يوهم البعض نفسه بأنّ تصريحات السفير الأميركي في إسرائيل رأي شخصي، عندما قال إنه يتفهم حق إسرائيل بالتوسع الاستيطاني والاحتفاظ به وتأمين حدود آمنة في أية تسوية قادمة.

لذلك، انصبّ غضب هؤلاء على ديفيد فريدمان دون المس بسياسات إدارته، على أساس أنّ تلك التصريحات «تتعارض» مع الموقف الأميركي كما قالوا. وكان واضحاً أنهم يتأملون من البيت الأبيض رداً فورياً على السفير، وبما يغذّي سياسة الرهان المستديم على دور واشنطن في التسوية.

لكن الذي حصل، أنّ الموقف الرسمي الأميركي جاء رداً على تصريحات «الغاضبين» وليس على ما أدلى به السفير، فقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية إن ما تحدث به «يجب ألا يفسر بأنه تغيير في السياسة الأميركية».

ما لم تقله المتحدثة إن الرئيس ترامب كان أول من هاجم قرار مجلس الأمن ضد الاستيطان، وأول من نعى «حل الدولتين» ودعا إلى نقل السفارة الأميركية إلى القدس.

جاء ديفيد فريدمان سفيراً لواشنطن في إسرائيل بترشيح من ترامب وقرار من الكونغرس الأميركي. وهو، كما الفريق الذي شكله الرئيس الأميركي، منحاز بوضوح إلى الاحتلال. وهذا يؤكد بأنه لا يغرد خارج سرب السياسة الأميركية، كونه أحد أركان «المطبخ» الذي شكلته واشنطن ليدير مسار التسوية، بالتنسيق مع حكومة نتنياهو. لذلك ليس صحيحاً ما قاله أحد أركان السلطة الفلسطينية بأن فريدمان «جاهل بمواقف بلاده».

وتنسجم تصريحات سفير واشنطن في إسرائيل مع مشاريع تتداولها الإدارة الأميركية حول التسوية تستبعد قيام دولة فلسطينية مستقلة. وكان هذا واضحاً عندما استطلع المبعوث الأميركي غرينبلات موقف الرئيس عباس من الكونفدرالية مع الأردن خلال زيارته السابقة لرام الله. وبذلك تعيد إدارة ترامب موضوعة التسوية إلى ما قبل المربع الأول، في سياق الحديث عن «السلام الإقليمي» من خلال ترتيبات ترسم خريطة سياسية «جديدة» للمنطقة يكون فيها المشهد الفلسطيني ملحقاً هامشياً.

وعلى اعتبار أنّ الإدارة الأميركية لا ترى في تصريحات فريدمان خروجاً على سياساتها، فإنها كما سابقاتها، تبرر قيام إسرائيل بشن عدوان 1967 واحتلالها ما تبقى من فلسطين بأنها تحتاج «حدوداً آمنة»، وهو أمر لم يستكمل بعد بالنسبة لكل من إدارة ترامب وحكومة نتنياهو.

وتؤكد هذا الشروط التسعة التي طالب غرينبلات قيادة السلطة الفلسطينية بتنفيذها وفي مقدمها وقف العنف والتحريض ضد الاحتلال وإعادة تشكيل الحالة الفلسطينية بما يتوافق مع الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، مقابل البحث في وسائل تحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين.

إذن، القطع مع هدف قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وحتى مع «حل الدولتين»، هو أحد محددات السياسة الأميركية في ظل إدارة ترامب ربطاً بالمؤشرات السابقة، وعندما يعلن ذلك على لسان فريدمان وغيره يفقد المفاوض الفلسطيني «زوّادة» الوعود التي كانت وقوداً لتحريك عجلة الأوهام باقتراب الحل على يد الراعي الأميركي، كما كان يحصل في عهد الإدارات السابقة.

ومن الضروري التذكير بأن المحددات الأميركية تجاه الموضوع الفلسطيني ليس انقلاباً في الاستراتيجية الأميركية تجاه الموضوع الفلسطيني، بل استثمار لما يجري في المنطقة ومنه بالطبع حالة التردي في الوضع الفلسطيني، وإدراك واشنطن وتل أبيب معاً أن المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية يراوح في سياسته الانتظارية.

