ثمة صراع محتدم في الإقليم يدور بين ثلاثة محاور رئيسية، متخذاً أشكاله المختلفة، السياسية، والإقتصادية، والإعلامية، وأحياناً العسكرية المباشرة أو بالواسطة (proxy):

 

1ــــ المحور الأول: يضم بالأساس السعودية والإمارات العربية ويتقاطع بهذا القدر أو ذاك مع دول عربية أخرى حسب القضية المطروحة  وبخاصة مع البحرين والسودان.

 

يقدم هذا المحور نفسه باعتباره المعني بالدفاع عن المصالح العربية، بالتحالف الوثيق مع الولايات المتحدة الأميركية. وقد جاء مؤتمر الرياض (20 ــــ 21/أيار/مايو/2017) الذي ضم الولايات المتحدة إلى خمس وخمسين دولة عربية ومسلمة، ليرسّم هذا المحور الذي أعلن عن ولادته، بدعوى محاربة الإرهاب المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية [داعش]، وحركة حماس في فلسطين، و«حلفاء إيران» في المنطقة، كحزب الله، والحشد الشعبي في العراق، و«الحوثيين» في اليمن، والمعارضة الشيعية في البحرين؛ وبدعوى التصدي لإيران، باعتبارها تشكل الخطر الداهم، الرئيسي والمباشر على المصالح العربية (!!)، وليس إسرائيل.

وعليه، يعمل هذا المحور على إعادة صياغة المعادلات السياسية والتحالفية في المنطقة، و ترتيب أولويات الصراع. وبدلاً من أن تكون إسرائيل هي العدو الرئيسي الواجب تحشيد القوى في مواجهته، من بوابة مواصلة المقاطعة السياسية والإقتصادية ومكافحة التطبيع، ودعم الشعب الفلسطيني ومقاومته للاحتلال، تصبح الجمهورية الإسلامية في إيران وحلفائها هم الخطر الواجب التصدي له (!).

لذلك لا غرابة أن تلجأ بعض الدوائر في هذا المحور إلى تغليف مواقفها السياسية الملتحقة بالسياسة الأميركية والمتحالفة معها، بعبارات دينية ومذهبية، كالحديث عن الصراع السني ــــ الشيعي. ومهما تمادت محاولات تجييش المشاعر الدينية والمذهبية للتمويه على الحقائق السياسية للصراع، وعلى المصالح الحقيقية التي تقف خلفه، فإن طبيعة القضايا والملفات المثارة، والمطروحة كعناوين للصراع في المنطقة، تؤكد وهن هذه المحاولات وإفتقادها إلى قاعدة صلبة، وأن الصراع في حقيقته وفي جوهره، وفي خلفيته، وإستهدافاته، هو صراع سياسي تقف وراءه مصالح عادية أولاً وأخيراً، تشترك فيه قوى سياسية تلتحف بالغطاء الديني لتموه على حقائق سياساتها، ولتضلل الرأي العام، ولتبرر إغراقها المنطقة العربية في حروب تدميرية، شكلت مدخلاً واسعاً لقوى التخلف والإستبداد لإدامة حكمها وتسلطها على شعوبها، كما شكلت مدخلاً للقوى الخارجية للتدخل بالشؤون الداخلية لشعوبنا، وكذلك مدخلاً لإضعاف القوى التقدمية والديمقراطية والعلمانية، وبهدف تهميش دورها وبرامجها في معاركها الوطنية الإجتماعية، وتعطيل النقلات الضرورية في حياة شعوبها نحو التقدم والحداثة والديمقراطية والعدالة الإجتماعية.

2ــــ المحور الثاني: يتشكل من قطر وتركيا ومعهما حركة الإخوان المسلمين. ورغم أن هذا المحور يرتبط بالسياسة الأميركية في المنطقة إرتباطاً وثيقاً، سياسياً وعسكرياً [في تركيا وقطر ـــــ على سبيل المثال ــــــ تقوم قواعد عسكرية أميركية كبرى ذات وظائف تتجاوز حدود الإقليم] (!)، إلا أنه يفترق عن محور السعودية في عدد من الملفات، من أهمها التنازع على الدور الأول في المنطقة، في إطار السعي للإستحواذ على النفوذ والصراع على النفوذ السياسي في الإقليم، ودائماً تحت سقف الهيمنة الأميركية.

