تخلّت إسرائيل في الآونة الأخيرة عن تحفظاتها في ما يتعلق بتدخلها في الأزمة السورية، وباتت أكثر وضوحاً وعلانية تجاه هذا الأمر، سواءً في تصريحاتها الرسمية، أم في ما تقوم به من أفعال سياسية وعسكرية. فبعد أن كانت تعلن مُخَادعةً أنها لا تتدخل في الحرب الدائرة في سوريا ولا شأن لها بها، باتت تكشف اليوم بجلاء عن الدور النشط الذي تلعبه في هذا الشأن، والجهود الحثيثة التي تبذلها للمساهمة في تقرير ورسم مستقبل هذا البلد وفق ما تريده وترمي إليه!.

وقد أظهرت التحركات السياسية والديبلوماسية الأخيرة التي قام بها المسؤولون الإسرائيليون أن الملف السوري يقع على رأس قائمة أولويات واهتمامات القادة الإسرائيليين؛ من زيارة الوفد الأمني الإسرائيلي إلى واشنطن، الذي ضمّ رئيس جهاز «موساد» يوسي كوهين، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الجنرال هرتسي هليفي، إلى الزيارة التي قام بها أخيراً رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى موسكو ولقاؤه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وما أعقبها من تهديدات أطلقها نتنياهو، وصولاً إلى تصريحات القائد السابق لسلاح الجو الإسرائيلي التي كشف فيها أن إسرائيل هاجمت، خلال السنوات الخمس الأخيرة، قرابة 100 قافلة سلاح في سورية كانت متجهة لـ «حزب الله».

يضاف إلى ذلك، التهديدات التي أطلقها القادة الإسرائيليون في مؤتمر مكافحة الإرهاب، الذي عقد في هرتسليا، ومفادها أن إسرائيل «لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي نشاط في سورية، يهدد أمنها ويتيح ترسيخ الوجود الإيراني واستمرار الدعم لحزب الله». وعشية لقاء مرتقب بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب، طالب المشاركون الإدارة الأميركية بالقيام بدور فاعل، في كل ما يتعلق بالحفاظ على المصالح الأمنية القومية لإسرائيل في أي اتفاق في سورية، و«عدم ترك الملعب لإيران وأذرعها»، وفق تعبير الوزير يسرائيل كاتس، الذي اتفق مع غيره من القياديين بأن واجب الإدارة الأميركية هو «صدّ إيران بشكل فوري عن الحلبة السورية»، وخصوصاً بعد أن فشلت جهود نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هذا الصدد.

وذهب كاتس إلى حد القول بأن «إسرائيل تنتظر أن تتخذ الإدارة الأميركية قراراً بعدم ترك الموضوع السوري في أيدي روسيا»، مشيراً إلى إمكان «إقامة قاعدة عسكرية إيرانية في سوريا، كما فعلت روسيا، مع ما ينطوي عليه ذلك من تهديد لإسرائيل».

الخيبة الإسرائيلية

ولكن، يجدر بالذكر أنّ الجهود التي بذلتها الحكومة الإسرائيلية حتى الآن لم تلقَ التجاوب المرجو، سواءً في واشنطن أم في موسكو. فقد أفادت أغلب المصادر، بما فيها الإسرائيلية، أن الوفد الأمني الإسرائيلي «عاد من واشنطن خالي الوفاض». وعزت أوساط إسرائيلية ذلك إلى انشغال الإدارة الأميركية بمشاكلها الداخلية، فيما جلّ اهتمامها الخارجي ينصبّ على كوريا الشمالية والصين.

وعليه، أضافت المصادر، أنّ نتنياهو قرّر التوجه بسرعة إلى موسكو، في محاولة منه لإقناع الرئيس بوتين بـ«لجم الإيرانيين، أو مواجهة خطر اندلاع حرب في المنطقة»!، غير أنّ زيارته هذه فشلت بدورها، ولم تحقق الأهداف المرجوة منها، إسرائيلياً.

