مؤشرات التقارب الإيراني ــ التركي تبدو في تزايد مستمر. زيارة رئيس هيئة الأركان الإيراني الجنرال محمد باقري إلى تركيا (15/8/2017)، شكلت علامة فارقة ومحطة مفصلية في هذا التقارب، فهي الزيارة الأولى لمسؤول عسكري إيراني إلى تركيا منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، كما أن محادثاته مع كبار المسؤولين الأتراك أظهرت قدراً كبيراً من التوافق الأمني والعسكري، وخصوصاً إزاء الملفين الكردي والسوري، بعد سنوات من الأجندات المتصارعة والاتهامات المتبادلة وشنّ حروب بالوكالة بين الطرفين، وخاصة في الساحتين السورية والعراقية.

إعلام البلدين اعتبر الزيارة تطوراً بارزاً في التعاون والعلاقات الثنائية. ونقلت صحيفة «زمان» عن مسؤول تركي قوله إن الزيارة تشكّل «نقطة تحوّل مهمة وتاريخية بالنسبة إلى السياسة الداخلية التركية والديبلوماسية الإيرانية في المنطقة»، معتبراً أن «التاريخ سيشهد فتح صفحة جديدة في المنطقة إذا تحرّكت تركيا وإيران معاً».

بدورها، وصفت وكالة الأنباء الرسيمة الإيرانية الزيارة بـ«غير المسبوقة». وأعلنت الخارجية الإيرانية أن مرحلة جديدة من العلاقات قد بدأت بين طهران وأنقرة، مضيفة أنّ الرئيس رجب طيب أردوغان سوف يزور إيران قريباً. وبعد أسبوع من تلك الزيارة، قال الرئيس التركي إن عملية مشتركة مع إيران ضد المقاتلين الأكراد «مطروحة على الدوام». وهو ما سارعت قوات «الحرس الثوري» الإيراني إلى نفيه، ربما من منطلق «تجنّب الإعلان عن أية عمليات عسكرية إيرانية خارجية».

تطورات إقليمية

ويجيء هذا التقارب في مرحلة تشهد تطورات إقليمية متواترة، لعلّ أبرزها التفاهمات الحاصلة بين واشنطن وموسكو في الساحة السورية، على رغم ما يشوب علاقتهما من توتر تجاه كثير من القضايا الأخرى. ومن الجليّ أنّ هذا التفاهم يقوم في جانب أساسي منه على حساب العواصم الإقليمية الفاعلة في الساحة السورية، وخصوصاً طهران وأنقرة، وهو ما يقلق العاصمتين و«يدفعهما إلى التقارب كشكلٍ من أشكال الدفاع عن نفسيهما ومصالحهما في المنطقة»، حسب قول بعض المراقبين.

وعلى سبيل المثال، تتحسّب كلّ من أنقرة وطهران من رهانات أميركية وروسية وغربية وإسرائيلية على الورقة الكردية، كعائق أو كحاجز أمام مصالحهما ومشاريعهما في الإقليم. وتتوجس العاصمتان من إقامة عدد من القواعد الأميركية في سورية، وخاصة في ظلّ الدعم الذي توفره الولايات المتحدة لـ «قوات سورية الديموقراطية»، التي يغلب عليها ويقودها «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي، ما يعني أنّ هذه القوات ستكون القوة الأولى في شرق سوريا، وهو ما يتعارض وجوهر المصلحة القومية لتركيا، التي تصنّف «الاتحاد الديمقراطي» كفرعٍ لحزب العمال الكردستاني وتشمله بلائحة «الإرهاب».

وقد أوضح الناطق باسم هذه القوات أن القوات الأميركية ستبقى في شمال سورية لفترة طويلة بعد هزيمة «داعش»، مشيراً إلى «استراتيجية أميركية تقضي بالتواجد في هذه المنطقة لعشرات السنين، وإلى اتفاقات عسكرية واقتصادية وسياسية ستعقد بين الولايات المتحدة وقيادات منطقة الشمال السوري»، وكشف أن الأميركيين يلمّحون إلى إقامة قاعدة جوية كبيرة قد تصبح بديلاً من قاعدة إنجرليك في ولاية أضنة التركية.

ومما لا شك فيه أيضاً، أن تركيا وإيران لا يريحهما لجوء موسكو إلى القاهرة للمساعدة في إقامة مناطق خفض توتر جديدة في سوريا، في حين أنّ هذه الخطوة تباركها واشنطن، وتدعمها عواصم خليجية عدة ما دامت تعزّز من حضور حليفها المصري في بلاد الشام، وتحدّ قليلاً من نفوذ خصومها.