فتركيا تعتبر نفسها دولة إقليمية كبرى ذات قوة عسكرية مميزة، وعضو فاعل في حلف شمال الأطلسي [الناتو]، وذات إقتصاد قوي ومتنوع. كما تعتبر موقعها الجغرافي موقعاً إستراتيجياً، يربط بين أوروبا وروسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط، وبين عوالم مختلفة، وتمثل تجربة حزبها الحاكم المتحدر من أصول دينية التي لا تتعارض ـــــ حتى الآن بأقله ـــــ مع الطابع العلماني والديمقراطي للدولة، تجربة ونموذجاً مختلفاً عن نموذج الحكم الوهابي الثيوقراطي الذي تعتمده العربية السعودية.

أما قطر، ورغم صغر حجمها ـــــ مساحة وسكاناً ــــــ كدولة، إلا أنها، وإستناداً إلى مصادرها المالية الهائلة، التي توفرها لها صناعة الغاز السائل، فإنها تبحث لنفسها على الدوام عن دور إقليمي، نافذ وفاعل، في إطار شبكة التحالفات الأميركية مع دول المنطقة ومحاورها المختلفة، لذلك تحاول قطر أن ترسم لنفسها مسافة عن مواقف الرياض وسياساتها [رغم أن الطرفين شركاء في مجلس التعاون الخليجي].

ومن علامات الإفتراق عن سياسة الرياض، الإنفتاح القطري على طهران، باعتبار الأخيرة طرفاً إقليمياً فاعلاً في المنطقة. وهو أمر يشكل قلقاً لثلاث دول في مجلس دول التعاون الخليجي: العربية السعودية أولاً، لأنه يضعف مرجعيتها في مجلس التعاون الخليجي؛ ودولة الإمارات ثانياً، بسبب طموحاتها الإقليمية الناشئة، ومشكلة السيادة التي ما زالت منذ أيام الشاه عالقة على الجزر الثلاث المعروفة؛ والبحرين ثالثاً، التي تتهم طهران علانية بأنها تغذي ما تسميه بالمعارضة الشعبية الشيعية في المملكة وتمدها بوسائل الدعم شتّى.

ويشكل الموقف من حركة الإخوان المسلمين مسألة خلافية بين المحورين. ففي الوقت الذي تحتضن فيه أنقرة والدوحة القيادات الإخوانية المصرية، وقيادة حركة حماس ذات العلاقات الوثيقة مع قطر وتركيا، والتي أدرجها مؤتمر الرياض في لائحة القوى الإرهابية، تعتبر القاهرة، ومعها الرياض، والإمارات، «الإخوان» حركة إرهابية خارجة على القانون. ويشكل هذا الملف أحد العناصر الرئيسية في التباعد السياسي بين المحورين، لا سيما مع الإمارات.

