من المؤكد أن بنيامين نتنياهو يعتمد في متابعته لقضية اللاجئين الفلسطينيين، على فريق من الخبراء السياسيين، والقانونيين، يرصدون تطور القضية وتداعياتها، ويقدمون إزاء كل تطور، وإزاء كل حدث، رؤيتهم واقتراحاتهم.

في هذا السياق على سبيل المثال، قدم معهد "بحوث الأمن القومي" الإسرائيلي، تقريره إلى نتنياهو، حول مشروع إعادة تهجير اللاجئين من الدول المضيفة، بعد ما اكتظت الدول الأوروبية بملايين اللاجئين القادمين من دول عربية وآسيوية وإفريقية. (راجع مقالنا في الحرية – العدد 1641 (2715) تاريخ 20-26/8/2017).

ولعل الفريق الإسرائيلي المعني بقضية اللاجئين الفلسطينيين، يدرك أن وكالة الغوث (الأونروا) هي المؤسسة الدولية التي حافظت على القضية على جدول أعمال المجتمع الدولي. ويدرك في السياق، أنها المدخل لشن الهجوم المطلوب لتصفية القضية. فالوكالة الدولية تشكل الحماية السياسية لحق العودة، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقرار 194، وهي واحدة من آليات تنفيذه. ومادامت الوكالة تمارس دورها في رعاية شؤون اللاجئين، ومادامت الدول الكبرى معنية بدعم هذه الوكالة، أي ملتزمة بحل قضية اللاجئين، وبالسياق، ستبقى القضية سنة، بعد سنة، على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها العادية، تناقش تقارير مفوضها العام ولجنتها الإستشارية، وتجدد لها التفويض في التوقيت المناسب. فلا عجب، والحال هكذا، أن تناصب حكومات إسرائيل المتعاقبة وكالة الغوث العداء، وأن تصوت في الأمم المتحدة ضد القرار 194 (العودة والتعويض) وضد القرار 302 (تأسيس وكالة الغوث) حين تصوت ضد تجديد تفويضها.

ولا عجب إذن، حين تدعو إسرائيل على الدوام إلى حل وكالة الغوث، في سياق تحركها لطمس قضية اللاجئين وحق العودة، وأن يدعو شمعون بيريس، في أعقاب التوقيع على اتفاق أوسلو، إلى إعادة النظر بتفويضها، لتتحول من وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين، إلى وكالة للعمل على توطينهم إما في الدول المضيفة، أو إعادة تهجيرهم وتوزيعهم في أنحاء الكرة الأرضية وتذويبهم في المجتمعات المحلية، على طريق طمس وتذويب الشخصية الوطنية الفلسطينية لحوالي ستة ملايين فلسطيني.

*     *       *

نتنياهو، في سياق تحركه العدائي ضد اللاجئين وحق العودة، يدرك صعوبة أن يقنع الأمم المتحدة بإلغاء القرار 194، كما ألغت قرار مساواة الصهيونية بالنازية.

فالمسألة مختلفة تماماً، وأكثر تعقيداً، وتمس مسائل عدة، من بينها مسألة عضوية إسرائيل نفسها في الأمم المتحدة. ونتنياهو، أيضاً في سياق تحركه، يدرك صعوبة أن يقنع المجتمع الدولي بحل وكالة الغوث، لأسباب سياسية وأسباب إنسانية، والأهم من هذا كله، خوفاً على المصالح الغربية في المنطقة العربية.

لذلك يحاول نتنياهو أن يلتف على الأمر بسلسلة مناورات، لم تحقق حتى الآن أهدافها، كإقناع الدول المانحة بالتوقف عن دعم «الوكالة» وتمويلها، ما يؤدي إلى موتها. حتى الولايات المتحدة نفسها، رفضت الاستجابة لمطلبه لأنها تدرك مخاطر هذا الأمر على الأوضاع الأمنية في المنطقة العربية. وحتى كندا، التي امتنعت لفترة محدودة عن تمويل «الوكالة»، عادت عن قرارها، واستعادت دورها في مد وكالة الغوث بالمال والمساعدات العينية، خاصة في ظل تدهور أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وسوء أحوالهم الحياتية في قطاع غزة، دون أن يعني ذلك أن أحوال الأخرين في المناطق المضيفة هي أفضل حالاً.

لذلك آخر ما تفتقت عنه مناورات حكومة نتنياهو وفريقه المختص، هو الدعوة إلى إعادة النظر بتفويض وكالة الغوث، عبر إعادة  تعريف اللاجئ الفلسطيني، وشطب مبدأ توريث الصفة من جيل لآخر. والاكتفاء بأن اللاجئ هو الذي غادر فلسطين عام 1948. أما الذين ولدوا بعد هذا التاريخ، من أب، أو أبويين لاجئين، لا يعتبرون لاجئين، ولا تشملهم العملية التفاوضية، ولا ينطبق عليهم القرار 194، ولا تشملهم رعاية وكالة الغوث، والتزاماتها في ميادين خدماتها المختلفة.