يذكر هنا أنّ كلاً من تركيا وإيران قد حرصتا (على رغم ما شاب تاريخ العلاقات بينهما)، على تفاهمات اقتصادية تتيح لهما تحقيق مكاسب ومنافع مشتركة؛ فأنقرة استفادت كثيراً من العقوبات الدولية المفروضة على إيران، وذلك من طريق خرق هذه العقوبات، والوقوف إلى جانب طهران خلال مرحلة التفاوض حول ملفها النووي. كما أنّ الأخيرة كانت مستفيدة بشكل مؤكد من الفتور بين القاهرة وأنقرة، وهما الآن مستفيدتان معاً من العلاقات المتدهورة بين الدوحة وعواصم خليجية، على خلفية الموقف من دعم القوى الإرهابية، ودعم قوى الإسلام السياسي وخصوصاً «الإخوان المسلمين».

هذه المتغيرات والاستحقاقات، وغيرها كثير، إضافة إلى ما تعانيه المنطقة العربية من اهتزازات وتفكك وحروب، كانت كلها كفيلة بأن تدفع إلى اصطفافات جديدة وعلاقات متبدلة، وفق المصالح والأجندات المتقاطعة والمتشابكة. وعليه، لم يجد البلدان، كما يبدو، مفرّاً من إعادة النظر في علاقاتهما والاتجاه بها نحو مزيد من التعاون بدلاً من تضارب المصالح والأهداف.

نقاط التوافق

وحسب مصادر تركية وإيرانية متطابقة، فإنّ محادثات الجنرال باقري في أنقرة أظهرت توافقاً إزاء ثلاث قضايا أساسية هي:

1ـ رفض الاستفتاء المقرّر في إقليم كردستان العراق، بل والتهديد بعمل عسكري مشترك في حال إصرار الأكراد على المضي فيه، من منطلق أنه «يُهدّد استقرار العراق والمنطقة». وهو ما يعني وجود خوف حقيقي لدى الجانبين من أن تنتقل «العدوى» إلى أكراد بلديهما، ومطالبتهم لاحقاً بمثل هذا الاستفتاء، أو بحقوق مماثلة لأكراد العراق. ومن النافل التذكير هنا باعتراض الجانبين على إقامة كيان مستقل للأكراد منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم!.

2- الاتفاق على التنسيق والتعاون العسكري والأمني ضد «حزب العمال الكردستاني» بشقيه التركي والإيراني (حزب «بيجاك» الذي يشكل الفرع الإيراني لحزب العمال). ويأتي هذا الاتفاق بعد سنوات من اتهامات تركية لإيران بدعم «حزب العمال الكردستاني»، وحليفه السوري «حزب الاتحاد الديموقراطي» وجناحه العسكري «وحدات حماية الشعب».

3- تكثيف التعاون في شأن مناطق خفض التوتر في سورية وتحديداً في الشمال حيث محافظة ادلب التي تسيطر عليها «جبهة النصرة»، و«يأتي هذا التعاون بعد سنوات من الاحتراب المتبادل في الميدان وسط اتهامات متبادلة بممارسة سياسات طائفية، وصلت إلى انتقادات متبادلة على الهواء مباشرة»*1.

وذكرت صحيفة «توركي»، أن الوفد الإيراني قدم خلال الزيارة «اقتراحاً مفاجئاً» لأنقرة، يتعلق بإطلاق تعاون مشترك ضد القوى الكردية في جبلي قنديل وسنجار في شمال العراق، مشيرةً إلى أن الاقتراح شكل مفاجأة لأنقرة التي اشتكت دائماً من أن طهران تركتها تحارب وحدها الأذرع العسكرية لحزب العمال الكردستاني وبنيته المالية وأنشطته السياسية!.

«الملف الكردي»

ومن الواضح للجميع، أنّ «الملف الكردي» هو العنوان الأبرز للتقارب التركي ــ الإيراني حالياً، بوصفه أحد أهم التحديات الإقليمية التي تواجه البلدين. فأنقرة تعتبر الآن أنّ أولويتها الأولى والأهم هي مواجهة «العدو الكردي»، في الداخل والخارج، وتبحث في المقام الأول عن حشد وتأمين أي شريك أو وسيلة تساعدها في الضغط على هذا «العدو» والحدّ من تطلعاته وطموحاته القومية.