ولعل الإنفجار في العلاقات بين قطر وسائر دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية والإمارات والبحرين بحدة، والكويت بدرجة أقل، وعُمان التي إلتزمت ما يقارب الحياد؛ هذا إلى جانب مصر)، هذا الإنفجار يحمل في طياته أكثر من معنى حول حدة التنافس في الهيمنة على الإقليم والتدخل النافذ لحل قضاياه ومعالجة إضطراباته السياسية والأمنية وفقاً لمصالح كل محور. ومع أن عنوان الإنفجار هو إتهام السعودية، الإمارات، البحرين + مصر، لقطر بدعم الإرهاب في المنطقة، والتدخل الفظ في الشؤون الداخلية لدولها، إلا أن حقائقه تختلف بطبيعة الحال. فصفة دعم الإرهاب في المنطقة خاصة، تلك القوى المسلحة على الأرض السورية، يمكن إطلاقها ــــ بالبرهان القاطع ـــــ على أكثر من دولة إقليمية عربية وغيرها، من داخل دول مجلس التعاون الخليجي وخارجه. وبالتالي فإن الحقائق التي تخفيها العناوين المرفوعة لطبيعة الخلاف بين قطر والدول الأربع المذكورة، تؤكد أنه خلاف يعكس الصراع على النفوذ بين المحاور، وعلى رغبة العربية السعودية في إعادة اصطفاف القوى العربية، خاصة الخليجية منها، تحت زعامتها، في مرحلة ترى فيها الرياض أن قواعد إدارة الصراعات في المنطقة باتت تتطلب منها دوراً زعاماتياً مباشراً ((leadership، تصطف خلفه باقي الأطراف العربية، في مقدمتها الخليجية، وعلى الأخص قطر، التي تنزع إلى إعتماد سياسة مختلفة عن سياسة الرياض، وإلى حد ما مستقلة عنها.

ولعل الوساطات الأميركية، والبريطانية والفرنسية، بين الطرفين، وتأكيد هذه الوساطات ضرورة معالجة الخلافات القائمة بين الرياض والدوحة، وكذلك تصريحات وزير خارجية السعودية بأن الخلاف مع قطر يمكن معالجته في اطار خليجي صرف، كلها مؤشرات تؤكد طبيعة الخلاف، كما تؤكد أن الحديث عن دعم الارهاب، ليس المقصود منه حقيقة، أن الرياض تعارض دعم الارهاب وتدعو إلى وقفه، بل إلى مواجهة تلك القوى التي تقاتل إسرائيل (حزب الله، حماس، الخ..) وتتعاطى مع إيران، من هذا المنطلق. علماً أن السعودية وقطر وغيرهما تتدخلان في الأزمة السورية من موقع دعم الإرهاب الذي تمثله عديد الفصائل المسلحة التي تتلقى دعماً مباشراً، عسكرياً وسياسياً ومالياً، من أكثر من عاصمة خليجية واقليمية.

3ــــ المحور الثالث: يضم سوريا والعراق وإيران. وينضوي تحت لوائه العديد من الأحزاب والمنظمات المسلحة، كحزب الله في لبنان، وأنصار الله(الحوثيون) في اليمن، وعصائب أهل الحق، والحشد الشعبي (العراق) وغيرها. ويحمل هذا المحور اسم : محور المقاومة والممانعة. تحتل فيه الجمهورية الاسلامية في ايران موقعاً مؤثراً مركز الثقل الرئيسي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، في ظل انشغال سوريا بأزمتها الداخلية.

يتصادم هذا المحور مع المحورين السابقين، في العديد من المجالات إن في الملف السوري، أو الملف العراقي، أو الملف اليمني أو البحريني (أو حتى اللبناني). وتعكس هذه المصادمات حجم الاختلافات في الرؤى والتوجهات السياسية وصراعات النفوذ في الاقليم.

علماً أن المنحى العام لدينامية هذا المحور هو منحى صاعد، وبات يمثل عامل إزعاج حقيقي لدولة إسرائيل، التي ترى في إقتراب توضع القوى الصديقة لإيران بجوار الحدود الشمالية لفلسطين، بداية لنشوء حالة جديدة تُنذر ـــــ على زعمها ــــ بالإخلال بالتوازن الإستراتيجي لغير صالحها. وعلى صحة هذه الموضوعة، فإنها تنطوي على قدر محسوب من التوظيف السياسي، ترمي من خلال سياسة الإبتزاز المعهودة لتل أبيب إلى تعطيل تقدم قوى إستعادة السيادة الوطنية على كامل التراب الوطني السوري من جهة، كما تسعى ـــــ في الوقت ذاته ــــــ إلى إبقاء نافذة تدخلها في الشأنين السوري واللبناني مشرّعة على إلى حد ما.

