينة لتحالفاتها وشراكاتها، حتى مع الولايات المتحدة؟!.

 

أميركا توافق على بيع منظومة «ثاد» الدفاعية للسعودية بـ15 بليون دولار

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (6/10)، أن الخارجية الأميركية وافقت على صفقة محتملة لبيع نظام «ثاد» الدفاعي المضاد للصواريخ للسعودية، وذلك بقيمة 15 بليون دولار. وتستعمل هذه المنظومة لدى الولايات المتحدة وعدد من حلفائها. وهي يمكنها اعتراض الصواريخ البالستية القصيرة والمتوسطة المدى داخل وخارج الغلاف الجوي.

وكانت كوريا الجنوبية آخر حلفاء الولايات المتحدة، التي نشرت المنظومة على أراضيها لمواجهة خطر الصواريخ، التي قد تستهدف أمنها من جارتها الشمالية.

وربط البنتاغون بين الصفقة ودعم أمن بلد صديق، «في مواجهة إيران وتهديدات إقليمية أخرى». وكان لافتاً أن الموافقة عليها أتت بعد أقل من 24 ساعة من عقد السعودية صفقة لشراء منظومة الدفاع الجوية الروسية «إس 400»!.

السعودية تستغني عن المدرسين الإخوان

تتجه المملكة السعودية إلى تنقية برامج التعليم من أي خطاب يتناقض مع استقرار الدولة وانسجام المجتمع، و«تطهير الجهاز التعليمي من منابر الكراهية والتطرّف والإرهاب، وخاصة سيطرة الكادر المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين ومن يواليهم على هيئات التدريس، سواء من السعوديين أو غيرهم».

وفي سياق ذلك، أعلنت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أخيراً أنها لن تُجدّد لبعض المتعاقدين ممن هم متأثرون بالأفكار الإخوانية والداعشية وغيرها. مستجيبة بذلك لتقارير لطالما حذرت من «تمادي تمدّد تيارات الإسلام السياسي داخل النظام التعليمي السعودي».

واعتبرت مصادر سعودية متخصصة أن ما كان ينتجه النظام التعليمي في العقود الأخيرة «متخلّف عما تبديه الدولة السعودية من رغبة للالتحاق بركب الحداثة العالمية، وأن هذا الجدل لم يكن يحظى بجرأة من أصحاب القرار للانتقال بالتعليم إلى ما يتناسب مع الرؤى والأهداف السامية للدولة».

ولفتت المصادر إلى أن «ممارسة الدولة ومؤسساتها قطيعة كاملة مع دوائر الإخوان والتيارات الفكرية المتطرّفة، تنهي اللبس والرمادية التي كانت تشوب علاقة السلطات الرسمية بهذه التيارات».

وكانت الرياض بادرت نهاية 2015 إلى سحب العشرات من الكتب التي تنشر الفكر الإخواني من مدارس وجامعات السعودية، وبينها كتب لأسماء بارزة مثل حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي. وتزامن ذلك مع دعوات لمنع كوادر الإخوان من التدريس في الجامعات السعودية.

وأكد مراقبون سياسيون أن السعودية ستمضي قدماً في «اتخاذ كافة التدابير والإجراءات لإعادة تصويب التعليم السعودي وفق ما يتّسق مع الفلسفة التي اعتمدتها الدولة منذ سنوات، وذلك من خلال إرسال الآلاف من المبتعثين للتعلّم في كبرى الجامعات الدولية».