وقد خاضت تركيا معارك استمرت لعقود ضد حزب العمال الكردستاني، الذي تصنّفه كمنظمة إرهابية، فيما حاربت إيران جناحه المعروف لديها بحزب «الحياة الحرة»، المصنف «إرهابياً» أيضاً لديها. ولأنّ المجموعتين محظورتان في بلديهما فلهما قواعد خلفية في العراق.

وفي الواقع، وفي ظلّ احتدام الصراعات بأوجهها المتعددة في المنطقة، تبرز المسألة الكردية بكل تعقيداتها، ويظهر بجلاء حيوية الدور الذي يلعبه الأكراد؛ بدءاً من إصرارهم على إجراء الاستفتاء في العراق، وانخراطهم العسكري الواسع هناك في مواجهة داعش، إلى تمسك أكراد تركيا بخصوصيتهم ودورهـم السيـاسي، على الرغم من احتدام صـراعهم مع الحكومـة، وصولاً إلى اتساع نفوذ ودور أكراد سوريا، وإعلان عزمهم على إقامة «إدارة ذاتية» وفيدرالية شمال سوريا.

وبذلك بات «حزب العمال الكردستاني»، وأفرعه الموالية له في سوريا وإيران، مشكلةً ليس لتركيا وحدها، بل أيضاً لإيران، وخاصة في حال ذهب فرعه «الإيراني» (بيجاك) نحو خيار الصراع المفتوح مع طهران. وعلى ذلك، فإنّ الدول المعنية أخذت تتموضع معاً من أجل تطويق وتحطيم الطموحات الكردية، وأضحى تفكيرها، وخصوصاً إيران وتركيا، يتجه نحو القيام بعمل عسكري مشترك ضد الأكراد، (مثل تدمير قيادة «العمّال» الرئيسة في جبال قنديل)، أو الضغط عبر الورقة الاقتصادية المتصلة بأموال مبيعات «النفط الكردي» التي تصل إلى تركيا، وتوضع في البنوك التركية.

ولكن، إذا كان الرئيس التركي يطمح إلى تعاون مع موسكو وطهران، يعينه على مواجهة الطموحات الكردية، وعلى مواجهة أوروبا التي تدير له ظهرها وتوجّه إليه شتى الاتهامات في شأن حقوق الإنسان والسعي إلى بناء حكم تسلطي، فلا ريب أنّ سعيه هذا سيجرّ عليه المزيد من «الغضب» الغربي، وخصوصاً أنه يترافق مع جفاء علاقته مع «الناتو». ولا حاجة هنا إلى التذكير باستياء واشنطن وحلفائها في «الناتو» من إبرام حكومة أردوغان صفقة صواريخ «اس 400» المتطورة مع موسكو. ومثل هذه الخطوات قد تفضي في نهاية المطاف إلى «انفراط عقد مشروع ترومن 1947، القاضي بربط تركيا مع التحالف الغربي ضد التوسع السوفياتي»*2، فهل يغامر أردوغان بدفع الأمور إلى هذا المنحدر؟!.

حدود وأفق التحالف

وفي هذا الصدد، تثار العديد من الأسئلة والتساؤلات؛ هل يمكن أن تُطوى عقودٌ من التوتر والخلاف بين الدولتين، وأن تعملان فجأة على بناء تحالف ذي طابع استراتيجي يجمعهما؟!. أم أنّ هناك حدوداً لهذا التحالف، الذي هو أقرب إلى توافق مرحلي فرضته الحاجة أو الاضطرار، أكثر منه تحالفاً مبدئياً أو استراتيجياً؟.

يُذكَر أنه في بداية لقاءات آستانا، كان ممثل أنقرة يطالب بانسحاب «الميليشيات الشيعية» و«حزب الله» من سورية. وفي المقابل، لطالما حذر المسؤولون الإيرانيون تركيا من التدخل في أزمة جارتها الجنوبية، واتهموها بدعم الحركات الإرهابية. فضلاً عن ذلك، يعرف جميع المهتمين أن «العلاقات بين العاصمتين تقوم على إرث ثقيل من الصراع والتنافس على النفوذ الإقليمي في المنطقة»*3، وهو ما يلقي بظلال كثيفة من الحذر والريبة على  علاقتهما، التي تتداخل فيها الأبعاد السياسية بالمصالح الاقتصادية، والسعي إلى تقاسم النفوذ بالغايات والمقاصد العقائدية والمذهبية؟!.