 

4ـــ الولايات المتحدة وإسرائيل

 

 هذا التجاذب والصراع بين المحاور الإقليمية الثلاثة المذكورة يدور فصولاً بمتابعة دؤوبة ذات طابع تدخلي فاقع على يد الولايات المتحدة وإسرائيل، ويستند إلى الإستراتيجية التالية التي مازالت تشكل عناوين السياسة الأميركية في الشرق الأوسط مع تعاقب إداراتها المختلفة:

* ضمان ما يسمى أمن إسرائيل، وتفوقها العسكري على مجموع دول المنطقة العربية، إن من خلال دعمها بما يلزم عسكرياً، وإقتصادياً، ومالياً، ودبلوماسياً، أو من خلال التدخل الأميركي الإسرائيلي الفظ في الشأن العربي والعمل على تفتيت الحالة العربية إلى محاور وجبهات متعارضة ومتضاربة، وتجنيد حالة الضعف العربي هذه في خدمة تعزيز المركز الإستراتيجي وتعميق قوة الحليف الإسرائيلي.

• ضمان السيطرة الأميركية على خطوط المواصلات في المنطقة بما يضمن مصالح الغرب بشكل عام، إنطلاقاً من حيوية موقع المنطقة الإستراتيجي في تنشيط التجارة الدولية العائدة فوائدها لصالح الدوائر الغربية.

• ضمان السيطرة على موارد الطاقة، من نفط وغاز وغيره، وعدم تعريض هذه الموارد لمخاطر قد تهدد المصالح الغربية، العسكرية والسياسية والإقتصادية.

• ضمان بقاء المنطقة العربية سوقاً إستهلاكية للبضائع الغربية من تكنولوجيا وسلاح وغيرها.

• وأخيراً، وليس آخراً، وعلى ضوء مشروع ترامب، العمل على دمج إسرائيل في المحيط العربي تحت شعار تعميم السلام بين دول المنطقة، وبناء حلف إقليمي، عربي ــــــ إسرائيلي، ترعاه الولايات المتحدة يضمن مصالحها ومصالح تل أبيب.

 

5ـــ في تشابكات العلاقة وتقاطعاتها بين المحاور

 

 لا يمكن الحديث عن حدود مستقيمة وقاطعة تفصل بين هذه المحاور وتباعد فيما بينها، وتشكل في الوقت نفسه خطوط تماس تصادمية في اطار النزاعات القائمة بينها. بل يمكن الحديث عن سلسلة واسعة من التقاطعات السياسية والميدانية بين أطراف مختلفة في أكثر من محور، حول قضايا لا تشكل بالضرورة ملفاً خلافياً متفجراً، بقدر ما تشكل نقطة تلاقي فرضتها تعقيدات الأوضاع في الإقليم.

وفي هذا الإطار نستطيع أن نعتبر أن القاهرة هي أقرب إلى المحور السعودي ــــ الإماراتي في الموقف من سياسة قطر السابق وصفها، أو تحالف علي عبد الله صالح مع الحوثيين في اليمن. وهي أقرب إلى السعودية والإمارات والأردن في موضوع إستعادة وحدة م.ت.ف ضمن خطة المراحل الثلاث (مصالحة دحلان مع فتح، مصالحة حماس مع فتح، ثم إنعقاد مجلس وطني توحيدي). لكن القاهرة تقف على مسافة واضحة من موقف السعودية وقطر حيال الأزمة في سوريا الخ..، بإعتبار مصر ــــ على خلفية إدراكها لفداحة الخسارة الإستراتيجية فيما لو تم المساس بوحدة الكيان السوري، وإستتباعاً موقع ودور الجيش العربي السوري ــــــ تقف بثبات إلى جانب سوريا في حل أزمتها على قاعدة الحفاظ على وحدة أراضيها و إستعادة سيادتها الكاملة عليها، و صون وحدة جيشها ومؤسساتها في إطار دولتها ــــ نكاد أن نقول ــــــ المركزية.

