هل ينجح الطرفان، فتح وحماس، وبرعاية مصرية، في الوصول إلى حل لقضايا الإنقسام؟. الكل يتمنى لهما النجاح، لأن في الفشل إستمراراً للكارثة الوطنية التي تسببت بها سياسة الطرفين القائمة على الإستقطاب الثنائي، وسياسة التفرد بالسلطة بإعتبارها مغنماً وليست مسؤولية وطنية. لكن هذا التمني لا يشكل الأساس الكافي للوصول إلى حلول، برأي الكثير من المراقبين، الذين تابعوا، خلال الأيام الماضية، تصريحات الطرفين، وحاولوا من قراءتها الوصول إلى رؤية للحل.

 

التأخر في رفع العقوبات

 

الملاحظ أن القيادة الرسمية السلطوية، لم ترفع حتى الآن العقوبات عن قطاع غزة. قبل تفاهمات القاهرة في 17/9/2017، كانت القيادة الرسمية السلطوية تبرر إجراءاتها في فرض العقاب الجماعي على القطاع، بـأنه للضغط على حركة حماس لتتراجع عن سياساتها الإنقسامية بما فيها وأهمها حل اللجنة الإدارية، وتسليم الوزارات لحكومة السلطة. وفي 2/10/2017، دخلت حكومة السلطة إلى غزة، وتسلمت مقر الحكومة، وعقدت فيه إجتماعاً كاملاً لها، أعلن فيه رئيس الوزراء رامي الحمد لله أن حكومته عادت إلى غزة، وأن وزراء الحكومة تسلموا وزاراتهم، حين زارها كل منهم، ليضفي شرعيته عليها. إذن خطت حماس الخطوة المطلوبة، يقول المراقبون، وخطت حكومة السلطة خطوتها بالمقابل، وبالتالي، وكما يرى المراقبون، سقطت الأسباب التي من أجلها، كما كان قد إعترف الرئيس عباس، فرض إجراءاته العقابية على القطاع.

هناك من يقول إن الإجراءات هي بحق حماس وليست بحق الشعب. وأن الهدف من وقف مرتبات الموظفين، وتخفيض موازنة القطاع، هو حشر حماس، والإيقاع بينها وبين الناس على قاعدة: ما دامت حماس تدير القطاع، فلتتحمل مسؤولياته كاملة. حماس، أعلنت أنها سلمت القطاع كاملاً للسلطة، وبالتالي بات على السلطة أن تتراجع عن إجراءاتها.

لكن يبدو أن هناك سبباً خفياً يقف خلف عدم تراجع الرئيس عباس عن  إجراءاته، كما يقول المراقبون ويتوقعون

 

الحل «المتدرج»

 

السبب الخفي، كما يفسره الكثيرون، هو أن الرئيس عباس يعتمد، في حل قضايا القطاع، مبدأ «التدرج». والتدرج، هنا، معناه أنه لا يريد أن يفرط بأوراق «القوة» التي بين يديه دفعة واحدة. والأوراق هي إجراءاته العقابية بحق القطاع. لذلك، وكما تقول مصادر في رام الله، يريد الرئيس عباس أن يقسّط خطواته التراجعية، لتتناسب مع تقدم الحوارات الثنائية في القاهرة. لأن الرئيس عباس، ودوماً وفق تقديرات مراقبين في رام الله، يتخوف أن يقدم «تنازلاته» [وهي ليست تنازلات بل إجراءات عقابية ظالمة] لحماس، قبل أن تتقدم الحوارات والمفاوضات الخطوات المطلوبة إلى الأمام.

في مقدمة هذه الخطوات هو «الأمن». إذ        رغم أن العديد من التصريحات، صدرت في غزة، أكدت أن القضية الأمنية ليست مطروحة، وبالتحديد فإن قضية المقاومة ودورها في الدفاع عن القطاع، ليست مطروحة على بساط البحث.