 وحتى في الملف الكردي ثمة تباينات ملحوظة، فالرفض الإيراني المطلق لتطلع إقليم كردستان إلى الاستقلال وتحالفه مع الولايات المتحدة، يقابله تفهمٌ تركي، بمعنى ما، انطلاقاً من حسابات براغماتية تتصل بالعلاقة مع الإقليم، وكيفية مواجهة «حزب العمال الكردستاني».

وإلى ذلك، يتوقع كثيرٌ من المراقبين أن يكون دون هذا الحلف عقبات جمّة، منها ما يتصل بالتنافس التاريخي بين الدولتين، ومنها ما يتصل بمواقف العواصم الغربية الكبرى الرافضة له، لانعكاساته على صلتها بأنقرة (الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو). وبالنظر إلى التجارب السابقة وجوانب الخلاف الكبيرة بين الطرفين، يتوقع المراقبون أن يبقى لكل بلد استراتيجيته المختلفة، وأن يكون التوافق بينهما هشاً وعرضة إلى تداعي لعبة المتغيرات والتوازنات في المنطقة.

خلاصة

والحال، قد يكون هناك تصميمٌ مشترك، تركي إيراني، على منع قيام كيان مستقل للأكراد في شمال سوريا، وكذلك على منع تطبيق نتائج الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان في العراق، حتى لو أدى الأمر إلى اللجوء للخيار العسكري الذي لا تعترض عليه حكومة بغداد. لكن يبقى أنّ مستقبل الوضع الكردي في المنطقة لا يرتبط بمواقف القوى الإقليمية فقط، بقدر ارتباطه بمواقف العواصم الكبرى وبالسياسات الدولية وتوجهاتها.

هذا فضلاً عن أنّ الأكراد باتوا يشكلون اليوم رقماً صعباً في المعادلات الإقليمية للمنطقة، قد يكون من الصعب حذفه أو تطويعه؟!.

مصادر:

*1ـ «تركيا وإيران بين التحالف والتنافس../ خورشيد دلي.. الحياة: 19/8/2017»

*2ـ «تفاهم الضرورة» بين أنقرة وطهران لا يبني تحالفاً../ جورج سمعان.. الحياة: ٢١/8/٢٠١٧»

*3ـ «الحلف التركي الإيراني المقدس ضد الحلم الكردي../ د. خطار أبودياب.. العرب: 26/8/2017»

 

 

اتهامات أميركية لمسؤول تركي سابق بـ«التآمر» لتبيض أموال لمصلحة طهران

في خطوة يُرجّح أن تؤجّج علاقات متوترة أصلاً بين واشنطن وأنقرة، اتهم الادعاء العام الأميركي مؤخراً الوزير السابق للاقتصاد في تركيا، محمد ظافر شاغليان، المقرب من الرئيس رجب طيب أردوغان، والمدير العام السابق لـ«بنك خلق» الحكومي، سليمان أصلان، والمسؤولَين في المصرف، لاوند بلقان وعبدالله حباني، بـ«التآمر» لانتهاك عقوبات فرضتها واشنطن على إيران و«تبييض» أموال لمصلحتها، «في مقابل رشاوى بملايين الدولارات».

وقال الادعاء إن المتهمين أقاموا نظاماً داخل المصرف التركي بين عامَي 2010 و2015، مكّن الحكومة الإيرانية وهيئات محلية من الوصول في شكل «غير مشروع» إلى النظام المالي الأميركي، مشيرة إلى أن طهران استطاعت من خلاله الالتفاف على العقوبات وإبرام صفقات بالدولار وبالذهب في شكل غير مباشر، كما تمكنت من إخفاء مصدر الأموال من دون أن تكشفها المصارف الأميركية.

وهذه المرة الأولى التي يُوجَّه فيها اتهام أميركي، على هذا المستوى، إلى وزير تركي سابق لديه علاقات وثيقة مع أردوغان، في إطار تحقيق كان وتّر العلاقات بين واشنطن وأنقرة، إذ إن الادعاء في نيويورك كان توسّع في قضية اتهامات مرفوعة ضد تاجر الذهب الإيراني- التركي رضا ضرّاب، لاتهامه بانتهاك العقوبات على طهران. وكان أردوغان رأى أنّ هناك «دوافع خفية» تقف وراء محاكمته، مع مجموعة أخرى من المتهمين.