ولعل موقف القاهرة من ملف الإرهاب يستحق وقفة خاصة، فهي تعتبر أن الإرهاب يتمثل بشكل رئيسي في المجموعات الأصولية والتكفيرية العاملة في شبة جزيرة سيناء، وفي حركة الإخوان المسلمين وإمتداداتها المتطرفة. وجميع هذه المكونات لا يربطها رابط بما يسمى «الهلال الشيعي» بحسب التسمية المستخدمة من القوى المناهضة للجمهورية الإسلامية في إيران، في محاولة من السعودية وحلفائها للحط من قيمة الحالة الإستراتيجية التي تشكلها طهران في المنطقة، وحشرها في خانة الصراع المذهبي المزعوم، الذي لا يتعدى كونه إحدى الوسائل الهابطة لحرف الأنظار عن التناقض الرئيسي مع العدو الإسرائيلي في الإقليم، ومع مساعي إدامة الهيمنة الأميركية على مقاليد الأمور ومقدرات شعوب الإقليم،  وـــــ فوق هذا وذاك ــــــ  مع العدو الطبقي في كل بلد على حدة، كما تشكله مافيات الفساد والتسلط والقمع على شؤون العباد والبلاد.

في الوقت نفسه يلاحظ أن عمّان، لا تلتقي مع القاهرة، وباقي أطراف المحور على كيفية إدارة ملف الإخوان المسلمين. فالعلاقة التي مازالت قائمة بين النظام الأردني وحركة الإخوان [ التي تشظت مؤخراً إلى ثلاثة تيارات رئيسية] تفترض من الإدارة السياسية الأردنية معالجة مميزة. فأحد أطراف حركة الإخوان في الأردن حزب سياسي يتمتع بالترخيص القانوني. أما التياران الآخران، ورغم أنهما لا يملكان ترخيصاً، فإنهما يمارسان نشاطاً سياسياً معلناً، يستند إلى علاقة تاريخية تربط «الإخوان» بالنظام، دون أن يعني ذلك أن العلاقة الثنائية لم تتعرض ـــــــ كما حصل في السنوات الأخيرة ـــــــ لعمليات تجاذب سياسي، تنتهي على الدوام بإستعادة صيغة التعايش السياسي، ودائماً بغلبة مرجعية النظام..

■  ■  ■

رغم التباين وصولاً إلى التنافس فالصراع، بين المحور الأول (السعودي ــــ الإماراتي) والمحور الثاني (القطري ـــ التركي ـــــ الإخواني) فهناك تقاطعات بين أكثر من دولة من داخل هذين المحورين ومن خارجهما في العلاقة مع إسرائيل. فمن جهة ترتبط القاهرة وعمان مع تل أبيب بمعاهدات سلام، وإستتباعاً علاقات طبيعية في مجالات مختلفة، بما فيها المجالات الأمنية والعسكرية، والأمر نفسه ينطبق على تركيا حيث بينها وبين اسرائيل العديد من الاتفاقيات والمعاهدات والتفاهمات.

بدورها لا تخفي الدوحة علاقتها العلنية [غير الرسمية حتى الآن] مع تل أبيب، بينما كشفت الوقائع أن للرياض أكثر من خط خلفي مع تل أبيب يأخذ أشكالاً مختلفة. والأمر ذاته ينطبق على دولة الإمارات، دون أن نتجاهل السياح الخليجيين الذين يزورون إسرائيل سنويا، في ظل صمت مطبق من عواصمهم، ما ينبئ أن الحديث عن تحضيرات ميدانية لإقامة حلف إقليمي بدعوى مكافحة الإرهاب تكون اسرائيل في عداده، ليست تكهنية، بل هي تستند إلى وقائع عملية لا يمكن تجاهلها، وإن لم تتبّد تماماً علائمها

 

6 ــــ  في محاربة الارهاب

 

رسمت معارك تحرير الموصل من الارهاب الداعشي، التي تكللت بالنجاح في تموز (يوليو)/2017، مشهداً تقاطعت فيه العلاقة الميدانية بين أطراف تعتبر متناحرة في الميدان. ففي الوقت الذي تناصب فيه طهران واشنطن العداء، وفي الوقت الذي تعتبر فيه حكومة العبادي العراقية شريكاً في محور المقاومة والممانعة، تموضعت هذه الأطراف معاً في معركة تحرير الموصل. حيث وفرت الولايات المتحدة [ تحت إسم التحالف الدولي] الغطاء الجوي والدعم المدفعي لقوات الجيش العراقي، والحشد الشعبي.