إيران وحزب الله

ويتضح مما سبق، أنّ إسرائيل تجعل مما تصفه بـ«التدخل الإيراني المتزايد في المنطقة»، عنواناً لمجمل تحركاتها، فخوفها الأساسي، كما تدّعي، هو من قيام «تواصل إقليمي من إيران حتى لبنان، مروراً بالعراق وسورية»، وهو ما ترى فيه ليس تهديداً لها فحسب، بل تهديدٌ لدول أخرى في المنطقة وللعالم عموماً!، وهذا ما يرجّح أن يثيره نتنياهو خلال لقائه المزمع مع ترامب، وهو مضمون ما طرحه الوفد الأمني الإسرائيلي في واشنطن، عندما حاول إقناع المسؤولين الأميركيين بتعديل أجزاء من اتفاق وقف النار في جنوب سورية، بحيث «يشمل بنداً واضحاً حول إخراج القوات الإيرانية وعناصر «حزب الله» من سورية، وليس فقط إبعادها 20 كيلومتراً من الحدود مع إسرائيل».

وهو مضمون ما طرحه الإسرائيليون مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، عندما زار إسرائيل والمنطقة، على رغم أنّ زيارته كانت تندرج في إطار الجهود الدولية المبذولة لإحداث تقدم في ملف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، إلا أنّ قادة تل أبيب أبوا إلا أن ينتهزوا الفرصة ليجعلوا من ملف «إيران وحزب الله في سوريا» الموضوع الأبرز والأهم في لقائهم معه!، بعد أن أعدوا تقريراً «تضمن أدلة ومعلومات استخبارية عن نشاطات إيران و حزب الله في المنطقة، بما في ذلك جنوب سورية، ولبنان».

ووفق المزاعم الإسرائيلية، فإن «حزب الله» يتابع كل حركة في الجانب الإسرائيلي، و«تقترب عناصره بين الفينة والأخرى من الحدود، إلى حدّ يلامسون فيه الجدار الإلكتروني، لفحص مدى يقظة نقاط المراقبة والدوريات العسكرية. وعلى صلة بهذا الأمر، أفادت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن روسيا حذرت من أنها ستستخدم الفيتو في مجلس الأمن الدولي لإحباط أي مشروع قرار يدين حزب الله بانتهاك القرار الدولي 1701، وأن نتنياهو لم ينجح أيضاً في إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتأييد مشروع كهذا.

ولا تقتصر المطالب الإسرائيلية عند هذا الحدّ، بل يتوقع المراقبون أن يعود نتنياهو ليطالب إدارة ترامب بالعمل على «إلغاء الاتفاق النووي مع إيران»، الذي تجري الإدارة الأميركية في الوقت الراهن مشاورات داخلية بشأنه. ويرى القادة الإسرائيليون ضرورة «إلزام إيران بتوقيع اتفاق جديد لا يسمح لها بالتقدم نحو إنجاز السلاح النووي، ويشمل كذلك الصواريخ وتوقف الدعم الإيراني لحزب الله وسورية».

جدوى القبضة العسكرية؟

التصريحات التي أطلقها مسؤول إسرائيلي، وتحدث فيها عن حجم عمليات القصف التي نفذها سلاح الجو خارج الحدود في مواجهة قوافل أسلحة، كانت متجهة لحزب الله، لم تمنع الأخير من «الحصول على أسلحة استراتيجية من شأنها تغيير موازين القوى»، حسب التقارير الإسرائيلية ذاتها، التي أوضحت أن «الحزب» تمكن من «تهريب صواريخ ياخنوت»، وهي صواريخ بحر روسية الصنع، وتقابل صواريخ «S - 300» المضادة للطائرات، وتعتبر من أفضل الصواريخ في العالم. ويتم إطلاق هذه الصواريخ من الشاطئ وتصل إلى مسافة 300 كيلومتر، ووفق الإسرائيليين، «لا توجد منظومة حرب إلكترونية يمكنها مواجهة هذه الصواريخ أو التشويش عليها».