فقد شهدت الأعوام القليلة السابقة إعلانات متكررة تدعونا لترقب مفاجآت وقنابل سياسية مدوية في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم نشهد سوى الشكوى من عسف الاحتلال وصلف حكومته.

وها هو الأمر يتكرر على وقع تصريحات فريدمان فنسمع عن عزم السلطة طلب العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة، وكأن أصحاب هذه الإعلانات لم يتذكروا أن الخطاب الفلسطيني في المنتدى الدولي تجاهل الموضوع قبل نحو اسبوعين فقط!

أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كانوا من بين الذين حمّلوا فريدمان وحده مسؤولية تصريحاته المتطابقة مع الرؤية الإسرائيلية، وتوجهوا في الوقت نفسه إلى إدارته يطلبون «موقفاً جدياً» تجاه ما قاله. وأعضاء آخرون في اللجنة ذاتها ربطوا هذه التصريحات بالسياسة الأميركية تجاه سبل حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ودعوا إلى إغلاق باب الرهان على واشنطن والدفع باتجاه عقد مؤتمر دولي بإشراف مجلس الأمن ومرجعية الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة.

ما سبق، يدعو للتساؤل عن حضور اللجنة التنفيذية كهيئة جماعية معنية بقيادة الشأن الوطني العام والتزام تنفيذ قرارات المؤسسات الوطنية وفي المقدمة المجلس المركزي وخاصة ما يتصل بالعملية السياسية لجهة إرسائها وفق قرارات الشرعية الدولية وأولاً القرار 194 الذي يكفل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم التي طردوا منها.

وقد سبق لهذه اللجنة أن أجمعت على استخلاص يدعو للقطع مع التسوية بشروطها القائمة وقررت إطلاق المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة التي اعترفت في خريف العام 2012 بفلسطين دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

لقد تم تجميد هذا الإنجاز عند حدود القرار الأممي ولم يتم تثميره والبناء عليه وعلى عضوية فلسطين في المؤسسات الدولية ومنها الجنائية الدولية، وأقفلت الأدراج على القرارات المتقدمة التي اتخذها المجلس المركزي ربيع العام 2015.

والباب الوحيد الذي أبقي مفتوحاً هو الذي يطل فقط على باحة انتظار «الفرج» على يد واشنطن وإداراتها المتعاقبة.

لكن الأمر الذي لا تريد السياسة الرسمية الفلسطينية الاعتراف به هو المنحى الذي وصله مسار السياسة الأميركية تجاه السلطة، والذي تجاوز مرحلة التحفيز ومن ثم الاقناع بالوعود، إلى مرحلة الاملاء المباشر عبر شروط وطلبات كما جاء في الشروط التسعة.

لذلك، ما يتم الحديث عنه من وقت تحتاجه الإدارة الأميركية كي تبلور خطتها تجاه التسوية، هو في الحقيقة المدى الزمني الذي تراه كافياً كي تصبح ترتيباتها أمراً واقعاً، في حال جرت الأمور وفق ما تخطط في المنطقة.

وما يتعلق بالجانب الفلسطيني من هذه الترتيبات فهو خطوات واجراءات ينبغي أن تقوم بها السلطة ضمن هذا المسار حصراً.

وربما من هذه الزاوية تنظر الإدارة الأميركية إلى فتح باب المصالحة مجدداً بين حركتي فتح وحماس، وليس غريباً أن غرينبلات أعاد طرح الشروط الأميركية الواجب تنفيذها في حال تم تشكيل حكومة فلسطينية واحدة لكل من الضفة وغزة، وهي الاعتراف بإسرائيل والاتفاقات المعقودة معها ونبذ الإرهاب.

الخطاب الأميركي تجاه التسوية واضح وعبّر عنه أصحابه بما فيه الكفاية وأكثر، وما طرحه فريدمان مؤخراً هو بداية سيناريوهات لتطبيقه، وجميعها تعتمد تقاطع المصالح الأميركية ــ الإسرائيلية في المنطقة، في حين يبقى على الدول العربية المعنية ومعها الحالة الفلسطينية أن تنضم إلى التحركات التي تكفل تحقيق هذه المصالح مقابل تهدئه هواجسها الكيانية القطرية، عن طريق حشد تحالفات في مواجهة الأخطار التي تبتكرها كل من تل أبيب وواشنطن.