بالمقابل يتحدث أركان رام الله، وعلى رأسهم الرئيس عباس، عن سلطة واحدة، وبندقية واحدة في القطاع. وإذا ما أردنا أن نمد التصريح إلى مداه، فهذا معناه أن السلطة في رام الله، ترفض أن تكون إلى جانب بندقية السلطة ذات المهام الأمنية الداخلية بندقية أخرى ذات مهام أمنية وطنية (أي التصدي للإحتلال والعدوان). وبالتالي فنحن هنا، كما يقول المراقبون، نقف أمام منطقين. المنطق الأول هو منطق السلطة. والمنطق الثاني هو منطق حركة التحرر. فما هي خلفية كل من هذين المنطقين؟

 

 

 

منطقان متناقضان

 

منطق السلطة يقوم على إفتراض أننا أمام سلطة فلسطينية ذات سيادة، من حقها أن تفرض سيادتها السلطوية على الشعب، وعلى قواه السياسية دون إستثناء. وأن أساس السلطة ومصدر قوتها هو بندقيتها السلطوية القمعية، والتي لا تريد لأية سلطة أخرى (أي بندقية أخرى) أن تنافسها سلطتها. علماً ان أصحاب السلطة أنفسهم يعترفون أنهم أصبحوا، في ظل الإحتلال وممارساته: «سلطة بلا سلطة» و«دولة بلا سيادة».

ويقول المراقبون ان خلفية هذا المنطق تنطلق من رؤية تنظر إلى السلطة على أنها سلطة فئوية، وظيفتها تأمين المصالح الفئوية لكبار المسؤولين ولتيار سياسي معين في مناطقها. ولا تنظر إليها بإعتبارها سلطة وطنية وظيفتها حماية شعبها من الإحتلال والإستيطان. لذلك ترى أن وظيفة بندقية السلطة هي حماية مصالح الفئات الإجتماعية العليا في السلطة ومصالح الصف العريض من البيروقراطية في الأجهزة الإدارية والأمنية وإلى جانب هذا كله، وأهم من هذا كله، أن تمارس تعهداتها وإلتزاماتها في قضايا التنسيق والتعاون الأمني، مع الإحتلال، من موقع لعب دور الوكيل في إدارة الجانب الأمني في المناطق الفلسطينية المحتلة. وقد إنزلقت ألسنة بعض رموز السلطة، في حديثهم عن البندقية حين تساءلوا: كيف نأمن جانب حماس وهي تملك هذه القوة العسكرية وماهي الضمانة ألا تنفجر الأمور  بيننا مرة أخرى وتنقلب علينا حماس ببندقيتها.

سؤال خطير، كما يقول المراقبون، يخفي نوايا إنقسامية مسبقة، رغم أنها تتحدث عن إنهاء الإنقسام، تضع في حساباتها نشوب خلافات سياسية قد تتحول إلى نزاعات مسلحة، لذلك تشترط تجريد حماس، وكل فصائل المقاومة، من سلاحها، لتضمن ليس سلامة الوضع الداخلي، بل سلامة السلطة وبرنامجها الفئوي، برنامج أوسلو وإلتزاماته المذلة.

أما المنطق الثاني فهو منطق حركة التحرر الوطني. والذي يقول إن الشعب الفلسطيني يعيش تحت الإحتلال، في الضفة والقدس، وخلف الحصار وتحت التهديد بالعدوان في قطاع غزة، وأن من حق الشعب الفلسطيني أن يمارس كل أشكال المقاومة، بما فيها المقاومة المسلحة، وأن يمتلك كل أدوات المقاومة، بما فيها البندقية وما يمكن توفيره من سلاح.

 

 

البندقية قضية سياسية

 

منطق المقاومة يتعارض مع منطق أوسلو. لذلك يرى المراقبون أن بحث قضية البندقية هو مسألة سياسية من الطراز الأول. فإذا كان الهدف من إنهاء الإنقسام أن يذهب كل الفلسطينيين إلى أوسلو، فلا معنى بعد ذلك لبندقية المقاومة. أما إذا كان الهدف هو ترتيب البيت الفلسطيني، لإعادة بناء الإئتلاف الوطني الفلسطيني على أساس برنامج العمل الوطني، برنامج المقاومة والإنتفاضة وتدويل القضية، وطي مشروع أوسلو، ودفنه غير مأسوف عليه، فهذا يتطلب صون بندقية المقاومة، وسلاح المقاومة، ووضع آليات لا تناقض فيها بين بندقية السلطة التي من مهماتها حفظ الأمن الداخلي للمواطن، وبين بندقية المقاومة، التي من واجبها النضال ضد الإحتلال وحماية الشعب من العدوان.

ويرى المراقبون، في الختام، أنه مهما تهرب الطرفان من بحث هذه القضية، فستبقى ماثلة ميدانياً، كونها قضية سياسية برنامجية أولاً وقيل كل شيء. وهي أساس الوحدة الوطنية