وحسب تقدير أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فإن حصول «حزب الله» على هذه الصواريخ، من شأنه أن يهدد بشكل كبير حركة سفن سلاح البحرية الإسرائيلي، والأسطول السادس الأميركي والسفن المدنية في البحر المتوسط، إضافة إلى تهديد حقول الغاز الطبيعي في عرض البحر الأبيض المتوسط.

وفي ضوء ذلك، قدّم خبراء إسرائيليون ورقة توصيات لصانعي القرار الإسرائيلي يحذرون فيها من أخطار التدخل الإسرائيلي المتزايد في سورية، ويدعون إلى تعديل السياسة الإسرائيلية على نحو تراعي فيه ثلاث قضايا أساسية:

ـ عدم السماح بتحول سورية إلى ساحة نفوذ وتواجد عسكري إيراني.

ـ  مراعاة أن العلاقات مع روسيا هي «ذخيرة استراتيجية لإسرائيل» تحتم عليها «مواصلة التنسيق الاستراتيجي المثمر مع موسكو»، حتى وإن لجأت إلى التهديد أحياناً بـ«ضرب المصالح الروسية الحيوية في سورية».

ـ الأخذ بعين الاعتبار أن إدارة ترامب ترى في الساحة السورية مكاناً لتحقيق التعاون مع موسكو، فضلاً عن عدم وجود «نية أميركية للتورط في المستنقع السوري وفق النموذج الفاشل لأفغانستان والعراق».

وخلصت التوصيات إلى النصح بـ«استخدام متزن للقوة الإسرائيلية، والعمل في الوقت نفسه من أجل إقناع روسيا بفرض الخطوط الحمر التي وضعتها إسرائيل بالنسبة لإيران».

الهدف السياسي

وإلى ذلك، يرى كثيرٌ من المحللين أنّ جلّ ما يطمح إليه نتنياهو من وراء تهديده بالحرب، هو أن يكون لإسرائيل «حضورٌ» ما في المداولات والترتيبات المتعلقة بمستقبل سوريا «ما بعد داعش»، وخاصة في ضوء المؤشرات التي توحي بوجود «صفقة ما» بين الولايات المتحدة وروسيا.

وفي نظر أغلب المحللين، فإن ما دعا نتنياهو إلى التوجه الى موسكو للمرة الثانية منذ مطلع العام الحالي هو إقراره بأن الكرملين بات يمسك بمفاتيح الوضع والتسوية المحتملة في سوريا، وبضوء أخضر أميركي. علماً أن المحللين يعتقدون أنّ التفاهمات الأميركية- الروسية ستأخذ في حسبانها المصلحة الإسرائيلية وضمان أمنها، والحفاظ على استمرار تفوقها العسكري والاستراتيجي في الشرق الأوسط. وخاصة في ظل غياب أكثرية الدول العربية عن الترتيبات الإقليمية والدولية التي تتم في سورية والمنطقة عموماً!!.

الصورة: بوتين + نتنياهو

 

مناورات واسعة وعدوان إسرائيلي جديد

بالتزامن مع إجراء أكبر مناورات عسكرية إسرائيلية في المنطقة الشمالية منذ قرابة 20 سنة (من 5 إلى 12/ 9)، قامت الطائرات الإسرائيلية مستغلة الأجواء اللبنانية بعدوان جديد على أحد المواقع العسكرية السورية (7/9)، قرب بلدة مصياف في محافظة حماة، «ما أدى إلى وقوع خسائر مادية واستشهاد عنصرين في الموقع»، حسب إعلان الجيش السوري.

وقد رفض الجيش الإسرائيلي تأكيد الغارة أو نفيها، فيما وصفها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، عاموس يدلين، بأنها «غير عادية»، معتبراً أنها تنطوي على ثلاث رسائل مهمة: «أولها أن إسرائيل لا تسمح بتعاظم القوة وصنع سلاح استراتيجي؛ وثانيها يتصل بتوقيت الهجوم في وقت تتجاهل فيه الدول العظمى الخطوط الحمر التي حاولت إسرائيل وضعها؛ وثالثها يتعلق بوجود الدفاعات الجوية الروسية، بمعنى أنها لن تمنع نشاطاً منسوباً لإسرائيل في سورية».

