توقفت تل أبيب عن التعامل مع اتفاق أوسلو عندما رأت أنه حقق بالكامل وظيفته الإسرائيلية

مع انتهاء المدى الزمني لما سمي بـ«المرحلة الانتقالية» في اتفاق أوسلو، كانت تل أبيب قد أزاحت عن كاهلها عبء إدارة شؤون الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وأحالته إلى السلطة الفلسطينية الناشئة وعلى نفقة الدول المانحة. وحرصت على اعتماد معادلة «أرض أقل.. سكان اكثر» خلال نبضات التسليم، التي أصيبت بالسكتة التفاوضية عندما وصلت هذه العملية إلى مشارف القدس الشرقية.

ومنذ ذلك الوقت، رأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن «أوسلو» أدى وظيفته الإسرائيلية من خلال الاتفاقات الأمنية والاقتصادية التي أبرمتها مع السلطة تحت سقف هذا الاتفاق.

خارج ذلك، بقيت عملية التسوية مجرد يافطة تستخدمها إسرائيل للتعمية على تغولها في نشر الاستيطان والتهويد ورسم مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة وفق رؤيتها الأمنية والتوسعية.

شهد العمل الوطني الفلسطيني نقلة نوعية مع اندلاع الانتفاضة أواخر العام 1987، تحت راية البرنامج التحرري الموحد في العودة والاستقلال. ومع استمرارها واتساعها، عادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي؛ وتمكنت منظمة التحرير من تجاوز محاولات تهميشها على يد أطراف عدة. وباتت يوميات الانتفاضة وعسف الاحتلال في قمع المنتفضين العزل تحت مجهر الرأي العام في المنطقة والعالم وعلى المستويين الشعبي والسياسي. وترافق الفعل الوطني الميداني مع دور مكافئ قامت به مؤسسات منظمة التحرير بدءاً من المجلس الوطني وإصداره «إعلان الاستقلال» وصولاً إلى الجهد السياسي والديبلوماسي النشط الذي حصد اعتراف معظم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بدولة فلسطين وحقها في الاستقلال. وتردد صدى الانتفاضة في التحركات الشعبية الفلسطينية والعربية وفي عواصم عدة خارج المنطقة.

وكان من الطبيعي أمام هذا كله أن تجهد كل من واشنطن وتل أبيب في البحث عن سبيل يعيد الوضع في الأراضي الفلسطينية إلى ما كان عليه قبل اندلاع الانتفاضة. وجاءت المبادرة على يد الولايات المتحدة بإعلانها الاستعداد لفتح حوار مع منظمة التحرير وهي التي كانت تضعها على قائمة المنظمات الإرهابية.

لقد أنعشت هذه الدعوة وهم الرهان على إمكانية إنجاز تسوية للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من مدخل الحوار مع واشنطن، على الرغم من التحذيرات التي اطلقت من أن الولايات المتحدة تريد الالتفاف على الانتفاضة وصولا ً إلى إخمادها عبر الإيحاء بإمكانية الوصول إلى حل سياسي.

واستثمرت واشنطن الأحداث الكبرى التي وقعت في تلك الفترة ومنها تفكك وانهيار كل من الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية كي تقدم نفسها قطباً عالمياً وحيداً وأن في يدها حصراً مفتاح الحل والربط لكثير من القضايا الشائكة.

لقد شكل تحول الرهان الرسمي الفلسطيني على الدور الأميركي إلى سياسة فعلية انقلاباً واضحاً على البرنامج الوطني الفلسطيني التحرري، وأثر ذلك على مسار الانتفاضة واستمرارها وتصاعدها كرافعة وطنية هامة في سياق النضال لتجسيد الحقوق الوطنية الفلسطينية. وهذا كان أول قطاف إسرائيلي وأميركي لـ«ثمار» الرهان الفلسطيني الرسمي على دور واشنطن.