 

7ــــ  في الموقف من القضية الكردية

 

تشكل القضية الكردية ملفاً شائكاً من ملفات الاقليم، امتدت إليه بشكل علني أصابع الولايات المتحدة من خلال دعمها لقوات سوريا الديمقراطية [قسد]، بحيث جعلت منها قوة رئيسية في خارطة القوى المتصارعة على الأرض السورية. وإذا كان هدف " قسد" إقامة كيان كردي في سوريا، يوازي بشكل أو بآخر الكيان الكردي في العراق، فالملاحظ أن ثلاثة أطراف رئيسية تتوزع على محورين مختلفين هي سوريا وإيران وتركيا، تلتقي في معارضتها لقيام كيان كردي[أياً كانت صفته] في سوريا، مؤكدة في الوقت نفسه تمسكها بوحدة الأرض والدولة والشعب في سوريا، ورفضها القاطع أي مشروع لنظام بديل فدرالي أو كونفدرالي. ففي تركيا كما هو معروف أزمة هي أزمة العلاقة مع الأكراد، لا سيما في المناطق الجنوبية الشرقية في تركيا، حيث يدير حزب العمال الكردي حرب أنصار ضد الجيش التركي.

وفي هذا السياق تلتقي طهران وأنقرة، في هذه النقطة في موقف موحد، يحول دون قيام كيان كردي مستقل، في سوريا كما في العراق، يشكل سابقة لحدث مماثل في تركيا أو إيران. ومع ذلك تبقى تركيا مترددة في الإنقلاب على المعارضة السورية، في الوقت الذي تشارك فيه إيران موقعها في إخراج الأميركيين من شمال سوريا حين يقدمون الدعم للأكراد. ويبقى السؤال المطروح هو التالي: هل التعاون بين الدولتين يقتصر على الموضوع الكردي، أم يتجاوزه إلى ملفات أخرى؟ خاصة أن طهران وأنقرة تعتبران ضامنتين لمسارات أستانة إلى جانب روسيا، التي من المفترض أنها ستشمل أيضاً محافظة إدلب بترتيبات «مناطق تخفيض التصعيد». هذا ما سوف تبيّن إتجاهاته التطورات المرتقبة خلال الفترة القريبة القادمة.

 8ـــ  في العلاقة مع حماس وحركة الإخوان

تشكل العلاقة مع حركة حماس نقطة تقاطع بين أكثر من دولة في أكثر من محور. فإلى جانب علاقاتها مع الدوحة وتركيا، لم تغلق حماس قناتها مع إيران، ولم تقطع علاقاتها مع حزب الله. ومؤخراً توصلت حماس إلى سلسلة من التفاهمات مع القاهرة، أعادت صياغة العلاقة بين الطرفين على مبدأ التعاون في مجالات الأمن والطاقة والاقتصاد والتنسيق وغيرها. كما لاحظنا، في مكان سابق تميز موقف عمّان وخصوصية علاقاتها مع حركة الإخوان، مقارنة مع مواقف الرياض والقاهرة وأبوظبي، وهي في ذلك تلتقي مع الدوحة وأنقرة في التعاطي مع هذا الملف.