وادعى معلقون إسرائيليون أن إسرائيل «أخذت على عاتقها مسؤولية حماية أمنها بنفسها وعدم التعويل على الموقفين الروسي والأميركي، وخاصة بعد الزيارتين الفاشلتين لكبار المسؤولين الإسرائيليين لكلا الدولتين». وكان تقرير أمني إسرائيلي أفاد أن إيران بدأت بتشييد البنية التحتية لصناعات عسكرية تابعة لها في سوريا ولبنان، بما في ذلك مصانع لإنتاج «صواريخ موجهة ودقيقة».

وقد اعتبر المحللون المناورات الإسرائيلية بمثابة «استعداد إسرائيلي لحرب حتمية مع حزب الله». وشارك فيها عشرات آلاف الجنود، بمن فيهم آلاف من جنود الاحتياط، وعشرات الطائرات الحربية وطائرات بلا طيار، وقوات برية ولوجستية ووحدات من الهندسة وسلاح الطيران وسلاح البحرية والجبهة الداخلية والاتصال وقيادة هيئة الأركان.

وعلى رغم أنّ تل أبيب سارعت إلى الإعلان بأن المناورات لا علاقة لها بالتطورات الجارية في سورية، إلا أن معظم المؤشرات توحي بالعكس تماماً، فقد نقلت صحيفة «إسرائيل اليوم» أن القيادة العسكرية ترى أنه في حال وقوع حرب مع «حزب الله» فإنها لن تكون «حرب لبنان» فقط، إنما «حرب الشمال»، بمعنى أنها ستكون على جبهتين: لبنانية وسورية.

وربطت الصحيفة المناورات بالتحذيرات المتتالية التي أطلقها رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو ووزير دفاعه أفيغدور ليبرمان، المتصلة بمخاوف إسرائيل من تعاظم النفوذ الايراني في سورية وإقامة مصانع للأسلحة والصواريخ فيها.

 

نتانياهو يكشف عن تعاون سري مع دول عربية

أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو (6/9)، أن هناك تعاوناً على مستويات مختلفة مع دول عربية ليس بينها وبين إسرائيل اتفاقات سلام. وجاء هذا الإعلان خلال حفل أقيم لمناسبة رأس السنة العبرية الجديدة في مقر وزارة الخارجية الاسرائيلية في مدينة القدس، أشار فيه نتنياهو إلى نجاح إسرائيل في توسيع علاقاتها الدولية، خصوصاً مع دول أميركا اللاتينية، وإلى انفراج في العلاقات العربية - الاسرائيلية.

وأضاف نتانياهو: «أن هناك تعاوناً بطرق مختلفة وعلى مستويات متعددة مع دول عربية، لكنه ليس في مرحلة الظهور العلني بعد»، قبل أن يوضح أن هذه «الاتصالات تجري بصورة غير معلنة، وهي أوسع نطاقاً من تلك التي أجريت في أي حقبة سابقة من تاريخ إسرائيل». وهي المرة الاولى التي يشير فيها نتانياهو بوضوح الى علاقات وتعاون سري مع دول عربية.

 

تصدير أزمة نتنياهو الداخلية

حسب مصادر إعلامية إسرائيلية، فإن موقف رئيس الحكومة الإسرائيلية المتشدّد تجاه «تواجد إيران العسكري وحزب الله في سورية، وتهدّيده بالقيام بكل ما تراه إسرائيل مناسباً وضرورياً للحفاظ على أمنها»، يشكل في جانب منه محاولة لـ«إبعاد الأنظار، ولو في شكل موقت، عن تهم الفساد التي تحوم حوله واحتمالات تقديم لائحة اتهام ضده»، أي شكل من أشكال تصدير أزمته الداخلية إلى الخارج، عبر التلويح بالحرب أو افتعالها!.