وعلى الرغم من ذلك، دفعت قوى وفصائل فلسطينية عدة باتجاه تصويب المشاركة في مؤتمر مدريد خريف العام 1991، ودعت إلى التمسك الحازم برزمة القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، لكن الذي حدث أن عملت القيادة الرسمية الفلسطينية على فتح مسرب سري للتفاوض مع الاحتلال، وهو ما أوصل إلى توقيع اتفاق أوسلو.

وكان أخطر ما تم بلورته في الاتفاق إقصاء قرارات الشرعية الدولية عن عملية التسوية التي أنتجها الاتفاق، إضافة إلى تجزئة عناوين القضية الفلسطينية وتوزيعها على مسارات تفاوضية عدة ومنها اللاجئون والنازحون والمياه.

وأقصت واشنطن الرقابة الدولية على الاتفاق وآليات تنفيذه وأبقت مآلات عملية التفاوض إلى اتفاق الطرفين بمعزل عن أي تدخل من أي طرف آخر، وهو ما مكن تل أبيب من تنفيذ ما يخدم رؤيتها في بنود الاتفاق خلال «المرحلة الانتقالية» التي حددت بخمس سنوات وانتهت في أيار من العام 1999.

حتى في ذلك الوقت، دعت قوى وفصائل وشخصيات فلسطينية عديدة إلى الرد على إسرائيل ورفضها البحث مع المفاوض الفلسطيني في مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر الإعلان عن استقلال دولة فلسطين ووضع المجتمع الدولي أمام التزاماته وترجمة الاعتراف الدول الذي حصل في الأمم المتحدة ومساندة مطلب إقامة الدولة الفلسطينية؛ لكن هذا الرد لم يحصل.

شكلت سياسة الرهان على الدور الأميركي خطيئة السياسة الرسمية الفلسطينية، وأدت إلى تجميد الحالة الفلسطينية في دائرة الانتظار والتردد والسلبية تحت وابل من الوعود المتعاقبة مع تعاقب الإدارات الأميركية.

بالمقابل، تأكدت صوابيه الدعوة إلى قطع الرهان على واشنطن عندما تحقق الإجماع الوطني حول المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة وتحكيمها في الصراع مع الاحتلال.

وعلى الرغم من الضغوط والتهديدات الأميركية والإسرائيلية، نجح المسعى الفلسطيني خريف العام 2012 في استصدار قرار أممي بالاعتراف بفلسطين دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران /يونيو وعاصمتها القدس الشرقية وهو ما مكنها من الانتساب إلى العديد من المؤسسات الأممية وخاصة المحكمة الجنائية الدولية، وكان هذا يمكن من تقديم شكاوى ضد الاحتلال في جريمة الاستيطان وغيرها.

لكن الإنجاز الفلسطيني الذي حصل في المنتدى الدولي بقي في حدود اتخاذ القرار بشأن ترقية وضع فلسطين. وأحجم المفاوض الفلسطيني و مرجعيته السياسية عن البناء على ما أنجز، وبقي ينتظر من واشنطن دوراً تجاه التسوية، في الوقت الذي يستمر فيه الاستيطان وهدم المنازل وحملات التهويد.

يدخل اتفاق أوسلو عامه الخامس والعشرين على أبواب انعقاد دورة جديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يدفع للتساؤل عما إذا كان الرئيس عباس سيدعو المجتمع الدولي إلى الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضوية، وإلى عقد مؤتمر دولي برعاية مجلس الأمن وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني واللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية لمحاسبة الاحتلال.

لقد دعا المجلس المركزي الفلسطيني في دورته السابعة والعشرين (2015) وبالإجماع إلى الوقف الفوري للتنسيق الأمني مع الاحتلال وتصويب العملية السياسية باتجاه إرسائها على قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

لقد أدخل اتفاق أوسلو الفلسطينيين في نفق مظلم، ولا يمكن الخروج منه دون تنفيذ قرارات الإجماع الوطني والعودة عن الانقلاب على البرنامج الوطني التحرري كما حصل عند توقيع الاتفاق.