 

 

خلاصة

 

يعيش الاقليم حالة من الاضطراب السياسي، تشتت فيه دوله، على اختلاف اتجاهاتها، في محاور عدة، تشكل ملفات الاقليم المختلفة محاور صراعاتها ونزاعاتها المتعددة، تفصل فيما بينها حدود وخطوط تماس، تخترقها سلسلة من العلاقات المعقدة والمتشعبة بين أطراف في هذه المحاور، تتجاوز، دفاعاً عن مصالحها، إرتباطاتها المحورية، في تقاطعات سياسية، تجعل من الانقسامات مسألة غير مستقرة، تخضع لاستراتيجيات تتبعها تكتيكات متباينة حتى في اطار المحور الواحد.

سيبقى الإقليم يعيش حالة إضطراب سياسي وإجتماعي، تتداخل فيه عناصر النزاع والصدام والحروب، تغذيها الإنقسامات المحورية، رغم التقاطعات القائمة بين أطراف المحاور المختلفة. ولسوف يبقى الإقليم تحت وطأة نزاعاته، وإنقساماته، لفترة غير قصيرة تصارع فيها مشاريع التغيير الداخلي، والتطوير والحداثة، مع مشاريع التخلف والظلامية والإستبداد، في ظل تدخلات إقليمية ودولية، ليس من شأنها سوى أن تزيد الأمور تعقيداً، وأن تضعف صوت التغيير والتقدم، وأن تزيف حقائق الأمور، أن تغلب عليها مفاهيم الصراعات الدينية والمذهبية، التي لا تخدم سوى قوى الإستبداد، والقمع والبطش، والقوى المحافظة المعارضة لأي تغيير ديمقراطي نحو بناء الدولة المدنية الديمقراطية والعلمانية، دولة العدالة الإجتماعية.

غير أن هذا كله لا يلغي أن بعض التطورات الإيجابية بدأت تنبئ بأن بإمكانية خروج الإقليم من أزماته، نحو المعافاة التدريجية، (وإن كانت تتطلب جهداً فائقاً وزمناً غير قصير).

فالوقائع تؤكد أن مشروع داعش في طريق الإندحار، إن في العراق (في الموصل وتلعفر ولاحقاً في الحويجة الأنبار الغربية)، الأمر الذي سيفتح بالضرورة على مرحلة جديدة لدولة العراق، تطرح فيها قضايا إعادة البناء الداخلي، سياسياً، وتنموياً، وإجتماعياً، في سبيل بناء مشروع الدولة الوطنية، خارج نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وغيرها.

كما أن الهزيمة التي بدأت ترسم ملامحها لحركة داعش في سوريا، وإقتراب ساعات الحسم السياسي لوضع النصرة، والتطورات الإيجابية الميدانية التي تحققها الدولة السورية، كلها وقائع جديدة، تفيد أن الأزمة السورية بدأت تنتقل إلى مرحلة جديدة، تحمل في طياتها، وعلى تعقيداتها، إشارات تنبئ بأن مرحلة الدخول في وضع حلول للأزمة، وإعادة بناء سوريا، عمرانياً، وإجتماعياً، وسياسياً، باتت اقرب بكثير مما مضى، وأن الكثير من وجهات النظر الغربية، والعربية، بدأت تتطور إيجاباً لصالح حل الدولة الوطنية، الواحدة الموحدة، ولصالح صون وحدة سوريا أرضاً وشعباً وجيشاً.

 

أي، بإختصار، دخل الإقليم مرحلة إلحاق الهزيمة بالإرهاب الديني [داعش والنصرة وغيرهما]، وهذا تطور مهم من شأنه أن يوفر الظروف لتأخذ الحياة السياسية منحاها، على المستوى الإقتصادي والإجتماعي، والعمراني، وعلى مستوى مشروع إعادة بناء الدولة الوطنية، ليحتل الموقع الذي يستحق، وبحيث تعود الحياة لتنطلق بما يخدم النضالات الشعبية من أجل الديمقراطية والتعددية السياسية والعدالة الإجتماعية ونشر ثقافة التنوير والحداثة، بعد أن إنهزمت ثقافة الإنغلاق والتقوقع الطائفي، والمذهبي والعرقي الضيق■.