*      *       *

في الحقيقة لا جديد في فكرة نتنياهو واقتراحه. إذ إن إسرائيل، فضلاً عن رفضها الإعتراف بمسؤوليتها السياسية والقانونية والأخلاقية عن ولادة قضية اللاجئين، وفضلاً عن رفضها لحق العودة إلى الديار والممتلكات التي هجر منها اللاجئون منذ العام 1948، لم تتوقف عن محاربة القضية عبر سلسلة من المشاريع، الهادفة كلها إلى تغليب وجهة نظرها بشأن اللاجئين وحق العودة. ولقد نجحت، في العامين 93/94، في إفشال أعمال اللجنة الرباعية (مصر، الأردن، م.ت.ف، وإسرائيل) التي كلفت بحل قضية النازحين (الذين هجروا في حرب 1967)، حين عطلت إسرائيل كل الإقتراحات لتعريف النازح، وتعريف اللاجئ، حتى لا تصبح مسؤولة عن حل هاتين القضيتين. ولا تفوت إسرائيل فرصة واحدة للطعن بالقضية والطعن بحق العودة. لذا تلجأ إلى عدد لا ينتهي من الإقتراحات والسيناريوهات الإلتفافية                             

نتنياهو يعتقد أن إعادة صياغة تعريف اللاجئ، من شأنه أن يشطب من ولاية الوكالة ملايين اللاجئين الذين ولدوا بعد التهجير، خارج البلاد، ولن يتبقى سوى بضعة آلاف، أكثرهم «شباباً» بلغ السبعين من عمره، ولا يتبقى له على قيد الحياة سوى سنوات معدودة. وهو يعني في السياق، تقليص كبير لدور الوكالة ومسؤوليتها، ورهان على الزمن لإنهاء قضية اللاجئين. وحتى لو طرحت «عودة» هؤلاء، دون ذريتهم ــ كما تشترط إسرائيل، إلى الضفة، فإنهم لن يشكلو العبء الذي تشكله قضية حوالي 6 ملايين لاجئ.

حكومة إسرائيل، لن تكتفي هذه المرة بإطلاق دعوة إعلامية، ولن تكتفي بعرض إقتراحها على «الدول الصديقة»، بل هي جادة في بلورة مشروع قرار تطلب تقديمه إلى الأمم المتحدة، وهي لذلك قدمت مشروعها إلى الكونغرس الأميركي، عبر اللجنة المختصة بصياغة مشاريع القرارات المقدمة إلى الأمم المتحدة. وتراهن إسرائيل على أن صداقاتها مع صف عريض من رجال الكونغرس، خاصة الأعضاء في اللجنة المذكورة، من شأنها أن تثمر إيجاباً، كما تعتقد أن الإصرار على المشروع، سنة وراء سنة، في ظل حملة إعلامية وسياسية واسعة، ترافقها مشاريع موازية لإستقبال أعداد من اللاجئين الفلسطينيين هنا وهناك، في أوروبا، وغيرها، من شأنها أيضاً أن تشق لمشروع إعادة تصنيف وتعريف اللاجئ الفلسطيني في الأمم  المتحدة. كما تعتقد إسرائيل، أن تقليص الدول والجهات المانحة، لإلتزاماتها نحو وكالة الغوث، وإغراق الوكالة في الأزمات المالية المستعصية، قد يكون من شأنه أن «يقنع» المجتمع الدولي بإعادة النظر بتعريف اللاجئ، خاصة أولئك الذين حصلوا على جنسيات عربية أو أجنبية، أو الذين حصلوا على «الرقم الوطني» الفلسطيني.

 كل هذا يؤكد أن قضية اللاجئين، وحق العودة، موضوعة بشكل دائم، فوق نار، مرة تكون حامية، ومرة تكون هادئة، لكنها في كل المرات، هي تحت الرقابة الإسرائيلية، وفي ظل إهتمام متزايد، لإسقاط هذه القضية من جدول أعمال المجتمع الدولي.

يبقى من واجبنا أن نسأل ـــ على الهامش ــ كيف تدير اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. هذه المسألة ــ وكيف تدير دائرة شؤون اللاجئين في «التنفيذية» هذه القضية وماهي مشاريعها، ومشاريع الدبلوماسية الفلسطينية و وزارة الخارجية في السلطة الفلسطينية، للتصدي للحراك الإسرائيلي المحموم؟