ما الذي يمكن عمله حين يغزو الترقيم حياتنا، ويحوِّل البشر إلى أشياء، وإلى سلع قابلة للشراء والبيع؟ كيف ننجو بأنفسنا وبعائلاتنا في ظلِّ العلاقات النفعية السائدة، والقيم المادية التي تمتد إلى بيوتنا وشوارعنا ومدارسنا ومؤسساتنا؟ هل يمكن أن يشكِّل الشعر طوق نجاة وسط هذا العالم المادي الرقمي، ووسيلة استعادة إنسانية الإنسان؟ هل يمكن أن يكون أداة تحرر وانعتاق؟.

*****

أسئلة إنسانية موجعة أجاب عنها الروائي والمصوِّر والموسيقي البرتغالي «أفونسُو كرُوش» (Afonso Cruz)، من خلال روايته الساخرة: «هيّا نشتر شاعراً»، التي تتحدث عن مجتمع يعرض فيه الشعراء للبيع في المحلات التجارية، ضمن البضائع المطروحة في المتاجر.

تطرح الرواية الفكرة من خلال طفلة عمرها اثنا عشر عاماً، لا تحمل اسماً؛ بل رقماً، مثل شخصيات الرواية جميعها.

تطلب من والديها شراء شاعر: «أودّ أن يكون لي شاعر، هل يمكن أن نشتري واحداً؟».

 

 

يستجيب الوالدان لطلبها؛ لأن طلبها غير مكلف مادياً، ولا يسبب أوساخاً مثل شراء فنان تشكيلي أو نحّات، علاوة على أن الشعراء غير متطلبين كثيراً، فكل ما يحتاجونه كي يكتبوا دفتراً وأوراقاً بيضاء وأقلاماً وبعض الكتب، أما ما يتعلق بطعامهم فهم كثيراً ما ينسون أن يأكلوا، وأحياناً لا يكملون وجبتهم، وخاصة عند غروب الشمس أو ظهور القمر. 

*****

حين أخبرت الفتاة الصغيرة زميلاتها بأنها اشترت شاعراً؛ اتُّهمت بأنها عديمة الفائدة: «الشعراء ليس لديهم معرفة بأبسط الضروريات. يعتقدون مثلاً أن أكل الخضار، والحبوب، ومنتجات الألبان أهم من استهلاك منتجات أخرى وتحريك عجلة الاقتصاد، هكذا ببساطة»، وكان هذا ما اتهمها به شقيقها: «أنا لست كذلك أبداً. أريد أن يكون لدي شاعر، فما المشكلة؟ هناك دراسات تؤكد أن الحصول على رسّام أو راقص أو ممثِّل أو حتى شاعر، يساعد على مقاومة الضغط، ويخفض من الكوليسترول، وهو ما يجعلنا مواطنين وموظفين أكثر إنتاجية وأكفّاء ومركّزين».

وحين وصلت البيت أحبَّت أن تتأكد من الشاعر، عن سلّم أولوياته. «مشى بتؤدة، كان نظره تائهاً في خط التقاطع بين السقف والجدار. قاطعته: هل تعتقد أن الخضار والفواكه على رأس الأولويات الضرورية؟ طبعاً لا، وماذا إذن؟ الحرية».

*****

من خلال وجود الشاعر مع العائلة، وبالتدريج ظهرت ملامح تغيير على حياة أفراد الأسرة جميعاً «بدأ الشعر يصيبنا».

بدأ الشاعر ينثر قصائده في كل مكان: على الأرض، أو على زجاج النافذة، أو في أماكن غير متوقعة، مثل قدم مائدة، أو تحت السرير.

لجأ شقيق الطفلة خفية إلى الشاعر كي يكتب له أبياتاً ينال بوساطتها إعجاب صديقته، وألقى الشاعر أبياتاً من الشعر لها علاقة بالإحصاء حين اشتكى والد الفتاة من تدهور الحالة الاقتصادية، وأعلن ضرورة شدّ الأحزمة لأن مصنعه بدأ يخسر أسهماً في السوق.

أما والدتها فقد كان موقفها حيادياً حين عبّرت الطفلة عن رغبتها في شراء شاعر، وحين وصل البيت استقبلته بفتور، ثم حين أحسَّت بأنها بدأت تتأثر بكلامه؛ أعلنت غضبها منه، وطلبت من ابنتها طرده.

احتارت الطفلة في سبب غضب الوالدة من الشاعر: هل كان ذلك بسبب كتابته قصيدة على الجدار بقلم حبر أسود: «كيف للبحر الكبير جداً أن تحويه نافذة صغيرة جداً؟» أم بسبب الخوف من تأثير الشاعر عليها؟

*****

مذ وصل الشاعر؛ بدأ تأثير الشعر يظهر على أفراد الأسرة؛ كانت الطفلة أول من عبَّر عن ذلك: «أدركت أنني أصبحت غير نافعة، وأنني أفكر في الأشياء من ناحية جمالها لا غير، ولا أريد أن أعرف قيمتها النقدية أو الوظيفية. وحين سألوها في المدرسة عن سبب تعلقها بالشعر أجابت «أنتم لا تدركون أني أحصّل ثقافة؟ بماذا تنفع؟ الثقافة لا تستهلك، فكلما استخدمتها زادت أملاكك».

وبعد مرور زمن على وجوده بينهم، وخاصة بعد أن تخلَّصوا منه بناء على اقتراح الأب نتيجة الأزمة الاقتصادية التي أثرت على عمله؛ بدأت الطفلة تكتب أبياتاً على الجدار، وكأنها تواصل مسيرة الشاعر في غيابه: «كتبت مشهد الحديقة وكتبت كلمة أقحوان في ذيل قلم الرصاص، نعم فهو يحتاج إلى أن يزهر».

وقالت والدتها بيتاً شعرياً وكأنها تتحدث بلسان الشاعر: «التجاعيد هي ندوب العواطف التي تجتاحنا في الحياة».

واستطاع الوالد أن ينقذ تجارته من الإفلاس بفضل كتابة شعرية على منديل ورقي تفاعل معها الاقتصاد إيجاباً.

أما الوالدة فقد حدث تغيير جذري في حياتها. فتحت قصائد الشاعر الجميلة لها آفاقاً لم تفكر بها من قبل، ودفعتها إلى تأمل حياتها، ورفض واقعها الرتيب: «ذلك دفعني لإعادة التفكير في مكانتي في سوق الحياة، ورأيت أن عليّ تغيير شيء ما».

تجاوزت أفكار الأم طبخ السباغيتي والخضار، وتنفيذ الطلبات المتتالية لزوجها ولأفراد الأسرة.

صرخت بكلمتين: «لقد مللت»، وأحضرت حقيبة كي يضع زوجها أمتعته ويغادر البيت، ثم أعلنت موقفاً منسجماً مع قناعاتها الجديدة: «أنا لست طباخة أحد».

*****

لم تهجر الطفلة شاعرها، الذي تخلصت الأسرة منه. دأبت على زيارته في الحديقة. «لم أهجر أبداً ذلك الشاعر، ما زلت أزوره في الحديقة. نجلس معاً ونقول أشياء غير نافعة وبعضها قد يصلح ليكوّن قصائد، أعانقه فنبقى سعيدين لمدة ثوانٍ، أو بالأحرى، لمدة أبدية».

قال لي: «إن أبيات الشعر تحرِّر الأشياء، وإننا حين ندرك شاعرية الحجر فإننا نحرِّره من تحجّره. ننقذ كل شيء بالجمال، ننقذ كل شيء بالشعر».